أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عامر هشام الصفّار - ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟















المزيد.....

ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 14:57
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تُقاس مكانة الجامعات الكبرى بما تنتجه من علم ومعرفة، وبما ترسخه من تقاليد أكاديمية تقوم على النزاهة والدقة والأستقلالية والصرامة في التقييم. فالجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات والألقاب العلمية، وإنما هي قبل ذلك حارسةٌ للمعرفة بكل ما للعبارة من معنى، وأي خلل في معاييرها الأكاديمية لا يمس فرداً بعينه، بل يمكن أن ينعكس على سمعتها وثقة المجتمع بها.
ولعل القضية التي تواجهها جامعة كامبريدج البريطانية هذه الأيام تقدم مثالاً لافتاً على أهمية الرصانة العلمية، ليس بسبب تفاصيل القضية وحدها، وإنما بسبب الطريقة التي تعاملت بها الجامعة معها، وما يمكن أن تستخلصه المؤسسات الأكاديمية من دروس.
فقد أعلنت نائبة رئيس جامعة كامبريدج، البروفيسورة ديبورا برنتيس، فتح تحقيق في ظروف تعيين الأكاديمي جيسون أرداي، بعد الجدل الذي أثير حول مؤهلاته العلمية وأتهامات تتعلق بالسرقة العلمية في أطروحته للدكتوراه وبعض أعماله البحثية. وكان أرداي قد أستقال من منصبه في الجامعة، فيما أعلنت كامبريدج أنها ستراجع أيضاً إجراءات تعيين الأكاديميين في المناصب العليا.
واللافت في موقف كامبريدج أن الجامعة لم تكتفِ بالنظر في الأتهامات الموجهة إلى الأكاديمي، بل قررت أن تراجع العملية التي أدت إلى تعيينه، وأن تبحث في ما إذا كانت الإجراءات المتبعة آنذاك قد تضمنت ثغرات تستحق المعالجة. وأكدت رئيسة الجامعة أن التحقيق سيكون شاملاً وشفافاً ومستقلاً، ويشارك فيه أكاديميون من داخل كامبريدج وخارجها.
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الرصانة الأكاديمية: أن تكون المؤسسة أكبر من الأشخاص. فالأستاذ مهما علا شأنه، والمنصب مهما كان رفيعاً، لا ينبغي أن يكونا فوق النقد أو المراجعة. وفي المقابل، فإن إثارة الشكوك حول أكاديمي لا تعني إدانته مسبقاً؛ إذ إن العدالة العلمية تقتضي التحقيق والتثبت، ثم إصدار الحكم بناءً على الأدلة.
وقد سبق لجامعة كامبريدج أن دافعت عن أرداي عندما ظهرت الأتهامات للمرة الأولى، وأعلنت في 24 يوليو/تموز أنها حققت فيها ولم تجد مخالفة. كما أن جامعة ليفربول جون مورز كانت قد بحثت سابقاً في مزاعم الأنتحال المتعلقة بأطروحته للدكتوراه ولم تثبتها، وأعتبرت المشكلات التي وجدتها أخطاءً "صادقة ومعقولة". ولذلك فإن القضية، كما تظهر في المادة الصحفية، لا تتمثل في أتهام ثابت بالأنتحال، بل في الحاجة إلى إعادة فحص الإجراءات والمعايير التي أتبعت في مراحل مختلفة.
وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن الرصانة العلمية لا تعني إطلاق الأحكام، وإنما تعني التثبت قبل الحكم، واحترام حق الباحث في الدفاع عن نفسه، وفي الوقت نفسه عدم التساهل مع أي شبهة تمس النزاهة العلمية.
الشهادة العلمية والأستحقاق الوظيفي
إن جوهر المسألة يتجاوز هذه القضية بعينها إلى سؤال أوسع: كيف تضمن الجامعات أن من يحصل على الدكتوراه أو يتولى منصباً أكاديمياً رفيعاً يستحقه فعلاً من الناحية العلمية والعملية؟.
أن الحصول على شهادة الدكتوراه، في معناه الحقيقي، لا يعني الحصول على شهادة تضاف إلى السيرة الذاتية، وإنما شهادة على قدرة صاحبها على البحث العلمي المستقل، وإضافة معرفة جديدة إلى تخصصه، والألتزام الصارم بقواعد البحث العلمي المعروفة. ومن ثم فإن سلامة إجراءات منح شهادة الدكتوراه وأختيار المشرفين والممتحنين، وآليات فحص الرسائل العلمية، يجب أن تكون في مقدمة أولويات الجامعات.
وفي هذا السياق، نقل عن الخبير في قانون التعليم العالي البريطاني دانيال سوكول دعوته الجامعات إلى إعادة النظر في بعض جوانب نظام أمتحان الدكتوراه، بما في ذلك كيفية أختيار الممتحنين، وآليات التحقيق في مخالفات النزاهة العلمية، مؤكداً أن بعض جوانب النظام قد تحتاج إلى مراجعة. كما أثار تساؤلات حول سرعة التحقيق في ادعاءات سوء السلوك العلمي، وأحتمال تأثير العلاقات المهنية بين المشرفين والممتحنين في بعض الحالات. لكنه لم يربط هذه الملاحظات بالقضية الحالية على نحو مباشر.
الأستقلالية شرط أساس
ومن أهم الدروس التي يمكن أستخلاصها أيضاً أن التحقيق في القضايا العلمية الحساسة ينبغي أن يتم بأستقلالية حقيقية، بعيداً عن الضغوط الشخصية والإعلامية والسياسية.
فقد شدد أحد أساتذة كامبريدج، نيكولاس غيات، على ضرورة أن يجري التحقيق "من دون خوف أو محاباة"، وهو مبدأ يصلح قاعدة عامة لكل مؤسسة علمية.
فالجامعة الرصينة لا تحاول حماية سمعتها بإخفاء المشكلة، بل تحمي سمعتها بكشف الحقيقة ومعالجة الخلل. وقد يكون الأعتراف بوجود مشكلة أكثر قوة من محاولة إنكارها، لأن المؤسسات العلمية لا تُقاس فقط بعدد جوائزها وأبحاثها، وإنما بقدرتها على تصحيح أخطائها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول النزاهة العلمية إلى وسيلة لتصفية الحسابات أو التشكيك العشوائي في الباحثين. فالأتهام بالسرقة العلمية أو الأنتحال أتهام خطير، ولا يجوز أن يستند إلى الأنطباعات أو الحملات الإعلامية أو الأختلافات الشخصية.
ومن هنا جاء تأكيد إدارة كامبريدج أن قضية أرداي حالة استثنائية، وأنها لا ينبغي أن تُستخدم للتشكيك في كفاءة الأكاديميين من الأقليات العرقية أو في شرعية أدوارهم داخل الجامعة. فالعدالة الأكاديمية تعني تطبيق المعايير نفسها على الجميع، لا أن تُستخدم قضية فردية للحكم على مجموعة كاملة.
الجامعات في وطننا العربي
تقدم هذه الواقعة درساً مهماً للجامعات في عالمنا العربي أيضاً. فالرصانة العلمية تبدأ من أختيار الأستاذ الجامعي، وتمر عبر سلامة إجراءات التعيين والترقية، ونزاهة البحث العلمي، ودقة الإشراف على طلبة الدراسات العليا، وأستقلالية لجان المناقشة، وتنتهي بثقافة جامعية لا تقبل المجاملة حين يتعلق الأمر بالعلم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الجامعة هو أن تتحول الألقاب العلمية إلى وجاهة اجتماعية، أو أن يتبوأ شخص ما المنصب الأكاديمي نتيجة للعلاقات أكثر مما هو نتيجة للكفاءة، أو أن تتحول الشهادة إلى غاية بدلاً من أن تكون ثمرة لرحلة علمية حقيقية.
والجامعة التي تحترم نفسها لا تخشى المراجعة. بل إن مراجعة قراراتها وإجراءاتها بصورة دورية دليل قوة لا دليل ضعف. وفي قضية كامبريدج، أكدت رئيستها أن الرغبة في الحصول على إجابات سريعة ومواقف عاجلة أمر مفهوم، لكن التحقيقات تحتاج إلى الوقت الكافي لكي تكتمل بصورة فعالة، ولكي تستطيع المؤسسة أن تتعلم من أخطائها وتحسن إجراءاتها عند الحاجة.
وخلاصة القول فإن الرصانة العلمية ليست مجموعة من اللوائح والتعليمات، وإنما ثقافة جامعية متكاملة..ثقافة تجعل الأستاذ حريصاً على أمانته العلمية، والطالب مدركاً لقيمة جهده، والممتحن مستقلاً في حكمه، والإدارة مسؤولة عن قراراتها، والجامعة مستعدة للأعتراف بالخطأ وتصحيحه. فحين تكون المعايير العلمية فوق الأشخاص، وتكون الحقيقة فوق السمعة الآنية، يصبح للجامعة دورها الحقيقي: أن تكون مكاناً تُصان فيه المعرفة، وتُحترم فيه الحقيقة، وتُبنى فيه الثقة بين العلم والمجتمع.
وهذه، في نهاية المطاف، هي الرصانة العلمية التي تصنع الجامعات العريقة وتحافظ على مكانتها عبر الأجيال.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026: 13 رواية تتنافس عل ...
- أكبحوا التطور السريع في الذكاء الأصطناعي..!! -الذكاء الفائق- ...
- لماذا نحب الشاعر علي جعفر العلاق؟
- اختراق طبي يعيد الأمل للمكفوفين: موافقة أوروبية على -عين إلك ...
- فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة الع ...
- بعد خمسة قرون من الغموض… الطب الحديث يكشف السر المحتمل لوفاة ...
- الذكاء الاصطناعي والثروة وحكمة جلال الدين الرومي..
- مرض الكلى المزمن في العراق.. الحاجة الى دراسات وبائية وطنية
- شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراء ...
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...
- عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية ف ...
- كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية وصناع ...
- الأتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق يحتفي بالمترجم والأ ...


المزيد.....




- -نجاح جديد-.. ميريام فارس تستعيد بالصور أجواء حفلها في السوي ...
- قطة حمراء غامضة تثير الحيرة في تكساس.. وتحذير السكان من الاق ...
- عراقجي: أمريكا فشلت استخباراتيا في الحرب على إيران وأزمة مضي ...
- إيران: مضيق هرمز سيبقى مغلقا حتى تحقيق كافة شروطنا
- فيديو.. مصري يروي تفاصيل قتله شقيقه في بث مباشر
- عملية تبادل لجثث القتلى العسكريين بين روسيا وأوكرانيا تشمل 2 ...
- مشاهد من يوميات الزعيم المغربي علي يعتة..
- -أكبر صفقة في تاريخ إسرائيل-.. نتنياهو يصادق على اتفاقية ضخم ...
- تحالف ضد تركيا؟.. سر التعاون العسكري بين قبرص واليونان وإسرا ...
- عبر مصر.. هل يصبح غاز قبرص بديلاً للغاز الروسي في أوروبا؟


المزيد.....

- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عامر هشام الصفّار - ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟