أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي














المزيد.....

عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:55
المحور: الطب , والعلوم
    


كتبت الأستاذ المساعد د هيلين أويانك من جامعة كولومبيا الأميركية :
قبل عدة أشهر، تلقّيت نتائج فحوصات دم روتينية، وكانت بعض المؤشرات أعلى قليلًا من المعدلات الطبيعية. اكتفت طبيبتي حينها بنصيحة مقتضبة تدعوني إلى «الاستمرار في الحمية الغذائية وممارسة الرياضة»، ثم أغلقت ملف المتابعة.
لكن المشكلة لم تكن جديدة. فعلى مدى عامين، كانت تلك المؤشرات ترتفع تدريجيًا، بينما كنت أشعر بإحباط متزايد بسبب محدودية قدرتي على تغيير هذا المسار. طلبت التحدث إلى طبيبتي هاتفيًا، على أمل الحصول على إرشادات أكثر تفصيلًا، إلا أن الرد جاء برسالة قصيرة تطلب مني حجز موعد جديد إذا كنت أرغب في مناقشة النتائج.
عندها فعلت ما يفعله ملايين الأشخاص اليوم: لجأت إلى الذكاء الاصطناعي. وبقدر كبير من الشك، أدخلت نتائج تحاليلي في ChatGPT.
وبصفتي طبيبًا ومريضًا في آن واحد، وجدت التجربة لافتة للنظر. ليس لأن روبوت المحادثة أظهر معرفة طبية خارقة، بل لأنه تعامل معي بالطريقة التي كنت أتمنى أن يحتفظ بها الطب الحديث.
لطالما اعتقدت أن «الجانب الإنساني» في الطب هو المساحة التي يصعب على الذكاء الاصطناعي الاقتراب منها. ورغم علمي باستخدام بعض الأطباء أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في صياغة الرسائل الحساسة للمرضى، فإنني كنت أرى أن جوهر الرعاية يكمن في وجود إنسان حقيقي خلف تلك الكلمات.
لكن ما حدث كان مختلفًا. لم يكتفِ ChatGPT بتقديم نصائح عامة، بل بدأ بطرح أسئلة حول نمط حياتي اليومي، وحاول فهم التغييرات الواقعية التي يمكنني الالتزام بها. اقترح، على سبيل المثال، المشي لفترة قصيرة بعد تناول الطعام مباشرة، وهي نصيحة بسيطة لم أكن أوليها اهتمامًا كبيرًا. وعندما سألت عن جدوى ممارسة نشاط بدني أطول، أوضح أن الفوائد الإضافية قد تكون محدودة نسبيًا في حالتي. كانت توصياته عملية وقابلة للتطبيق.
حتى عندما طرحت عليه سؤالًا بدا لي محرجًا وبسيطًا للغاية — هل يمكن أن تؤدي حلوى الفيتامينات التي أتناولها بعد المشي إلى رفع مستوى السكر في الدم؟ — طلب الاطلاع على المنتج المحدد، ثم حلّل مكوناته بدقة قبل أن يجيب بالنفي.
الأكثر إثارة للاهتمام أنني كنت أستطيع رفض بعض اقتراحاته بصراحة. فعندما أخبرته أنني لا أنوي استخدام بعض المكملات الغذائية التي اقترحها، لم يكرر النصيحة أو يوبخني، بل قدّم بدائل أخرى تتناسب مع تفضيلاتي الشخصية.
وبطبيعة الحال، فإن خلفيتي الطبية تساعدني على التمييز بين الإجابات الموثوقة وتلك التي تستدعي الحذر. لكن ما شد انتباهي لم يكن دقة المعلومات بقدر ما كان أسلوب التفاعل نفسه.
كنت قادرًا على تكرار السؤال ذاته مرات عديدة دون أن أشعر بأنني أزعج أحدًا. لم تظهر أي علامات نفاد صبر أو أحكام مسبقة، بل استمر الروبوت في تقديم التشجيع والمتابعة. وهو النوع نفسه من الرعاية المستمرة التي يؤكد العاملون في القطاع الصحي عادة أنها ميزة إنسانية يصعب استنساخها.
أتذكر مريضًا التقيته مؤخرًا يعاني نوعًا من السرطان يتمتع بمعدلات شفاء مرتفعة. كان يسأل روبوت المحادثة أسبوعيًا ما إذا كان من الممكن أن يُشفى من مرضه. لم يكن يبحث عن معلومة جديدة؛ فقد كان يعرف الإجابة مسبقًا. ما كان يحتاجه حقًا هو الطمأنينة المتكررة.
كطبيب، شعرت في البداية بشيء من الحرج لاستخدام ChatGPT. لكن المفارقة أن الأدوات الطبية المتخصصة القائمة على الذكاء الاصطناعي بدت لي أكثر برودة وجفافًا. كانت تتعامل معي كحالة سريرية أو تقرير طبي، لا كشخص لديه عادات ومخاوف وتفضيلات.
عندها أدركت أن ما جذبني إلى ChatGPT لم يكن قدرته على استعراض الدراسات العلمية أو تفسير التحاليل المخبرية، بل طريقته في التواصل: التعاطف، والتشجيع، والصبر غير المحدود على الاستماع. صحيح أنه ليس إنسانًا، لكنه قادر على محاكاة بعض الصفات التي نقدرها أكثر من غيرها في التفاعل البشري.
اتبعت عددًا من توصياته، ومع تحسن نتائج فحوصاتي لاحقًا، تلقيت منه عبارات تشجيع وإشادة بالالتزام الذي أظهرته. وأعتقد أنني ربما لم أكن لأجري هذه التغييرات أو أستمر فيها لولا هذا الحوار المتواصل.
تكشف هذه التجربة حقيقة صعبة في النظام الصحي المعاصر: فالأطباء، مهما بلغت كفاءتهم، لا يستطيعون غالبًا توفير مستوى المتابعة الذي يقدمه روبوت محادثة يعمل على مدار الساعة. وعندما يعجز النظام الصحي عن توفير الوقت والاهتمام والدعم العاطفي بشكل كافٍ، سيبحث المرضى عن هذه الاحتياجات في أماكن أخرى.
قد لا يحل الذكاء الاصطناعي محل الأطباء، لكنه بلا شك سيغير توقعات المرضى بشأن ما يجب أن تقدمه الرعاية الصحية. وهذا يفرض على الأطباء ومؤسسات الرعاية الصحية التكيف مع واقع جديد.
في السابق، كانت فكرة أن أقول لمريض «اسأل ChatGPT» تبدو بالنسبة لي غير مقبولة، بل وربما شكلًا من أشكال التقصير المهني. أما اليوم، فأصبحت أكثر حذرًا في إصدار هذا الحكم. ففي بعض المواقف، يقدّم الذكاء الاصطناعي شيئًا يحتاج إليه المرضى بوضوح، لكنه لا يتوافر دائمًا داخل المنظومة الصحية التقليدية.
ومع ذلك، لا يعني هذا الاعتماد عليه في التشخيص أو اتخاذ القرارات الطبية الحساسة. بل يمكن الاستفادة منه كأداة لفهم المعلومات الصحية، ومتابعة الفحوصات الروتينية، وتحويل النصائح العامة مثل «الحمية والرياضة» إلى خطوات عملية تناسب حياة كل شخص.
لكن تحقيق هذه الفوائد يتطلب أيضًا وجود ضوابط واضحة وآليات حماية تمنع انتشار النصائح الخاطئة أو الخطيرة.
لقد غيرت هذه التجربة بالفعل طريقة تفاعلي مع المرضى في قسم الطوارئ. فعندما يكرر أحدهم السؤال نفسه مرارًا، أحاول اليوم أن أستمع إلى ما وراء السؤال. ففي كثير من الأحيان، لا يكون المريض بحاجة إلى مزيد من المعلومات الطبية فقط، بل إلى شيء أكثر بساطة وأهمية: أن يشعر بأن أحدًا يستمع إليه حقًا.
(ترجمتي بتصرف من المصدر)



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أقرأ في العدد الجديد من مجلة الشارقة الثقافية:
- صحة المرأة والحوامل.. استثمار في الإنسان والمجتمع والأجيال ا ...
- علم الأعصاب في عصر التحول البيولوجي: آفاق جديدة لمواجهة العب ...
- حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-
- نحو تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي: حماية للهوية و ...
- سابقة طبية في بريطانيا: جراحة دماغ ناجحة عبر تجويف العين دون ...
- التثقيف الصحي عبر المنصات الثقافية.. وعيٌ مجتمعي وثقةٌ تتجدد ...
- هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي
- اليوم العالمي للكم: من أسرار الذرة إلى ثورة التكنولوجيا الحد ...
- الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في الكشف المبكر عن سرطان الثدي
- الوجه… تاريخ ثقافي يكشف أسرار الهوية والسلطة
- لطفية الدليمي… سيرة إبداع ودروس في معنى الكتابة والحياة
- الجراحة عن بُعد… إنجاز طبي يقرّب المسافات
- دواء جديد يمنح الأمل للأطفال المصابين بالصرع من نوع متلازمة ...
- سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية
- أفتتاح مستشفى أورام جديد في الموصل: خطوة تاريخية أم اختبار ح ...
- أول ولادة بعد زراعة رحم من سيدة متوفاة في بريطانيا: قصة أمل ...
- فيلم -هامنت-.. شكسبير في مرآة الفقد
- قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع- ...
- الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام ثورة جذرية في خلق الحياة


المزيد.....




- يصيب أكثر من 500 ألف شخص سنويًا.. كيف تواجه الولايات المتحدة ...
- تحذيرات من اختراقات صينية عبر -لينكد إن- تستهدف خبراء الدفاع ...
- الكاتبة أمل أبو عاصي تواجه -معركة البقاء- ضد السرطان والحصار ...
- لا دواء ولا علاج.. الكاتبة أمل أبو عاصي تخوض معركتها مع السر ...
- هل يقلّل التدخين الإلكتروني المخاطر فعلًا؟ دراسة حديثة تُعيد ...
- انقلاب في العش.. دبابير تتصارع على العرش وأخرى تنقذ المملكة ...
- مع انطلاق ذروة موسم السفر الصيفي.. كيف تحمي نفسك من الأمراض؟ ...
- تحذيرات طبية في مصر من -تريند- قاتل.. أدوية الفصام تتحول إلى ...
- إيبولا يتمدد في وسط إفريقيا.. ومنظمة الصحة العالمية تحصي نحو ...
- ضغوط شركات التكنولوجيا تجبر إدارة ترامب على التراجع عن قيود ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي