أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراءة في جماليات اليومي وتحولات اللغة الشعرية














المزيد.....

شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراءة في جماليات اليومي وتحولات اللغة الشعرية


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


لا يبدو عنوان ديوان "حلويات" للشاعر العراقي عمر السراي عنوانًا بريئًا أو وصفًا لموضوعات الديوان، بقدر ما يشكل مفتاحًا تأويليًا لقراءته. فمنذ الإهداء: "إلى طفلٍ لم يمتلك ثمنها" يضع الشاعر القارئ أمام مفارقة تأسيسية؛ فالحلوى ليست مادتها السكر، بل القصيدة نفسها، وكأن الشعر يصبح التعويض الرمزي عن الحرمان الإنساني، ومحاولة لأستعادة براءة فقدها العالم.
ينتمي الديوان إلى قصيدة النثر، لكنه لا يكتفي بالقطيعة مع الأوزان، وإنما يؤسس لقطيعة أخرى مع اللغة الشعرية التقليدية. فالسراي لا يبحث عن البلاغة في فخامة المفردة، وإنما في قدرتها على ملامسة الحياة اليومية بكل تفاصيلها، حتى تلك التي تبدو بعيدة عن الشعر. وهنا تتجلى واحدة من أهم سمات الديوان، وهي تحويل اللغة اليومية إلى لغة شعرية.
أنسنة المفردة الرقمية
ولعل من أبرز الظواهر الفنية في الديوان توظيف معجم التقنيات الحديثة بوصفه جزءًا من التجربة الوجدانية، وليس مجرد أستعارة عصرية. ففي قصيدة "نسخ أحتياطي" تتحول وظيفة الحاسوب إلى استعارة للحب:
أخاف على لحظاتنا السابقة...
أخاف أن لا أجدك كلَّك
فتسقط القبلة في الفراغ.
فالنسخ الأحتياطي هنا ليس حفظًا للملفات، بل محاولة لحماية الذاكرة العاطفية من الفقد، لتصبح التقنية وسيطًا جديدًا للتعبيرعن أقدم مشاعر الإنسان.
وتتكرر هذه التقنية في قصيدة "ضبط المصنع":
كلما توترت الليالي بيننا...
أبحث في ملف الإعدادات
عن رصاصة رحمة.
إن الشاعر يعيد تعريف الحب من خلال لغة الهواتف الذكية، في أستعارة لا تقوم على الطرافة وحدها، بل على وعي بأن الإنسان المعاصر يعيش ذاكرته وعلاقاته عبر الشاشات.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في قصيدة "وصفة" حين يقول:
"الحب يعني أن نعيش عميقًا...
ونضع إشارة لقلوبنا... فوق خرائط ال (الكوكل)."
وهنا تتحول خرائط «كوكل» من أداة للمكان إلى خريطة للوجدان.

الحب بوصفه مقاومة
لا يكتب السراي قصيدة الغزل بالمفهوم التقليدي، وإنما يجعل الحب فعلاً مضادًا للحرب. فالمرأة في الديوان ليست معشوقة معزولة عن الواقع، بل وطن صغير ينجو به الشاعر من الخراب.
في قصيدة "ريش 1" يقول:
ماذا تنفع الأشعار
إذا ما (أنتما) عندي...؟
إنه سؤال يعيد ترتيب العلاقة بين الشعر والحياة؛ فالحبيبة ليست موضوع القصيدة، وإنما غايتها، بينما يصبح الشعر نفسه ناقصًا في غيابها.
وفي نصوص أخرى تتماهى المرأة مع المدينة، ويصبح الوصول إليها معادلًا للوصول إلى وطن آمن:
سآتيك مرتديًا ثوب مدينة جديدة
أسوارها أصابع من حلوى.
وهذه الصورة من أجمل صور الديوان؛ إذ تتحول الحلوى من عنوان إلى مشروع رمزي لبناء مدينة لا تقوم على الإسمنت، وإنما على البراءة.
الحرب بأعتبارها قدراً وجودياً
الحرب في "حلويات" ليست حدثًا سياسيًا، بل حالة وجودية تُعيد تشكيل الإنسان.
في قصيدة "جثة نازحة" يكتب السراي:
هربت من الحرب الأولى...
بما أستطعت أن احمله سريعا من ممتلكاتي
البسيطة
وهي ما أوصلتني سالما الى الحرب الثانية..
التي هربت منها بملابسي فقط
وهي التي أوصلتني وقورا الى الحرب الثالثة
التي هربت منها عاريا حتى من روحي..!
أنا الآن حر
هنا يبلغ التهكم ذروته؛ فالحرية لا تتحقق بالنجاة، بل بفقدان كل شيء، حتى الذات نفسها. وهذه إحدى أبرز سمات الديوان، إذ يعتمد المفارقة السوداء وسيلة لكشف عبث الواقع العراقي.
هوية تتجاوز الأنقسام
في قصيدة "من أنتم؟" يكتب السراي نصًا أقرب إلى البيان الثقافي منه إلى القصيدة، مستحضرًا ثنائية «الشروگيين» و«البغداديين»، لكنه لا يعيد إنتاج الأنقسام، بل يفككه، ويؤكد أن الهوية العراقية أوسع من التصنيفات الأجتماعية والطائفية.
فالقصيدة تستثمر اللغة الشعبية والرموز الدينية والجغرافيا البغدادية لتؤكد أن الأنتماء الحقيقي هو للذاكرة المشتركة، لا للهويات المغلقة.
الاقتصاد اللغوي واللقطة السينمائية
تتسم معظم نصوص الديوان بالقصر والتركيز، حتى تبدو أقرب إلى مشاهد سينمائية. ولا غرابة في ذلك؛ فالسراي كاتب سيناريو أيضًا، ولذلك تعتمد قصائده على اللقطة أكثر من أعتمادها على الوصف.
قصيدة "مزامنة" مثال واضح:
تتحركان معًا... يدانا
ترمشان معًا... عينانا
تلتقيان معًا... شفتانا
مَنْ أطفأ زر العشق لنفترق؟
إنها قصيدة تقوم على الإيقاع البصري أكثر من أعتمادها على البلاغة التقليدية، وتستثمر مفردة "الزر" الرقمية لتفسير انطفاء العلاقة الإنسانية.
وخلاصة القول فأن الشاعر عمر السراي يقدم في ديوانه "حلويات" تجربة شعرية تنتمي إلى ما يمكن تسميته شعرية ما بعد الحرب؛ حيث تتجاور الذاكرة مع التقنية، والعاطفة مع السياسة، واليومي مع الفلسفي. ولا يسعى الديوان إلى إنتاج خطاب احتجاجي مباشر، بل ينجح في تحويل تفاصيل الحياة العراقية إلى أستعارات كونية، تجعل الحب وسيلة لفهم الخراب، وتجعل اللغة نفسها مكانًا للمقاومة.
لقد أستطاع السراي أن يبرهن أن قصيدة النثر لا تتجدد بالتمرد على الوزن فحسب، بل بتجديد معجمها ورؤيتها للعالم. ولذلك يغدو «حلويات» أكثر من ديوان شعر؛ إنه وثيقة جمالية عن إنسان يعيش بين الحرب والحب، ويصرّ رغم كل شيء على أن يبني مدينة "أسوارها أصابع من حلوى".



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...
- عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية ف ...
- كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية وصناع ...
- الأتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق يحتفي بالمترجم والأ ...
- هل توصل الطب اليوم الى علاج مرضى الذئبة الحمراء أو ال LPS … ...
- وفاة الجراح والمعلم البريطاني البارز هارولد إليس عن عمر ناهز ...
- عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي
- أقرأ في العدد الجديد من مجلة الشارقة الثقافية:
- صحة المرأة والحوامل.. استثمار في الإنسان والمجتمع والأجيال ا ...
- علم الأعصاب في عصر التحول البيولوجي: آفاق جديدة لمواجهة العب ...
- حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-
- نحو تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي: حماية للهوية و ...
- سابقة طبية في بريطانيا: جراحة دماغ ناجحة عبر تجويف العين دون ...


المزيد.....




- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...
- روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم ...
- روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة
- صالون السينما السعودية المستقلة: مبادرة تنطلق من باريس تعكس ...
- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...
- بوتين يوجه بحزمة إجراءات لدعم اللغة الروسية وتعزيز مكانتها ع ...
- موسم مسرحي حافل بالعروض الأولى في موسكو
- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراءة في جماليات اليومي وتحولات اللغة الشعرية