عامر هشام الصفّار
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 16:02
المحور:
الطب , والعلوم
من علوم الأعصاب الحديثة إلى الذكاء الاصطناعي ومشروع العيادة الذكية للسكتة الدماغية الصغرى في بغداد
شهدت قرية دجلة في بغداد يومي 3 و4 أيلول/سبتمبر 2026 انعقاد المؤتمر العلمي الأول للجمعية العلمية العراقية لأمراض الأعصاب (ISSN)، بمشاركة واسعة من أطباء الأعصاب والاختصاصات الطبية والعلمية المساندة من مختلف محافظات العراق، فضلاً عن عدد من الخبرات العراقية والعربية والدولية.
وجاء البرنامج العلمي للمؤتمر واسعاً ومتنوعاً، ليعكس التحولات المتسارعة التي يشهدها طب الأعصاب عالمياً؛ إذ لم يقتصر على عرض المستجدات في تشخيص الأمراض العصبية وعلاجها، بل امتد إلى الصحة العامة وصحة الدماغ، والوراثة العصبية، والذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية، والسكتة الدماغية والتداخلات الوعائية العصبية، والصرع، واضطرابات النوم، وألزهايمر، واضطرابات الحركة، والأمراض العصبية العضلية، والتأهيل العصبي والسلامة الدوائية.
اليوم الأول: من المناعة العصبية إلى الوراثة والذكاء الاصطناعي
بدأ اليوم الأول، الخميس 3 أيلول، بمحور المناعة العصبية والأمراض الالتهابية العصبية، حيث تناولت المحاضرات تشخيص التصلب المتعدد وتطور معايير McDonald، إلى جانب أنماط التصوير في اعتلال بيضاء الدماغ متعدد البؤر المترقي (PML). وتبع ذلك نقاش متعدد التخصصات حول وذمة حليمة العصب البصري Papilloedema وأهمية التعاون بين طبيب الأعصاب وطبيب العيون في التشخيص التفريقي والمتابعة.
وانتقل البرنامج بعد ذلك إلى اضطرابات الحركة، متناولاً اضطرابات الحركة لدى مراجعي العيادات النفسية في بغداد، ومتلازمة تململ الساقين، فضلاً عن العلاج الجراحي لمرض باركنسون.
وبالتوازي مع ذلك، عُقدت جلسة عملية حول علاج مرض الشقيقة أو الصداع النصفي واستخدام حقن البوتولينوم توكسين في الشقيقة المزمنة، جمعت بين التحديث النظري والتطبيق العملي لاختيار المرضى ومواضع الحقن وتقنياته.
أما محور الأمراض العصبية العضلية فتناول المتلازمات الخلقية للوهن العضلي من النمط الظاهري إلى التشخيص الجيني والعلاج المناسب، وأهمية خزعة العضلات في التشخيص العصبي، إضافة إلى دمج التشخيص الكهربائي بالموجات فوق الصوتية في أمراض الجهاز العصبي المحيطي.
وفي جلسة موازية عن الوراثة العصبية Neurogenetics، نوقش تأثير الدراسات الجينية الوراثية في فهم مرض باركنسون والانتقال من دراسة آليات المرض إلى إمكانات العلاج الجيني، كما تناول البرنامج استخدام تقنيات التسلسل الجيني للجيل القادم Next Generation Sequencing في تشخيص الاضطرابات العصبية الوراثية.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الممارسة العصبية
ومن المحاور المتميزة في اليوم الأول تخصيص جلسة كاملة بعنوان Digital Neurology & Artificial Intelligence – طب الأعصاب الرقمي والذكاء الاصطناعي.
فقد ناقش الدكتور مثنى الجزاني في محاضرته المعنونة ب "دور الذكاء الأصطناعي في طب الأعصاب 2026" الكيفية التي بدأ بها الذكاء الاصطناعي بتغيير التشخيص والعلاج ورعاية المريض العصبي، بينما تناولت الدكتورة لبنى الجمل من مصر العربية التطبيقات الحالية والمستقبلية للذكاء الاصطناعي في العناية العصبية الحرجة Neurocritical Care.
إلا أن الجلسة اكتسبت بعداً تطبيقياً محلياً بصورة خاصة مع المحاضرة التي قدمها الدكتور عامر الصفار، اختصاصي طب السكتة الدماغية وطب الشيخوخة في المملكة المتحدة، تحت عنوان:
Baghdad Smart TIA Clinic: A Digital Health and Artificial Intelligence Model for Early Stroke Prevention in Iraq
أي: العيادة الذكية للسكتة الدماغية الصغرى في بغداد: نموذج للصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي للوقاية المبكرة من السكتة الدماغية في العراق.
لماذا تحتاج بغداد إلى عيادة ذكية للسكتة الدماغية الصغرى؟
حيث ركز الدكتور الصفار في محاضرته على أن النوبة الإقفارية العابرة (TIA)، التي يطلق عليها أحياناً السكتة الدماغية الصغرى، والتي ينبغي ألا ينظر إليها باعتبارها حادثاً عابراً انتهى باختفاء الأعراض، وإنما باعتبارها إنذاراً طبياً عاجلاً بأحتمال حدوث سكتة دماغية مكتملة.
فقد يصاب المريض بصورة مفاجئة بضعف أو خدر في أحد جانبي الجسم، أو اضطراب في الكلام، أو فقدان مؤقت للرؤية، ثم تختفي الأعراض بعد دقائق أو ساعات. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ قد يطمئن المريض أو أسرته بعد زوال الأعراض، بينما تكون هذه الفترة تحديداً فرصة ثمينة لتحديد السبب والتدخل قبل وقوع سكتة أكبر قد تؤدي إلى الوفاة أو الإعاقة الدائمة.
ومن هذا المنطلق طرح الدكتور الصفار فكرة إنشاء عيادة ذكية متخصصة للسكتة الدماغية الصغرى في بغداد، تكون نموذجاً حديثاً يجمع الطب السريري المتخصص بالصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ويهدف إلى الانتقال من علاج السكتة بعد حدوثها إلى منعها قبل وقوعها.
كيف يمكن إنشاء العيادة؟
الفكرة، كما عرضتها المحاضرة، لا تقوم على إضافة عيادة تقليدية جديدة فحسب، وإنما على إنشاء مسار سريع ومتكامل للمريض المشتبه بإصابته بـTIA.
ويبدأ ذلك بوجود نظام واضح للإحالة السريعة من أقسام الطوارئ والمستشفيات والعيادات والأطباء، مع إمكانية استخدام وسائل رقمية لتسجيل بيانات المريض وأعراضه وعوامل الخطورة وتوقيت بداية الأعراض. ثم يخضع المريض لتقييم متخصص وسريع يشمل التاريخ المرضي والفحص العصبي وتقدير عوامل الخطورة، مثل ارتفاع ضغط الدم، والسكري، واضطرابات الدهون، والتدخين، والرجفان الأذيني وأمراض القلب والأوعية الدموية، مع إجراء الفحوص المطلوبة وتصوير الدماغ والأوعية وتقييم القلب بحسب الحالة.
ويمكن للنظام الرقمي أن يساعد في ترتيب الأولويات وفرز الحالات عالية الخطورة، وربط نتائج المختبر والتصوير والفحوص القلبية بالسجل السريري، وتنبيه الفريق الطبي إلى الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساندة للطبيب وليس بديلاً عنه؛ إذ يمكن مستقبلاً استخدامه لتحليل مجموعة كبيرة من البيانات السريرية والتصويرية، والمساعدة في التعرف على أنماط الخطورة وتحديد المرضى الذين يحتاجون إلى تقييم أكثر استعجالاً، مع بقاء القرار الطبي النهائي بيد الفريق المختص.
العيادة كمشروع علاجي وبحثي وتعليمي
ومن الجوانب المهمة في المقترح أن العيادة الذكية يمكن ألا تقتصر وظيفتها على استقبال المرضى، بل تتحول تدريجياً إلى مركز معلومات وبحث وتطوير للسكتة الدماغية في بغداد.
فإنشاء قاعدة بيانات منظمة لمرضى TIA والسكتة الدماغية سيوفر معلومات عراقية حقيقية عن عوامل الخطورة، وأعمار المرضى، وأسباب السكتة، والتوزيع الجغرافي، ومدة الوصول إلى المستشفى، ونتائج العلاج. ومن شأن ذلك أن يدعم البحث العلمي، ويساعد المؤسسات الصحية في التخطيط للخدمات، ويفتح المجال أمام الجامعات والباحثين العراقيين لإجراء دراسات مبنية على بيانات محلية بدلاً من الاعتماد الكامل على بيانات المجتمعات الأخرى. وبذلك تصبح Baghdad Smart TIA Clinic مشروعاً ذا ثلاثة أبعاد متكاملة: خدمة سريرية للمرضى، ومنصة للبحث والابتكار، ومركزاً للمعلومات والتثقيف والتدريب في مجال الوقاية من السكتة الدماغية.
اليوم الثاني: الوقاية والسكتة الدماغية في الواجهة
وقد واصل المؤتمر في يومه الثاني، الجمعة 4 أيلول، هذا الاتجاه نحو الوقاية والتطبيق العملي. فقد بدأت الجلسات بمحور صحة الدماغ والصحة العامة والسلامة الدوائية، متضمناً محاضرة عن تعزيز الرعاية العصبية وصحة الدماغ في العراق، وأخرى عن دور طبيب الأعصاب في اكتشاف إشارات السلامة الدوائية وتقليل المخاطر.
وتناول محور الطب العصبي المبني على الدليل المستجدات في طب الأعصاب الوقائي والمؤشرات الحيوية والتجارب السريرية وتحديثات الإرشادات العلاجية.
كما خصصت جلسة للصرع والنوم والفيزيولوجيا العصبية السريرية، شملت تحديد مصدر البؤر الصرعية، والتخطيط الكمي للدماغ، وStereo-EEG، واختبارات اضطرابات النوم.
وحظيت السكتة الدماغية بمساحة بارزة، إذ ناقش المؤتمر اختيار المرضى المناسبين لاستخراج الخثرة الميكانيكي في انسداد الأوعية الكبيرة، كما عرض تجربة عراقية عن أثر إنشاء مسار منظم للسكتة الدماغية Organized Stroke Pathway في تحسين الرعاية وتقليل التفاوت الجغرافي، إضافة إلى موضوع التمريض الدقيق لمرضى السكتة.
التداخلات المتقدمة وعلاج السكتة.
وفي جلسة Interventional Neurology & Advanced Stroke Therapies تناول المتحدثون تجربة تأسيس خدمة استخراج الخثرة الميكانيكي في أربيل، ومستجدات دعامات الشريان السباتي، والأساسيات التقنية لاستخراج الخثرة، فضلاً عن استخدام التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة بالتزامن مع العلاج الطبيعي في تأهيل مرضى السكتة الإقفارية.
كما تناولت ندوة خاصة الشراكة بين Angels Initiative والجمعية العلمية العراقية لأمراض الأعصاب لتحسين رعاية السكتة الدماغية في العراق.
وهنا تبدو العلاقة واضحة بين ما طرحه الدكتور عامر الصفار في اليوم الأول وما ناقشته جلسات اليوم الثاني: الوقاية من السكتة، والتعرف المبكر على المريض المعرض لها، وإنشاء مسار سريع للتشخيص من جهة، وتطوير قدرات العلاج الحاد والمتقدم عندما تقع السكتة من جهة أخرى.
من مؤتمر علمي إلى مشروع لتطوير طب الأعصاب في العراق
لقد تميز المؤتمر الأول للجمعية العلمية العراقية لأمراض الأعصاب بأنه لم يقدم صورة تقليدية لمؤتمر قائم على المحاضرات فقط، بل كشف عن توجه نحو بناء منظومة عراقية حديثة لطب الأعصاب وصحة الدماغ، تجمع بين المعرفة الطبية، والتكنولوجيا، والتدريب، والبحث العلمي والعمل متعدد التخصصات.
وفي هذا السياق، يمثل مقترح إنشاء العيادة الذكية للسكتة الدماغية الصغرى في بغداد واحداً من المشاريع التي يمكن أن تحول الأفكار التي طرحت في المؤتمر إلى نتائج ملموسة.
فالنجاح الحقيقي لمثل هذه المؤتمرات لا يقاس فقط بعدد المشاركين أو المحاضرات، وإنما بما ينتج عنها من مبادرات تستمر بعد إسدال الستار على الجلسة الختامية.
ولعل إحدى الرسائل المهمة التي خرج بها مؤتمر بغداد هي أن مستقبل طب الأعصاب في العراق يمكن أن يجمع بين الخبرة السريرية العراقية، والطب المبني على الدليل، والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وبناء قواعد البيانات والبحث العلمي.
ومن هنا، فإن إنشاء عيادة بغداد الذكية للسكتة الدماغية الصغرى يمكن أن يكون خطوة عملية رائدة في هذا الاتجاه: عيادة لا تنتظر وصول المريض بعد إصابته بسكتة كبيرة، بل تحاول التعرف على الإنذار المبكر، وتحديد أسبابه وعلاجه بسرعة، لمنع السكتة الدماغية قبل أن تقع.
#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟