أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - الذكاء الأصطناعي في الحياة اليومية في الصين.. بين المنفعة والغرابة ومخاوف المستقبل















المزيد.....

الذكاء الأصطناعي في الحياة اليومية في الصين.. بين المنفعة والغرابة ومخاوف المستقبل


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 15:40
المحور: الطب , والعلوم
    


لم يعد الذكاء الأصطناعي في الصين مجرد تقنية حديثة تُناقش في المؤتمرات العلمية أو تُستخدم داخل مختبرات الشركات الكبرى، بل أصبح جزءاً متزايد الحضور في تفاصيل الحياة اليومية. ففي شوارع بكين، تكاد تطبيقات الذكاء الاصطناعي تلاحق الناس في كل مكان: في المتاجر، ووسائل النقل، والمستشفيات، والمصانع، والمدارس، وحتى في آلات البيع والروبوتات التي تتحرك بين الناس.
وما يلفت النظر أن انتشار هذه التقنية لا يعود فقط إلى سرعة التطور العلمي والتكنولوجي، بل يرتبط أيضاً بسياسة حكومية واضحة تسعى إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة. وتبدو الصين، في هذا المجال، وكأنها تخوض تجربة اجتماعية واقتصادية واسعة لتحويل الذكاء الاصطناعي من تقنية نخبوية إلى أداة يومية يستخدمها المواطن العادي.
من المختبر إلى الشارع
تختلف النظرة الصينية إلى الذكاء الأصطناعي، في جانب منها، عن تلك السائدة في الولايات المتحدة. ففي حين تركز شركات أمريكية كبرى بصورة واسعة على روبوتات المحادثة، والنماذج اللغوية المتقدمة، وعلى الهدف الأكثر طموحاً والمتمثل في الوصول إلى ذكاء اصطناعي يفوق قدرات الإنسان، تبدو الأولوية في الصين أكثر ارتباطاً بالاستخدامات العملية المباشرة.
فالحكومة الصينية تريد رؤية الذكاء الأصطناعي في المصانع والمستشفيات والمدارس والمتاجر والخدمات العامة. والهدف لا يقتصر على إثبات التفوق التقني، بل يرتبط أيضاً بمحاولة إعادة تنشيط الاقتصاد، ورفع الإنتاجية، ومواجهة بعض التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تلوح في الأفق.
ومن بين هذه التحديات النقص المتوقع في أعداد العمال، في مجتمع يتقدم سكانه في العمر بوتيرة متزايدة. وهنا تظهر الروبوتات والأنظمة الذكية بوصفها جزءاً من الحل المحتمل، إذ يمكن أن تساعد في سد النقص في بعض المهن والأعمال، وتخفف من الضغط الناتج عن انخفاض أعداد القوى العاملة الشابة.
سباق الشركات نحو الذكاء الاصطناعي
استجابت الشركات الصينية بسرعة لهذا التوجه. وقد سارعت إلى تطوير تطبيقات ومنتجات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل رؤية الحكومة إلى واقع ملموس. وتتنوع هذه التطبيقات بين أنظمة الخدمة الذاتية، والروبوتات، والتعرف على الوجوه، والمساعدات الذكية، والتقنيات المستخدمة في التجارة الإلكترونية.
لكن هذا السباق لا يخلو من مظاهر مبالغ فيها أو حتى طريفة أحياناً. فالروبوتات الشبيهة بالبشر، على سبيل المثال، أصبحت من أكثر صور الذكاء الاصطناعي إثارة للاهتمام، لكنها ليست دائماً بالكفاءة التي تعد بها الإعلانات والعروض التقنية. وبعض هذه الروبوتات يبدو مبهراً من الناحية الشكلية، لكنه قد يكون محرجاً أو محدود القدرة في الأداء العملي.
وهكذا، فإن المشهد الصيني للذكاء الاصطناعي يجمع بين الإنجاز الحقيقي وبين الدعاية التقنية، وبين الفائدة العملية وبين التجارب التي لا تزال تبحث عن دور واضح في حياة الناس.
الخصوصية.. الثمن الخفي للتكنولوجيا
كلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر التصاقاً بالحياة اليومية، برزت أسئلة جديدة تتعلق بالخصوصية. وتعد الصين واحدة من أكثر الدول استخداماً لتقنيات التعرف على الوجوه، حيث ترتبط هذه التقنيات في كثير من الحالات بقاعدة بيانات الهوية الوطنية.
وهذا يعني أن استخدام التكنولوجيا في شراء منتج أو الحصول على خدمة قد يضيف، في بعض الحالات، معلومة جديدة إلى الأثر الرقمي الذي يتركه الفرد وراءه. فحتى عملية شراء بسيطة من آلة بيع يمكن أن تصبح جزءاً من سجل رقمي أوسع يرصد النشاط الاستهلاكي للفرد.
ولا شك أن هذه التقنيات توفر مزايا مهمة من حيث السرعة والأمان والراحة، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات أساسية: إلى أي مدى ينبغي أن تكون حياة الإنسان اليومية قابلة للرصد؟ ومن يملك البيانات؟ وكيف يمكن حمايتها من سوء الاستخدام؟
إن سهولة الحياة التي يعد بها الذكاء الاصطناعي قد تأتي، أحياناً، على حساب جزء من الخصوصية الشخصية.
هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟
أما التحدي الآخر فيتعلق بسوق العمل. فكل ثورة تكنولوجية كبرى تخلق وظائف جديدة، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى تراجع وظائف أخرى. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه، ولكن بسرعة أكبر.
في الصين، بدأت أصوات بعض العاملين في مجالات مثل التمثيل، وبرمجة الحاسوب، وقيادة سيارات الأجرة، تعبر عن مخاوفها من احتمال استبدال البشر بالآلات والبرامج الذكية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على الأعمال اليدوية أو الروتينية، بل بدأ يقترب من مهن كان يُعتقد أنها تعتمد أساساً على الإبداع والخبرة البشرية.
وتزداد هذه المخاوف أهمية في ظل غياب نقابات عمالية مستقلة تستطيع الدفاع بصورة واسعة عن حقوق العاملين المتضررين من التحولات التكنولوجية. ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل بعض البشر في العمل؟ بل أصبح: كيف يمكن حماية الإنسان ومساعدته على الانتقال إلى وظائف جديدة في عالم يتغير بسرعة؟.
الذكاء الأصطناعي.. محرك جديد للاستهلاك
إلى جانب المصانع والخدمات، تنظر الحكومة والشركات في الصين إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه وسيلة يمكن أن تشجع الناس على زيادة الإنفاق والأستهلاك. ويظهر ذلك بوضوح في قطاع التسوق، حيث تستخدم الأنظمة الذكية في تحليل سلوك المستهلكين، واقتراح المنتجات، وتقديم خدمات أكثر سرعة وتخصيصاً.
وقد تتحول تجربة التسوق نفسها إلى تجربة رقمية ذكية، يعرف فيها النظام ما يفضله المستهلك، وما الذي قد يرغب في شرائه لاحقاً. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة لتحسين الخدمة، بل أيضاً محركاً اقتصادياً يسعى إلى تحفيز الطلب وزيادة حركة الأسواق.
بين الحماس والحذر
لا يمكن إنكار الحماس الكبير الذي تبديه قطاعات واسعة من المجتمع الصيني تجاه الذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا الجديدة تُستقبل في كثير من الأحيان بوصفها رمزاً للتقدم الوطني وفرصة لتحسين الحياة وتسهيل الأعمال.
لكن الحماس وحده لا يكفي. فالذكاء الاصطناعي، مثل أي تقنية ثورية، يحمل فرصاً ومخاطر في الوقت نفسه. فهو قادر على تحسين الخدمات الطبية، ورفع كفاءة المصانع، وتسهيل حياة كبار السن، وتطوير التعليم، لكنه قد يفتح الباب أيضاً أمام مراقبة أوسع، وفقدان بعض الوظائف، وزيادة اعتماد الإنسان على الأنظمة الآلية.
إن الصين تقدم اليوم نموذجاً مثيراً للاهتمام للعالم: نموذج يسعى إلى جعل الذكاء الاصطناعي جزءاً عادياً من الحياة اليومية، لا مجرد ابتكار مستقبلي بعيد. وقد تنجح هذه التجربة في تحقيق فوائد اقتصادية واجتماعية واسعة، لكنها ستظل في حاجة إلى إجابات واضحة عن أسئلة الخصوصية والعمل وحقوق الإنسان.
فالمستقبل لا يتوقف على مدى ذكاء الآلة وحدها، بل على مدى حكمة الإنسان في استخدامها. وبينما تتسابق الصين لجعل الذكاء الاصطناعي حاضراً في كل شارع ومتجر ومصنع، يبقى التحدي الحقيقي هو العثور على التوازن بين التكنولوجيا التي تخدم الإنسان، والتكنولوجيا التي قد تتحول، من دون ضوابط كافية، إلى قوة تتحكم في تفاصيل حياته. ( المصدر: النيويورك تايمز 25 آب 2026)



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل
- ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟
- إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026: 13 رواية تتنافس عل ...
- أكبحوا التطور السريع في الذكاء الأصطناعي..!! -الذكاء الفائق- ...
- لماذا نحب الشاعر علي جعفر العلاق؟
- اختراق طبي يعيد الأمل للمكفوفين: موافقة أوروبية على -عين إلك ...
- فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة الع ...
- بعد خمسة قرون من الغموض… الطب الحديث يكشف السر المحتمل لوفاة ...
- الذكاء الاصطناعي والثروة وحكمة جلال الدين الرومي..
- مرض الكلى المزمن في العراق.. الحاجة الى دراسات وبائية وطنية
- شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراء ...
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...
- عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية ف ...


المزيد.....




- تقرير: هكذا تستدرج الجماعات المسلحة الأطفال الكولومبيين عبر ...
- علماء يكشفون عالما بحريا مفقودا تحت صحراء مصر
- “الزراعة” تطلق فعاليات ورشة عمل حول المسار التدريجي لمواجهة ...
- -لا تصوتوا وليتولَّ الجيش السلطة-.. حين يعبر التضليل بوابة ف ...
- يونيسيف.. مليون طفل في أفغانستان مهددون بالموت بسبب سوء التغ ...
- أميبا نادرة آكلة للدماغ تودي بحياة طفلة تبلغ 8 سنوات
- علماء يسعون لكشف أسرار دفن شابة يُزعم أنها -مصاصة دماء-
- موجة حر شديدة في تونس وسط أزمة نقص المياه المعلبة بالأسواق
- قد تؤدي الإصابة الشديدة بكورونا إلى تنشيط فيروسات كامنة في ا ...
- سويلم يستعرض ملامح منظومة المياه في مصر ومحاور «الجيل الثاني ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - الذكاء الأصطناعي في الحياة اليومية في الصين.. بين المنفعة والغرابة ومخاوف المستقبل