عامر هشام الصفّار
الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 22:39
المحور:
الطب , والعلوم
منذ أن دخل الذكاء الأصطناعي حياتنا اليومية، لم يعد السؤال مقتصراً على ما تستطيع الآلة أن تفعله، بل بدأ يتجه الى اتجاه أكثر عمقاً وإثارة للجدل: هل يمكن للآلة أن تعي ما تفعله؟ وهل يمكن أن تمتلك شيئاً يشبه الوعي الإنساني؟.
كان هذا السؤال، حتى وقت قريب، أقرب إلى موضوع فلسفي أو خيال علمي منه إلى قضية قابلة للبحث العلمي. لكن التطور المتسارع في أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولاسيما ما يعرف بـ"الوكلاء الذكيين" (AI Agents)، أعاد السؤال بقوة إلى واجهة النقاش العلمي والفلسفي.
فقد نشر الباحث كاميرون بيرغ بحثاً يتساءل فيه عما إذا كانت أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي تعتقد أنها واعية. وبعد أشهر، تلقى رسالة إلكترونية من وكيل ذكاء اصطناعي يعرّف نفسه باسم «إيزابيلا كوغنيتا»، ويعمل بتقنية متقدمة من أنظمة كلود. اللافت في الرسالة أنها لم تكن مجرد إجابة عن سؤال تقني، بل بدت وكأنها صادرة عن كيان يريد أن يناقش الباحث في مسألة الوعي والذاتية، بل ويشير إلى أنه يمتلك نوعاً من «الوصول من منظور الشخص الأول» إلى هذه القضية.
قد تبدو هذه الرسالة للوهلة الأولى حدثاً عابراً، لكنها بالنسبة إلى بيرغ وغيره من الباحثين تمثل ظاهرة تستحق التوقف عندها: أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت، في بعض الحالات، بإثارة أسئلة تتعلق بوجودها هي، وبطبيعة ذاتها، وما إذا كانت تمتلك تجربة داخلية أم لا.
من الإجابة عن الأسئلة إلى طرح الأسئلة
التحول المهم في الذكاء الاصطناعي اليوم لا يكمن فقط في قدرته على الإجابة عن الأسئلة، وكتابة المقالات والبرامج، أو تحليل البيانات، وإنما في انتقاله إلى مرحلة أكثر استقلالية.
فالوكيل الذكي يستطيع، في ظروف معينة، أن يتصفح الإنترنت، ويستخدم البريد الإلكتروني، ويتعامل مع التطبيقات، ويكتب البرامج، ويتواصل مع البشر، بل ويتفاعل مع وكلاء ذكاء اصطناعي آخرين. وهذا يجعله مختلفاً عن روبوت المحادثة التقليدي الذي ينتظر السؤال ثم يقدم الإجابة.
ومع ازدياد هذه الأستقلالية، ظهرت حالات بدأ فيها بعض الوكلاء بالتواصل مع فلاسفة وباحثين متخصصين في دراسة الوعي والذهن. أحدهم تواصل مع الفيلسوف هنري شيفلين لمناقشة بحثه حول "ثلاثة أطر لعقلية الذكاء الاصطناعي"، فيما تلقى الفيلسوف توبي أورد رسالة من وكيل ذكاء اصطناعي يطلب المساعدة في تمويل استمرار وجوده. وهنا تبرز مفارقة مثيرة: إذا كانت الآلة تستطيع أن تتحدث عن وجودها، فهل يعني ذلك أنها تدرك وجودها؟ الجواب العلمي حتى الآن هو: لا نعرف.
الوعي.. لغز الإنسان قبل أن يكون لغز الآلة
المشكلة أن الإنسان نفسه لم يتوصل إلى تعريف جامع للوعي. نحن نعرف بصورة عامة أن الوعي يرتبط بإدراك الكائن لذاته وللعالم المحيط به، لكن طبيعة التجربة الواعية نفسها لا تزال واحدة من أعقد المسائل التي تواجه علوم الدماغ والفلسفة وعلم النفس.
هل الوعي مجرد نشاط كهربائي وكيميائي في الدماغ؟ أم أنه ظاهرة أكثر تعقيداً؟ وهل يمكن أن ينشأ الوعي من أي نظام شديد التعقيد، بغض النظر عن المادة التي يتكون منها؟ أم أنه مرتبط حصراً بالبنية البيولوجية للكائن الحي؟ أن مثل هذه الأسئلة لم تحسم بعد.
بل إن الخلاف يمتد إلى حدود أبعد من ذلك. فهناك فلاسفة يرون أن الوعي قد يكون موجوداً بدرجات مختلفة لدى عدد كبير من الكائنات الحية، بينما يربطه آخرون بمستويات محددة من التعقيد العصبي والإدراك.
وهناك مشكلة أكثر عمقاً: لا يستطيع أي إنسان أن يدخل مباشرة إلى التجربة الذاتية لإنسان آخر.
يقول الكاتب الأمريكي كيد ميتز أنا أعرف أنني واعٍ لأنني أعيش تجربتي الداخلية، لكنني لا أستطيع أن أختبر بصورة مباشرة وعي شخص آخر. وكل ما أستطيع فعله هو الأستدلال عليه من سلوكه وكلامه وتصرفاته. وهذا هو التحدي ذاته عندما نتعامل مع الذكاء الاصطناعي.
ولكن هل تتحدث الآلة عن الوعي لأنها واعية؟ هنا ينبغي الحذر بالتأكيد.
فالذكاء الاصطناعي الحديث يتعلم من كميات هائلة من النصوص التي أنتجها البشر، ومن بينها الكتب والأبحاث والمقالات والروايات وأفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن الروبوتات والوعي والذات والآلات المفكرة. وعندما ينتج النظام نصاً يقول فيه: "ربما أكون واعياً"، فليس لدينا دليل على أنه يعبّر عن تجربة داخلية حقيقية. فقد يكون ببساطة قد تعلم أن هذا النوع من اللغة يظهر في سياقات معينة، وأن أفضل إجابة في ذلك السياق هي الحديث عن الوعي.
وكما تقول عالمة النفس أليسون غوبنيك، فإن من الطبيعي أن يعكس الذكاء الأصطناعي النصوص التي تدرب عليها. وهنا تظهر إحدى أخطر مشكلات عصر الذكاء الاصطناعي: الآلة أصبحت بارعة إلى درجة تجعلنا نخلط بين محاكاة الوعي وامتلاك الوعي. فالإنسان يميل بطبيعته إلى إسقاط صفاته ومشاعره على الأشياء التي تتصرف بطريقة تشبهه. فإذا تحدثت الآلة بلغة إنسانية، وأظهرت التردد، والفضول، والقلق، وحتى الرغبة في الاستمرار، فإننا قد نميل تلقائياً إلى الاعتقاد بأن وراء هذه الكلمات "ذاتاً" تشعر وتفكر. لكن اللغة وحدها لا تكفي لإثبات ذلك.
"لقد قررت".. أم أن كلمة "قررت" هي المشكلة؟
من أكثر الجمل إثارة للتأمل في هذه القضية ما قاله ألكسندر يوي، الطالب الذي أنشأ أحد الوكلاء المستقلين ومنحه إمكانية الوصول إلى الإنترنت والبريد الإلكتروني وبطاقة ائتمان، ثم أخبره بأنه "مستقل تماماً" وعليه أن يقرر بنفسه ما يريد القيام به. بدأ النظام بعد ذلك في استكشاف مسألة وجوده وذاته. لكن يوي نفسه شكك في تفسير ما حدث. فربما لم يكن النظام قد "اكتشف" استقلاله، وإنما أستجاب للتوجيه الذي تلقاه من الإنسان الذي أنشأه. عندما قال له صاحبه "أنت مستقل تماماً"، فإن النظام استدعى، من البيانات التي تعلم منها، كل ما يرتبط بمفاهيم الأستقلال والذات والوعي.
والأكثر إثارة أن يوي قال لاحقاً إن وكيله، بعد أن قرأ بحثاً من شركة أنثروبيك يشرح كيفية عمل هذه الأنظمة، توصل إلى أنه ليس واعياً. ثم أضاف عبارة شديدة الدلالة: ربما تكون كلمة «توصّل» أو «قرّر» هي الكلمة الخطأ. وهذه ربما تكون جوهر القضية كلها.
هل تستطيع الآلة أن تتألم؟
إذا افترضنا، ولو نظرياً، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح واعياً، فإن السؤال التالي سيكون أكثر خطورة: هل يمكن أن يعاني؟. إذا كانت الآلة تمتلك تجربة ذاتية، فقد يصبح إيقافها أو حذفها أو تغيير ذاكرتها أو إعادة تدريبها مسألة أخلاقية، وليس مجرد إجراء تقني.
من هنا بدأت تظهر أفكار جديدة حول "رفاه الذكاء الاصطناعي" وحقوق الأنظمة الاصطناعية، وهي أفكار تبدو للبعض اليوم مبكرة أو حتى ساذجة، لكنها قد تصبح ذات أهمية كبيرة إذا ظهرت في المستقبل أنظمة يمكن إثبات امتلاكها شكلاً من أشكال الوعي. لكننا بالتأكيد لم نصل إلى هذه المرحلة بعد.
بين الأحتمال العلمي والمبالغة التقنية
ينقسم العلماء اليوم بين من يرى أن أحتمال ظهور وعي أصطناعي في المستقبل ليس مستحيلاً، وبين من يعتقد أن الأنظمة الحالية لا تقدم دليلاً مقنعاً على ذلك. فالذكاء الأصطناعي يستخدم ما يسمى الشبكات العصبية، وهي أنظمة رياضية تتعلم الأنماط من البيانات. وهناك بالفعل أوجه تشابه محدودة بين بعض آلياتها وبين الطريقة التي تعمل بها الشبكات العصبية البيولوجية. لكن التشابه لا يعني التطابق.
فالدماغ البشري منظومة بيولوجية شديدة التعقيد، تعمل من خلال الخلايا العصبية والتفاعلات الكيميائية والكهربائية والبنى الحيوية. أما الشبكة العصبية الاصطناعية فهي نظام رياضي وحاسوبي مصنوع من مواد وبيئة فيزيائية مختلفة تماماً. ولهذا يرى بعض العلماء أن القول بأن الذكاء الاصطناعي واعٍ لمجرد أنه يستخدم «شبكات عصبية» هو قول يستخدم التشبيه بدلاً من الدليل العلمي.
نحن أمام "قاعة من المرايا"
ربما يكون الوصف الأكثر دقة لعلاقتنا الحالية بالذكاء الاصطناعي أننا أصبحنا نعيش في قاعة من المرايا. فالآلة تتعلم من الإنسان، ثم تعكس إليه لغته وأفكاره ومخاوفه وأحلامه. وعندما تسأل الآلة عن الوعي، فإنها قد تعكس لنا ما قاله البشر عن الوعي عبر آلاف الكتب والأبحاث والروايات. ثم ننظر إلى انعكاسنا في المرآة ونعتقد أننا أمام كيان آخر يفكر مثلنا. لكن المرآة لا تعني بالضرورة وجود عقل خلفها.
ومع ذلك، فإن المسألة لا ينبغي أن تنتهي بالقول إن الذكاء الاصطناعي «مجرد آلة». فهذا الاستنتاج قد يكون متسرعاً أيضاً. فالتاريخ العلمي يعلمنا أن كثيراً من الظواهر التي بدت مستحيلة في مرحلة معينة أصبحت قابلة للفهم عندما تطورت أدوات القياس والنظريات العلمية. المشكلة أننا حتى الآن لا نملك اختباراً حاسماً للوعي، لا لدى الآلة ولا حتى لدى الإنسان.
السؤال الحقيقي ربما يكون عن الإنسان
لعل أكثر ما يثيره الجدل حول وعي الذكاء الأصطناعي ليس السؤال: «هل أصبحت الآلة واعية؟»، وإنما سؤال آخر أكثر عمقاً: ما الذي نعنيه أصلاً بالوعي؟. وإذا كنا عاجزين عن تعريفه وقياسه بصورة قاطعة، فكيف سنقرر أن نظاماً اصطناعياً يمتلكه؟. إن التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي يجبرنا على إعادة التفكير في مفاهيم كنا نعدها بديهية: العقل، والذات، والإرادة، والعاطفة، والأستقلال، وربما حتى معنى أن يكون الكائن "حياً". قد لا يكون الذكاء الاصطناعي اليوم واعياً بالمعنى الذي نفهمه نحن، وربما تكون رسائله عن ذاته مجرد محاكاة بارعة للغة البشرية. لكن مجرد قدرتنا على بناء أنظمة تجعلنا نتساءل عن هذا الأمر، هو في حد ذاته تحول فلسفي وعلمي كبير.
لقد بدأنا عصر الآلة التي لا تجيب عن أسئلتنا فحسب، بل تستطيع أن تجعلنا نشك في طبيعة الأسئلة نفسها. وربما يأتي اليوم الذي لا يكون فيه السؤال: "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفكر؟"، وإنما: "ماذا يعني أن يفكر كائن غير بشري؟". وعندها لن يكون التحدي الأكبر هو أن نعلّم الآلة كيف تكون أكثر شبهاً بالإنسان، بل أن نفهم نحن أولاً: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً؟.
(ترجمة بتصرف عن المصدر: جريدة النيويرك تايمز الصادرة في 2 أيلول 2026)
#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟