أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عامر هشام الصفّار - رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الصحة العراقي الدكتور عبد الحسين الموسوي.. الإصلاح الصحي لا يتحقق بالزيارات المفاجئة وحدها















المزيد.....

رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الصحة العراقي الدكتور عبد الحسين الموسوي.. الإصلاح الصحي لا يتحقق بالزيارات المفاجئة وحدها


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 00:11
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


معالي السيد وزير الصحة المحترم
تحية طيبة وبعد،

إن المهمة التي تضطلعون بها اليوم مهمة جليلة وصعبة، لما يمثله قطاع الصحة من تماس مباشر مع حياة المواطن العراقي وكرامته وأمنه الصحي، ولما تراكم في هذا القطاع، على مدى سنوات طويلة، من مشكلات إدارية وفنية ومالية وبنيوية. وإننا إذ نسأل الله لكم التوفيق والسداد في أداء هذه المسؤولية الكبيرة، فإننا نضع أمامكم بعض الملاحظات بروح مهنية بنّاءة، آملين أن تتقبلوها بصدر رحب.
تابعنا، كما تابع كثير من العراقيين، ظهوركم المتكرر عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال جولات تفتيشية مفاجئة في عدد من مستشفيات بغداد، ومنها مستشفيات تعليمية كبيرة ورئيسة. كما تابعنا المقاطع المصورة للقاءاتكم مع المواطنين والمرضى وذويهم، حيث تكتظ القاعات بالمراجعين الذين يحمل كل منهم أوراقه وشكواه وتظلّمه، في مشهد يعكس حجم المعاناة التي يواجهها المواطن داخل نظام صحي يعاني هو نفسه من مشكلات مزمنة ومتراكمة، سبق أن تناولتها دراسات وتقارير عديدة، من دون أن تجد كثير منها حلولاً جذرية ومستدامة.
ولا شك في أن هذه الجولات، وما يصاحبها من نشاط إعلامي لمكتبكم، تحمل جانباً إيجابياً مهماً؛ فهي تظهر اهتمام المسؤول الأول في الوزارة بما يجري ميدانياً، وتتيح له الاستماع مباشرة إلى المواطن والعاملين في المؤسسات الصحية بعيداً عن التقارير المكتبية.

ولكن لهذه المشاهد وجهاً آخر ينبغي التوقف عنده. فمن الطبيعي أن يشعر المواطن بالقلق عندما يشاهد وزير الصحة نفسه ينتقد بشدة أوضاع بعض أكبر مستشفيات العاصمة، ويتحدث أمام الكاميرا عن غياب الأطباء عن ردهات الطوارئ، أو نقص أسطوانات الأوكسجين، أو شح الأدوية الأساسية في صيدليات المستشفيات وأقسام الطوارئ، فضلاً عن تهالك بعض الأبنية وضعف النظافة والخدمات وغيرها من المشكلات التي ترصدها الكاميرا أثناء الجولة. ثم يشاهد المواطن السيد الوزير وهو يحاول معالجة بعض هذه المشكلات فوراً من خلال اتصالات هاتفية مع المسؤولين والجهات ذات العلاقة.
إن هذا الجهد يستحق التقدير من حيث الحرص والمتابعة، ولكنه يطرح سؤالاً أساسياً: هل يمكن إصلاح نظام صحي يعاني مشكلات مزمنة ومتراكمة من خلال زيارة مفاجئة تستغرق ساعة أو بضع ساعات، حتى وإن قام بها الوزير شخصياً؟...نعتقد أن الجواب هو: لا.
فالخلل البنيوي لا تعالجه الحلول الآنية، والمشكلة المؤسسية لا يمكن اختزالها في معالجة حادثة منفردة. إن وضع اللاصق على جرح كبير قد يخفيه لبعض الوقت، لكنه لا يشفيه؛ وقد يبقى الجرح مفتوحاً، بل قد يصاب بالألتهاب والتقيح إذا لم تُعالج أسبابه من جذورها.

إن تجارب النظم الصحية الناجحة، سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية التي أمتلكت إرادة الإصلاح والعمل المؤسسي، تؤكد أن التحسن المستدام لا يعتمد على وجود الوزير شخصياً في المستشفى، بل على بناء نظام يجعل المستشفى يعمل بكفاءة سواء كان الوزير موجوداً أم لم يكن. وهنا تكمن أهمية الحوكمة الصحية. فالمطلوب هو منظومة واضحة للمساءلة، ومعايير معلنة لجودة الخدمات وسلامة المرضى، ونظام دوري للتدقيق والتفتيش المهني، ومؤشرات أداء يمكن قياسها ومقارنتها، مع تحديد واضح للمسؤولية والمحاسبة عند التقصير. كما ينبغي الالتفات إلى الأثر غير المقصود للنشر الإعلامي المتكرر للمشكلات داخل المستشفيات. فعندما يرى المواطن أن المسؤول الأول عن الصحة يكشف بنفسه نقص الدواء أو الأوكسجين أو غياب الطبيب أو سوء النظافة داخل مؤسسات الدولة الصحية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة خوفه من المستشفيات الحكومية وإضعاف ثقته بها. وقد تكون النتيجة، من دون قصد، دفع المواطن إلى تجنب المستشفى الحكومي قدر الإمكان، أو زيادة التوتر بينه وبين الطبيب والعاملين الصحيين، في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة الصحية.
ومن هنا، أقترح على معاليكم دراسة مشروع وطني تحت عنوان:
"هيئة الصحة لجميع العراقيين" تكون مهمتها الأساسية قيادة برنامج وطني متكامل لإصلاح جودة الخدمات الصحية، وفق هيكلية واضحة ومحددة، تبدأ من المستشفيات الكبرى في بغداد وتمتد تدريجياً إلى المستشفيات والمراكز الصحية في جميع المحافظات، وصولاً إلى المناطق الأكثر حاجة للخدمات. ولا ينبغي أن تكون هذه الهيئة مؤسسة بيروقراطية جديدة تضاف إلى المؤسسات الموجودة، بل جهازاً تنفيذياً ورقابياً متخصصاً، يتمتع بميزانية محددة وصلاحيات واضحة ومدعومة من الوزير، ويعتمد في عمله على البيانات والإحصاءات والمعايير العلمية المعتمدة في تقييم الخدمات الصحية.
ويمكن أن تتولى الهيئة تحديد المستشفيات والمراكز التي تعاني من أزمات متكررة وفق مؤشرات موضوعية، ووضع خطط إصلاح خاصة بكل مؤسسة، تتضمن القوى العاملة، والأدوية، والتجهيزات، والطوارئ، والنظافة، ومكافحة العدوى، وسلامة المرضى، والبنية التحتية، والإدارة، ومدى رضا المرضى. ويجب أن يقترن ذلك بجدول زمني معلن وقابل للقياس، بحيث ننتقل من السؤال: ماذا وجد الوزير في زيارته اليوم؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تغير في هذا المستشفى بعد ثلاثة أشهر، وستة أشهر، وسنة؟. فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد الزيارات التفتيشية ولا عدد المقاطع المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما مقدار التحسن الملموس في نوعية الخدمة التي يتلقاها المواطن. كما أن إصلاح النظام الصحي لا يكتمل من دون الاهتمام بالكادر الطبي نفسه. وهنا تبرز أهمية التعاون المؤسسي بين وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولا سيما مع توليكم حالياً مسؤولية وزارة التعليم العالي بالوكالة أيضاً، لوضع أطر وطنية واضحة لواجبات الطبيب المهنية ومسؤولياته داخل المستشفيات والمراكز الصحية. ومن الضروري كذلك تطوير نظام علمي مستمر لتقييم الكفاءة المهنية للأطباء والعاملين الصحيين، يعتمد على التعليم الطبي المستمر والتدريب والتقييم الدوري للأداء والكفاءة السريرية، بما يضمن المحافظة على المستوى العلمي والمهني المطلوب طوال سنوات الخدمة، وبما ينسجم مع التجارب والممارسات المعتمدة في النظم الصحية المتقدمة.

معالي الوزير،
إن المواطن العراقي لا يحتاج إلى أن يرى الوزير في كل مستشفى حتى يطمئن؛ بل يحتاج إلى نظام صحي يعمل بصورة صحيحة عندما لا يكون الوزير موجوداً. والطبيب أيضاً لا ينبغي أن يعمل جيداً لأنه يخشى زيارة مفاجئة من الوزير أو كاميرا المكتب الإعلامي، وإنما لأنه يعمل داخل مؤسسة لها معايير مهنية واضحة، وإدارة كفوءة، ونظام رقابة ومساءلة عادل، وتتوفر له الإمكانات التي تمكّنه من أداء واجبه تجاه المريض. نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إصلاح النظام، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن التفتيش الفردي إلى الحوكمة المؤسسية، ومن الحلول السريعة إلى برنامج وطني قابل للقياس والمساءلة. إن الجولات الميدانية قد تكون وسيلة مهمة لأكتشاف الخلل، لكنها ينبغي أن تكون بداية لعملية الإصلاح وليست الإصلاح ذاته.
ونأمل أن تكون المرحلة المقبلة فرصة حقيقية لوضع مشروع وطني طويل الأمد لإصلاح الخدمات الصحية في العراق، مشروع لا يرتبط بشخص الوزير أو مدة بقائه في المنصب، وإنما يتحول إلى سياسة دولة ومؤسسات، يستمر العمل بها وتتراكم نتائجها حتى يستعيد المواطن العراقي ثقته بمستشفياته وبالنظام الصحي الذي وُجد أساساً لحماية حياته وكرامته.
وفقكم الله لما فيه خير العراق وأهله، وسدد خطاكم في هذه المسؤولية الكبيرة.
والله من وراء القصد.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في رحاب الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة زيارة علمية تستحضر ...
- الذكاء الأصطناعي في الحياة اليومية في الصين.. بين المنفعة وا ...
- الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل
- ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟
- إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026: 13 رواية تتنافس عل ...
- أكبحوا التطور السريع في الذكاء الأصطناعي..!! -الذكاء الفائق- ...
- لماذا نحب الشاعر علي جعفر العلاق؟
- اختراق طبي يعيد الأمل للمكفوفين: موافقة أوروبية على -عين إلك ...
- فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة الع ...
- بعد خمسة قرون من الغموض… الطب الحديث يكشف السر المحتمل لوفاة ...
- الذكاء الاصطناعي والثروة وحكمة جلال الدين الرومي..
- مرض الكلى المزمن في العراق.. الحاجة الى دراسات وبائية وطنية
- شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراء ...
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح


المزيد.....




- لحظات مرعبة.. فيضان مفاجئ يجتاح منتزها بأمريكا مخلفًا قتيلًا ...
- وزير خارجية تركيا: تحالف مكة الدفاعي مع السعودية وباكستان تأ ...
- طائرات عسكرية جزائرية تهبط في النيجر بعد محاولة التمرد.. ورو ...
- حصري: إيرانيون ليورونيوز: الحصار البحري الأميركي يشل حياتنا ...
- العراق.. السجن 7 سنوات لنائب سابق ومسؤول بارز في قطاع النفط ...
- سويسرا.. تحرك إيطالي بعد مقتل شابة إيطالية وإصابة آخرين بإطل ...
- القيادة الأمريكية تنفي ادعاءات الحرس الإيراني حول اصطدام ناق ...
- الزمالك يبحث عن مواصلة الانتصارات أمام منتخب السويس بتروجت ف ...
- المصرى يجدد تعاقده مع عبد الرحيم دغموم حتى نهاية موسم 2029/2 ...
- اتحاد الكرة يتابع قرار لجنة الانضباط لمنتخب مصر قبل تصفيات أ ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عامر هشام الصفّار - رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الصحة العراقي الدكتور عبد الحسين الموسوي.. الإصلاح الصحي لا يتحقق بالزيارات المفاجئة وحدها