أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي














المزيد.....

هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


تشهد الرواية العراقية المعاصرة تحوّلات ملحوظة على مستوى الموضوع والأسلوب، إذ لم يعد التاريخ يُستحضر بوصفه مجرد سجلّ للأحداث، بل غدا مجالًا تأويليًا واسعًا يُعاد من خلاله التفكير في الحاضر بما يحمله من قلق وأسئلة وجودية. وفي هذا الإطار، برز إرث حضارات وادي الرافدين، بما ينطوي عليه من رموز وأساطير، كمصدر أساس يرفد السرد العراقي برؤى ودلالات عميقة.
ومنذ بدايات الألفية الثالثة، ومع التحوّلات السياسية والاجتماعية الحادّة التي مرّ بها العراق، أخذت العودة إلى التاريخ بعدًا جديدًا، تمثّل في السعي إلى استعادة الجذور والبحث عن الهوية، بل ومحاولة ترميم المعنى في واقع يتسم بالتشظي. وهكذا لم يعد التاريخ مادة ثابتة، بل أصبح نصًا مفتوحًا يُعاد تشكيله وتفكيكه وفق تصورات معاصرة. ويتجلى هذا المنحى في أعمال روائية استحضرت شخصيات وأحداثًا من حضارات سومر وبابل وآشور، لا بهدف إعادة سردها، وإنما لإقامة حوار نقدي يعيد مساءلتها في ضوء الراهن.
وتواصل الكاتبة العراقية زهراء أزهر الحبوبي حديثها عن روايتها، الصادرة في طبعة جديدة عن دار الحكمة في لندن عام 2024، مؤكدة أنها عمل “بنكهة سومرية” تدور أحداثه في فضاء دويلات المدن السومرية في وادي الرافدين خلال الألف الثالث قبل الميلاد. وتصف أرض الرافدين بكونها “معزوفة عشق” تنبض بها كلماتها، حنينًا إلى الماضي وتطلعًا إلى غد أكثر إشراقًا.
وعند التوقف عند هوامش الرواية، الممتدة عبر صفحاتها التي تبلغ 240 صفحة من القطع المتوسط، يتضح أنها ليست مجرد إضافات تفسيرية عابرة، بل مكوّن أساس يتداخل مع متن السرد، ويغدو جزءًا لا ينفصل عن بنية الحكاية. فالهوامش هنا لا تؤدي وظيفة الشرح فقط، وإنما تفتح مساحات دلالية موازية تسهم في تعميق المعنى وإثراء التجربة القرائية.
ذلك أن الهامش في العمل الروائي لا يُختزل في كونه عنصرًا ثانويًا؛ بل قد يتحول إلى أداة فنية وفكرية تتيح للكاتب توسيع عالمه السردي، أو التعليق الضمني على مجريات الأحداث، أو حتى تقديم رؤية موازية تقف على تخوم النص. ومن خلال هذا المنظور، يمكن لقراءة الهوامش أن تكشف عن خلفيات تاريخية وثقافية تسند الموضوع الرئيس، كما قد تميط اللثام عن طبقات خفية أو تناقضات كامنة في السرد، فضلًا عن احتوائها على إشارات رمزية ونقدية لا تظهر بشكل مباشر في المتن.
وعليه، فإن فهم هذه الهوامش يظل رهينًا بقراءتها في سياقها النصي، إذ تستمد معناها من علاقتها العضوية بالمتن. وقد تبرز أحيانًا فجوة دلالية بين ما يُصرّح به داخل النص وما يُلمَّح إليه في الهامش، بما يعكس ثيمات مثل الازدواجية أو أهتزاز اليقين. كما قد تحيل بعض الهوامش إلى أحداث أو أمكنة أو أفكار لا يُفصح عنها بالكامل في السرد، الأمر الذي يوسّع أفق الرواية، لتتجاوز الحكاية المباشرة نحو قضايا أرحب كالتاريخ والذاكرة والمنفى.
وبحكم تخصّص الكاتبة زهراء الحبوبي في مجال الصحة العالمية، كان من الطبيعي أن تتسلل بعض المعارف الطبية إلى هوامش روايتها، خاصة وأن الشخصية الرئيسة تعاني حالة نادرة تتمثل في تموضع القلب في الجانب الأيمن من الجسد بدل الأيسر، فضلًا عن كونه أعسر يعتمد على يده اليسرى في تفاصيل حياته اليومية، حتى إن سيفه صُمّم خصيصًا ليلائم أسلوب قتاله المختلف.
وتكشف هوامش الرواية، التي بلغت ستةً وثلاثين هامشًا، عن ثراء معرفي يتقاطع فيه التاريخي بالعلمي والأسطوري. فهي تستحضر، على سبيل المثال، العجلة بوصفها أحد أبرز منجزات الحضارة السومرية التي غيّرت مسار البشرية، وتمتد في إشاراتها إلى مكتشفات أثرية مثل تاج الأميرة الذي عُثر عليه في مقبرتها بمدينة أور. كما تسهم هذه الهوامش في توضيح بعض التعابير السردية، فعندما يرد في النص: «تلقى أخي طعنة في مستودع حياته»، يأتي الهامش ليبيّن أن المقصود هو الكبد، باعتباره العضو الذي يحتوي على أكبر كمية من الدم في جسم الإنسان.
ويكتسب الهامش رقم (10) أهمية خاصة، إذ يفصّل الحالة الطبية النادرة لأنعكاس موضع القلب، مشيرًا إلى أنها تحدث بمعدل حالة واحدة تقريبًا بين كل اثني عشر ألف مولود، وأن المصاب بها يمكن أن يعيش حياة طبيعية ما لم ترافقها تشوهات خلقية أخرى. كما يوضح الهامش ذاته أن العُسر (استخدام اليد اليسرى) لا يرتبط بموضع القلب، بل هو سمة مستقلة، إذ تتشابه نسبته لدى الأشخاص الطبيعيين وأولئك الذين يعانون انعكاس الأعضاء.
وفي سياق المعتقدات والممارسات القديمة، يذكر الهامش (12) أن قراءة الطالع عبر دوائر الزيت في الماء كانت إحدى وسائل التنبؤ في سومر، بينما يشرح الهامش (16) تصور السومريين للموت بوصفه انفصال الروح عن الجسد، لتنتقل الروح إلى “العالم السفلي” أو “عالم اللاعودة”. أما الهامش (18) فيفسّر “نبات السعادة” الوارد في الرواية، مبينًا أنه الأسم السومري لنبات الخشخاش الذي يُستخرج منه الأفيون، لأحتوائه على مواد فعالة أبرزها المورفين.
ولا تغفل الهوامش البعد الجغرافي، إذ يشير الهامش (21) إلى منطقة “مجان” المذكورة في النصوص السومرية، والتي يُرجّح أنها تقع في عُمان حاليًا، وكانت تربطها ببلاد الرافدين علاقات تجارية، خاصة في مجال استيراد المعادن. كما يعود الهامش (27) إلى الكبد مرة أخرى، ولكن من زاوية ميثولوجية، موضحًا أن فحص كبد الحيوانات المقدمة للقرابين كان من أقدم أساليب العرافة، حيث تُدرس بنيته وقنواته وفق نظام محدد لأستنتاج دلالات تتعلق بقبول القربان ومصير صاحبه، مع الإشارة إلى وجود نموذج لكبد يعود إلى العصر البابلي محفوظ في المتحف البريطاني.
ومن خلال هذا التداخل بين السرد والمتن الهامشي، يتأكد أن هوامش رواية مدن لا تغلب يدي ليست عنصرًا ثانويًا يمكن تجاوزه، بل تمثل امتدادًا دلاليًا ومعرفيًا للنص، تسهم في استكمال معانيه وتعميق أبعاده، فضلًا عما تقدمه من فائدة ثقافية تثري تجربة القارئ وتفتح أمامه آفاقًا أوسع للفهم والتأويل.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليوم العالمي للكم: من أسرار الذرة إلى ثورة التكنولوجيا الحد ...
- الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في الكشف المبكر عن سرطان الثدي
- الوجه… تاريخ ثقافي يكشف أسرار الهوية والسلطة
- لطفية الدليمي… سيرة إبداع ودروس في معنى الكتابة والحياة
- الجراحة عن بُعد… إنجاز طبي يقرّب المسافات
- دواء جديد يمنح الأمل للأطفال المصابين بالصرع من نوع متلازمة ...
- سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية
- أفتتاح مستشفى أورام جديد في الموصل: خطوة تاريخية أم اختبار ح ...
- أول ولادة بعد زراعة رحم من سيدة متوفاة في بريطانيا: قصة أمل ...
- فيلم -هامنت-.. شكسبير في مرآة الفقد
- قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع- ...
- الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام ثورة جذرية في خلق الحياة
- عدد جديد من مجلة الشارقة الثقافية
- البيت بوصفه ذاكرة: قراءة في فيلم “قيم عاطفية” (Sentimental V ...
- جائزة فن العمارة لهذا العام لمبنى في لندن يعالج الشعور بالوح ...
- حول مهرجان لندن السينمائي ٢٠٢٥
- الدكتور محمود عبد الهادي البحراني في ذمة الخلود
- جائزة نوبل في الأقتصاد 2025 تمنح لعلماء ثلاثة عملوا على النم ...
- كتاب -رؤى في الحياة والثقافة- يكشف عن سر التوازن بين المتعة ...
- جات جي بي تي مجرد البداية.. !


المزيد.....




- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي