أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مشروع الدولة الأول














المزيد.....

الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مشروع الدولة الأول


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 15:55
المحور: الطب , والعلوم
    


ليس الجهل قدراً محتوماً على الشعوب، بل هو نتيجة مباشرة لغياب التخطيط السليم، وضعف الأستثمار في الإنسان، وإهمال بناء منظومة تعليمية قادرة على صناعة المعرفة. ومن هنا برز مفهوم "علم الجهل" الذي لا ينظر إلى الجهل بوصفه مجرد نقص في المعلومات، وإنما يدرسه بوصفه ظاهرة أجتماعية وسياسية وأقتصادية تنشأ عندما تتراجع أولويات التعليم، ويضعف الوعي، وتتقلص فرص الوصول إلى المعرفة.
وتقع على عاتق القيادات الحاكمة المسؤولية الكبرى في مواجهة هذه الظاهرة، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من المدرسة قبل أن تبدأ من المصنع، ومن المعلم قبل أن تبدأ من المشروعات الاقتصادية. فالدول التي وضعت التعليم في مقدمة أولوياتها استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل من دائرة الفقر والتخلف إلى مصاف الدول المتقدمة، بينما بقيت الدول التي أهملت التعليم أسيرة التخلف والبطالة وضعف الإنتاج.
إن القضاء على الجهل لا يتحقق بالشعارات، وإنما بخطة وطنية شاملة تستند إلى رؤية أستراتيجية بعيدة المدى، تبدأ بتخصيص الأموال الكافية لبناء المدارس الحديثة، ولا سيما في المناطق المحرومة والريفية، حتى يصبح التعليم متاحاً لكل طفل دون تمييز. فكل مدرسة تُبنى اليوم هي أستثمار في مستقبل الوطن، وكل صف دراسي جديد هو خطوة نحو مجتمع أكثر وعياً وأستقراراً.
غير أن المباني وحدها لا تصنع تعليماً ناجحاً، فالتعليم النوعي يعتمد قبل كل شيء على المعلم. فالمعلم المؤهل علمياً وتربوياً هو حجر الأساس في بناء الأجيال، وهو القادر على تنمية التفكير النقدي، وغرس قيم المواطنة، وإطلاق طاقات الإبداع والأبتكار لدى الطلبة. ولذلك فإن الأستثمار في إعداد المعلمين، وتأهيلهم المستمر، وتحسين أوضاعهم المهنية، يعد من أهم أركان الإصلاح التعليمي.
كما أن الأسرة تمثل الشريك الأول للمدرسة في هذه المهمة الوطنية. فالبيت الذي يشجع أبناءه على القراءة، ويغرس فيهم حب التعلم، ويوفر لهم بيئة مستقرة، يسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على النجاح. أما إهمال الأسرة لدور التعليم، أو التقليل من أهميته، فإنه يضعف جهود المدرسة مهما بلغت كفاءتها. ومن هنا فإن نشر الوعي الأسري بأهمية التعليم ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من السياسات التعليمية، لأن بناء الإنسان يبدأ داخل الأسرة قبل أن يستكمل داخل المدرسة.
وفي عصر الثورة الرقمية، لم يعد التعليم مقتصراً على الكتاب والسبورة، بل أصبح يعتمد على التقنيات الحديثة التي فتحت آفاقاً واسعة للتعلم والتدريب والوصول إلى مصادر المعرفة في أي زمان ومكان. فالتعليم الرقمي، والفصول الذكية، والمنصات التعليمية، والذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، كلها أدوات قادرة على إحداث نقلة نوعية في العملية التعليمية إذا أحسن التخطيط لتوظيفها، مع توفير البنية التحتية الرقمية، وتأهيل المعلمين والطلبة لأستخدامها بكفاءة.
إن الأستثمار في التكنولوجيا التعليمية ليس ترفاً، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر، لأن الدول التي تتأخر في التحول الرقمي تتأخر بالضرورة في إنتاج المعرفة، وتفقد قدرتها على المنافسة في الأقتصاد العالمي.
إن مواجهة "علم الجهل" وحملات التجهيل ليست مسؤولية وزارة التربية وحدها، بل هي مشروع وطني تشترك فيه القيادة السياسية، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، والإعلام، والقطاع الخاص، والمجتمع بأسره. فكل دينار يُنفق على التعليم هو أستثمار طويل الأمد في الأمن والأستقرار والتنمية، وكل طفل يحصل على تعليم جيد يمثل ثروة وطنية لا تقل قيمة عن الثروات الطبيعية.
وخلاصة القول، فإن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من موارد، وإنما بما تمتلكه من عقول متعلمة قادرة على التفكير والإبداع. والقيادة الحكيمة هي التي تدرك أن أعظم مشروع تنموي يمكن أن تنجزه هو بناء الإنسان، لأن الإنسان المتعلم هو الذي يبني الأقتصاد، ويحمي الوطن، ويصنع الحضارة. وحين يصبح التعليم النوعي أولوية وطنية، مدعوماً بالتمويل الكافي، والمعلم الكفء، والأسرة الواعية، والتقنيات الحديثة، فإن الجهل يتراجع، وتنهض الأمم بثقة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...
- عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية ف ...
- كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية وصناع ...
- الأتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق يحتفي بالمترجم والأ ...
- هل توصل الطب اليوم الى علاج مرضى الذئبة الحمراء أو ال LPS … ...
- وفاة الجراح والمعلم البريطاني البارز هارولد إليس عن عمر ناهز ...
- عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي
- أقرأ في العدد الجديد من مجلة الشارقة الثقافية:
- صحة المرأة والحوامل.. استثمار في الإنسان والمجتمع والأجيال ا ...
- علم الأعصاب في عصر التحول البيولوجي: آفاق جديدة لمواجهة العب ...
- حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-
- نحو تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي: حماية للهوية و ...
- سابقة طبية في بريطانيا: جراحة دماغ ناجحة عبر تجويف العين دون ...
- التثقيف الصحي عبر المنصات الثقافية.. وعيٌ مجتمعي وثقةٌ تتجدد ...
- هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي
- اليوم العالمي للكم: من أسرار الذرة إلى ثورة التكنولوجيا الحد ...


المزيد.....




- الرئيس التنفيذي لشركة روس أتوم: إذا بقي الوضع في محطة بوشهر ...
- الصحة العالمية تقترب من إعلان نهاية تفشي فيروس «هانتا» الفتا ...
- حارس الأخلاق الجديد.. لماذا تستنجد شركات التكنولوجيا بالفلاس ...
- فوضى -المؤثرين- بالزي الأبيض: حين يتحول الطب إلى تجارة والمر ...
- قاموس الذكاء الاصطناعي.. الكلمات التي تشكل مستقبل التكنولوجي ...
- سجين البلاستيك.. سلطعون يعيش شهرين داخل زجاجة في عرض البحر
- بنعبد الله يستقبل رئيسة الفدرالية المغربية للأدوية والابتكار ...
- التوتر المزمن: القاتل الصامت الذي يهدد القلب ويقوض جهاز المن ...
- بورصة الدار البيضاء تستقبل طرحاً لشركة «تي2إس» الطبية بـ 1.1 ...
- إعصار -بافي- الفائق.. هكذا تبدو -أقوى عاصفة على وجه الأرض- م ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مشروع الدولة الأول