أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - في رحاب الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة زيارة علمية تستحضر خمسة قرون من تاريخ الجراحة وذاكرة أجيال من الأطباء العراقيين















المزيد.....

في رحاب الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة زيارة علمية تستحضر خمسة قرون من تاريخ الجراحة وذاكرة أجيال من الأطباء العراقيين


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 17:45
المحور: الطب , والعلوم
    


لم تكن زيارتي إلى الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة – The Royal College of Surgeons of Edinburgh مجرد زيارة إلى مؤسسة طبية عريقة، بل كانت رحلة في تاريخ الطب والجراحة، واستذكاراً لعلاقة علمية ومهنية امتدت عقوداً بين هذه المؤسسة الاسكتلندية وبين أجيال من الأطباء والجراحين العراقيين الذين قصدوا المملكة المتحدة طلباً للتدريب والتخصص والحصول على شهادة الزمالة في الجراحة.تأسست الكلية عام 1505، وهي من أقدم المؤسسات الطبية والجراحية في العالم. وعلى امتداد أكثر من خمسة قرون، أسهمت في تطوير التعليم الجراحي ووضع المعايير المهنية وتدريب الجراحين، حتى أصبحت شهادة زمالتها اسماً معروفاً لدى الأطباء في مختلف أنحاء العالم.
إدنبرة في ذاكرة الأطباء العراقيين
بالنسبة للطبيب العراقي، تحمل أسماء الكليات الملكية البريطانية، ومن بينها الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة، دلالة خاصة. فقد كانت بريطانيا لعقود طويلة إحدى الوجهات الأساسية للأطباء العراقيين الراغبين في استكمال تدريبهم العالي، وكان الحصول على الزمالة الملكية في الجراحة محطة علمية ومهنية مهمة في مسيرة العديد منهم.وقد عاد الكثير من هؤلاء الأطباء إلى العراق حاملين معهم ما اكتسبوه من معرفة وخبرة وانضباط مهني، ليسهموا في تطوير أقسام الجراحة في المستشفيات العراقية وفي تدريس طلبة كليات الطب وتدريب أجيال جديدة من الجراحين. ومن هنا، فإن زيارة هذه المؤسسة تستدعي، إلى جانب تاريخها البريطاني، جانباً من ذاكرة الطب العراقي الحديث وعلاقته العريقة بالمدارس الطبية البريطانية.
متحف الجرّاحين… خمسة قرون من تاريخ الطب
ولعل من أكثر أجزاء الزيارة إثارة للأهتمام متحف الجرّاحين – Surgeons’ Hall Museums التابع للكلية. فالمتحف ليس مجرد مجموعة من الأدوات القديمة أو العينات التشريحية، وإنما سجل علمي وإنساني يروي تطور الجراحة والتعليم الطبي عبر أكثر من 500 عام.
وفي قلب المتحف يوجد مسرح تشريح أعيد بناؤه ليمنح الزائر تصوراً عن الطريقة التي كان يُدرّس بها علم التشريح والجراحة في القرون الماضية، قبل أن تصل الجراحة إلى ما نعرفه اليوم من تقنيات التخدير والتعقيم والتصوير الطبي والجراحة الدقيقة والروبوتية.وتروي معروضات المتحف قصة الانتقال من زمن كانت فيه العمليات الجراحية تجربة شديدة القسوة والخطورة، إلى القرن التاسع عشر وما شهده من ثورات علمية، وفي مقدمتها تطور التخدير ومبادئ التطهير ومكافحة العدوى، وهي إنجازات غيّرت وجه الجراحة وأنقذت حياة الملايين. كما تتناول المعروضات تطور الأدوات والتقنيات الجراحية، وتضم الكلية واحدة من المجموعات المهمة المتعلقة بتاريخ طب وجراحة الأسنان.
من الجراحة القديمة إلى الروبوت والواقع الرقمي
لكن اللافت أن المتحف لا يعيش في الماضي وحده. فكما يروي قصة الجراحة القديمة، يأخذ الزائر أيضاً نحو حاضرها ومستقبلها.
وتتناول قاعات رحلة عبر الجسم أو Body Voyager، كما تشير المادة التعريفية للمتحف، التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا الحديثة في رحلة المريض، من التشخيص إلى العلاج، بما في ذلك التصوير الرقمي والجراحة الروبوتية والنمذجة ثلاثية الأبعاد وغيرها من التقنيات التي تعيد صياغة الممارسة الجراحية.
وهذه المقارنة بين أدوات الجراح قبل قرون والجراحة الروبوتية اليوم تجعل الزائر يدرك حجم القفزة العلمية الهائلة التي حدثت خلال فترة قصيرة نسبياً من التاريخ البشري.
التشريح بين العلم والأخلاق
وتكشف إحدى مجموعات المتحف عن جانب آخر شديد الأهمية في تاريخ الطب، وهو تطور تدريس التشريح وجمع العينات البشرية. فهذه المجموعات لا تعرض تاريخ المعرفة التشريحية فحسب، بل تثير أيضاً أسئلة حول الجسد البشري والموافقة والأخلاقيات الطبية وكيف تغيرت نظرة الطب إلى هذه القضايا بمرور الزمن. ويمتد السرد التاريخي إلى تجارب الطب العسكري منذ معركة واترلو وحتى الحرب العالمية الثانية، وما فرضته الحروب، رغم مآسيها، من تحديات ساهمت في تطوير بعض أساليب معالجة الإصابات والجروح والجراحة الطارئة. ويرتبط بتاريخ إدنبرة الطبي أيضاً فصل قاتم ومثير يتمثل في قصة بيرك وهير (Burke and Hare) وجرائمهما في القرن التاسع عشر وعلاقتها بالطلب المتزايد آنذاك على الجثث المستخدمة في تدريس التشريح. وهي قصة تذكّر بأن تقدم العلم لا يمكن أن ينفصل عن الضوابط الأخلاقية واحترام كرامة الإنسان.
المرأة في تاريخ الجراحة
ومن الجوانب المهمة التي يسلط عليها المتحف الضوء أيضاً دور النساء الرائدات في الجراحة، والعقبات الاجتماعية والمهنية التي واجهنها قبل أن يتمكنّ من تثبيت حضورهن في واحدة من أكثر المهن الطبية صعوبة. وهنا تتحول زيارة المتحف من مشاهدة لتطور الأجهزة والعمليات إلى قراءة أوسع لتاريخ المجتمع نفسه؛ فالطب لا يتقدم بالأختراعات وحدها، وإنما أيضاً بتغير المفاهيم المتعلقة بالتعليم والحقوق والمساواة وأخلاقيات الممارسة.
زيارة إلى الماضي… ونظرة نحو المستقبل
وأنا أتجول في أروقة الكلية ومتحفها، كان من الصعب ألا أفكر بالزملاء الأطباء العراقيين الذين مروا من هنا عبر العقود الماضية؛ بعضهم جاء شاباً يحمل طموح الحصول على الزمالة، ثم عاد إلى بغداد أو البصرة أو الموصل وغيرها ليصبح جراحاً أو أستاذاً ومدرباً لأجيال لاحقة. إن تاريخ المؤسسات العلمية لا يُقاس بعمر مبانيها وحدها، بل بالأثر الذي تركته في البشر الذين تعلموا فيها ثم حملوا معرفتهم إلى مجتمعاتهم.ولهذا كانت زيارتي إلى الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة رحلة بين ثلاثة أزمنة اذا جاز التعبير: ماضٍ يمتد إلى أكثر من خمسة قرون من تطور الجراحة، وذاكرة مهنية تستحضر أجيالاً من الجراحين العراقيين الذين ارتبطت مسيرتهم العلمية بهذه المؤسسة، ومستقبل تقوده اليوم الجراحة الروبوتية والنمذجة ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
وبين مشرط الجراح القديم والروبوت الجراحي الحديث تبقى الحقيقة الأساسية واحدة: أن التقدم الطبي هو حصيلة تراكم المعرفة عبر الأجيال، وأن أعظم ما تقدمه المؤسسات العلمية ليس الشهادة التي تمنحها للطبيب فحسب، بل المعرفة والخبرة والقيم المهنية التي يحملها معه إلى مرضاه وطلابه ووطنه.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الأصطناعي في الحياة اليومية في الصين.. بين المنفعة وا ...
- الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل
- ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟
- إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026: 13 رواية تتنافس عل ...
- أكبحوا التطور السريع في الذكاء الأصطناعي..!! -الذكاء الفائق- ...
- لماذا نحب الشاعر علي جعفر العلاق؟
- اختراق طبي يعيد الأمل للمكفوفين: موافقة أوروبية على -عين إلك ...
- فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة الع ...
- بعد خمسة قرون من الغموض… الطب الحديث يكشف السر المحتمل لوفاة ...
- الذكاء الاصطناعي والثروة وحكمة جلال الدين الرومي..
- مرض الكلى المزمن في العراق.. الحاجة الى دراسات وبائية وطنية
- شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراء ...
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...


المزيد.....




- -سد من الموت- بُني في 30 دقيقة.. كيف تحول فيضان نيبال إلى مو ...
- تفاوت كبير في أجور مايكروسوفت.. ورواتب الذكاء الاصطناعي تترب ...
- عالم فيزياء فلكية يوضح ما قد يراه الإنسان لو سقط في ثقب أسود ...
- إدارة الغذاء والدواء الأمريكية توافق على عقار لعلاج سرطان ال ...
- استعد لارتداء الأرجواني.. قماش صيني-أسترالي يعمل كـ-عدو- لحر ...
- رادار الحرب يكشف سر الزهرة.. كيف عرف العلماء أن الكوكب يدور ...
- حصري: الفرنسية صوفي أدنو تتحدث من محطة الفضاء الدولية عن -مع ...
- بعد اتهامات خطيرة لحراسها.. الأمير هاري يغادر منظمة المحميات ...
- ألمانيا: الملاريا تحصد حياة موظفين في مطار فرانكفورت
- صوفي أدنو في حوار حصري مع فرانس24 من الفضاء


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - في رحاب الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة زيارة علمية تستحضر خمسة قرون من تاريخ الجراحة وذاكرة أجيال من الأطباء العراقيين