عامر هشام الصفّار
الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 13:22
المحور:
الادب والفن
يمثّل التراث الشعبي العراقي ذاكرةً حيّةً تختزن تاريخ المجتمع العراقي، وتعكس تنوعه الثقافي والحضاري الممتد عبر آلاف السنين. فمن الحكايات الشعبية والأمثال والأغاني والمواويل، إلى العادات والتقاليد والفنون والحرف والمناسبات الاجتماعية، ظلّ هذا التراث شاهداً على هوية العراق وروحه الجامعة، رغم ما مرّ به من تحولات وأزمات. غير أنّ هذا الإرث الثمين يواجه اليوم تحديات كبيرة تتمثل في الإهمال، وضياع الكثير من الموروثات الشفوية، وضعف التوثيق العلمي، فضلاً عن تأثير العولمة والتغيرات الاجتماعية المتسارعة التي تهدد باندثار أجزاء مهمة من الذاكرة الشعبية العراقية.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي يكون مؤسسة علمية وثقافية متخصصة تُعنى بجمع هذا التراث وتوثيقه ودراسته والمحافظة عليه، بوصفه جزءاً أساسياً من الهوية الوطنية العراقية. إن وجود مركز أكاديمي متخصص سيمنح التراث الشعبي مكانته التي يستحقها داخل المؤسسات العلمية والثقافية، ويحوّل الاهتمام به من جهود فردية متفرقة إلى مشروع وطني منظم ومستدام.
ويهدف هذا المركز إلى التعريف بالتراث الشعبي العراقي بمختلف أشكاله ومكوناته، والعمل على حفظه من الضياع عبر إنشاء أرشيف علمي متكامل يضم التسجيلات الصوتية والمرئية، والمخطوطات، والصور، والدراسات الميدانية المتعلقة بالموروث الشعبي في جميع مناطق العراق. كما يسعى إلى تشجيع الباحثين والأكاديميين وطلبة الدراسات العليا على إجراء البحوث العلمية المتخصصة في مجالات الفلكلور والأدب الشعبي والأنثروبولوجيا الاجتماعية، من خلال تقديم الدعم العلمي وإصدار المجلات المحكمة والمنشورات المتخصصة.
ومن المهم أيضاً أن يضطلع المركز بدور فاعل في تنظيم الندوات والمؤتمرات العلمية والملتقيات الثقافية التي تُعنى بالتراث الشعبي العراقي، بما يتيح تبادل الخبرات بين الباحثين والمختصين، ويعزز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على هذا الإرث الحضاري. فمثل هذه الفعاليات لا تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب، بل تسهم في ربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية وتعزيز شعورها بالانتماء الوطني.
إن تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي ليس مشروعاً ثقافياً فحسب، بل هو مشروع وطني لحماية الهوية العراقية وصيانة الذاكرة الجمعية للمجتمع. فالأمم التي تحافظ على تراثها إنما تحافظ على شخصيتها وخصوصيتها الحضارية، وتؤسس لمستقبل أكثر ارتباطاً بالجذور والقيم الأصيلة. والعراق، بما يمتلكه من تنوع ثقافي وإنساني غني، أحوج ما يكون اليوم إلى مؤسسة علمية رصينة تتولى حماية هذا الإرث العظيم وتقديمه للأجيال القادمة بوصفه جزءاً من تاريخ الوطن ووجدانه.
#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟