أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عامر هشام الصفّار - حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة وفن التعبير














المزيد.....

حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة وفن التعبير


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 16:17
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لا تكتمل معرفة الطالب بلغته بقدرته على كتابة إجابة صحيحة في ورقة الامتحان؛ إذ يحتاج أيضاً إلى أن يشرح فكرة، ويطرح سؤالاً، ويدافع عن رأي، وينصت إلى رأي مختلف. ومن هنا تأتي أهمية النقاش الجاري في بريطانيا هذه الأيام حول مكانة الحديث والتواصل في التعليم الثانوي: هل تُعِدّ المدرسة طالباً يجيد اجتياز الأختبارات فحسب، أم إنساناً يستطيع أن يستخدم معرفته ويعبّر عنها في الحياة؟.
وتقتضي الدقة أن نحدد أن الإصلاحات التعليمية البريطانية أنما تخص إنجلترا، لأن التعليم في المملكة المتحدة تتولاه أنظمة مختلفة بين إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية.
ويبدو ان وزيرة التعليم لوسي باول تتجه إلى منح مهارات الحديث والتواصل مكانة توازي القراءة والكتابة في المنهج الوطني التعليمي في المدارس، وتعزيز حضورها في تقييمات شهادة التعليم الثانوي العام المعروفة اختصاراً بـ«GCSE»، التي يؤديها الطلاب عادة في سن السادسة عشرة. وتنطلق هذه الرؤية من أعتبار القدرة على التعبير الواضح والواثق حقاً تعليمياً لجميع الطلاب، وأداة تؤثر في فرصهم في العمل والحياة العامة.
غير أن التعبير الشفهي حاضر بالفعل في التعليم الإنجليزي القائم. فالمنهج يتضمن المناقشات والعروض والمناظرات، كما تتضمن شهادة اللغة الإنجليزية تقييماً للغة المنطوقة، تُعلَن نتيجته منفصلة ولا تدخل في الدرجة الأساسية للمادة. ولذلك فإن القضية المطروحة تتعلق بوزن هذه المهارة في التعليم والتقييم، ومدى انتظام تنميتها لدى جميع الطلاب.
والتعبير الشفهي، أو ما يُعرف تربوياً بمصطلح «Oracy»، أوسع من الطلاقة في الكلام. إنه القدرة على ترتيب الأفكار، وأختيار الكلمات المناسبة، وتقديم الحجة، والأستماع بأنتباه، ثم الأستجابة لما يقوله الآخرون. وقد يتحدث الطالب كثيراً من دون أن يوضح فكرته، بينما يستطيع طالب هادئ أن يقدم مداخلة قصيرة ودقيقة تكشف فهماً عميقاً. ولهذا ينبغي أن يقيس التعليم جودة التواصل، وأن يتيح للطالب تنمية أسلوبه، بعيداً عن مكافأة الجرأة وحدها.
تتضح أهمية ذلك في المرحلة الثانوية، حين ينتقل الطالب إلى مسائل أكثر تعقيداً، وتتسع قدرته على التساؤل وتكوين المواقف. ففي درس التاريخ، يمكن أن يناقش أسباب حدث ويوازن بين تفسيراته؛ وفي العلوم، يشرح تجربة ويبرر استنتاجه؛ وفي الأدب، يعرض قراءته لقصيدة ويستمع إلى قراءة مغايرة. وفي هذه المواقف يصبح الكلام وسيلة لبناء الفهم وأختباره: فعندما يحاول الطالب شرح ما يعرفه، قد يكتشف بنفسه ما ينقصه من معرفة.
وتتكامل هذه الممارسة مع الكتابة. فيمكن أن تبدأ الحصة بسؤال، ثم نقاش في مجموعات صغيرة، يعقبه عرض موجز، وتنتهي بفقرة مكتوبة. ولابد من القول أن الحوار يمنح الطالب فرصة لتجريب أفكاره وصقلها، وتمنحه الكتابة وقتاً لمراجعتها وتنظيمها بدقة. وهكذا تنمو مهارات اللغة معاً؛ فالقراءة تمده بالمفردات والمعرفة، والحديث يساعده على تداول الأفكار، والكتابة تثبتها وتعمقها.
وللقضية بُعد اجتماعي كذلك. فالطالب الذي أعتاد الحوار في أسرته، وأتيحت له الأنشطة الثقافية وفرص الإلقاء، قد يصل إلى المدرسة بثقة أكبر من زميل لم تتوافر له هذه الخبرات. وحين تفترض المدرسة أن الثقة بالنفس موهبة جاهزة، فإنها قد تترك هذا التفاوت قائماً. أما حين تجعل التدريب على التعبير جزءاً منتظماً من التعليم، فإنها توسع فرصة كل طالب في أن يكون مسموعاً.
ويتطلب ذلك بيئة تحترم التدرج والأختلاف. فالطالب الخجول قد يبدأ بالحديث مع زميل، ثم أمام مجموعة صغيرة، قبل أن يقدم عرضاً للصف. كما ينبغي مراعاة الطلاب ذوي صعوبات النطق والتواصل والقلق، ومن يتعلمون الإنجليزية لغة إضافية. والتقييم العادل يحتاج إلى معايير واضحة للفهم وتنظيم الأفكار والأستجابة للأسئلة، مع تجنب الخلط بين جودة الفكرة والخلفية الأجتماعية أو اللكنة.
ويربط المقال هذا التوجه بصعود الذكاء الاصطناعي، الذي يجعل إنتاج النصوص والإجابات أسرع وأسهل. وفي هذا السياق، تزداد قيمة قدرة الطالب على شرح ما يقدمه ومناقشته. ويمكن للحوار المباشر أن يساعد المعلم على استكشاف الفهم، لكنه يحتاج هو الآخر إلى أسئلة جيدة وتقييم منصف. وتبقى المعرفة أساساً ضرورياً: فمن يريد أن يناقش قضية علمية أو اقتصادية يحتاج إلى معلومات صحيحة، وإلى القدرة على تمييز الدليل من الأدعاء.
ويمتد النقاش إلى المواد العملية، مثل الموسيقى والدراما والتربية الرياضية، حيث يقترح التربويون زيادة الأعتماد على الأداء العملي وتقليل بعض الأعباء الكتابية. ولهذه الفكرة وجاهتها حين يُراد تقييم قدرة الطالب على العزف أو التمثيل أو الأداء الرياضي، على أن يصاحبها فهم للنظرية وقدرة على التأمل في العمل وتحليله.
أما التخوف من أن تؤدي الإصلاحات إلى إضعاف التحصيل الأكاديمي، فيستحق نقاشاً جاداً. فتطوير مهارات التواصل يحتاج إلى مناهج غنية بالمحتوى، ومعلمين مؤهلين، ووقت للتدريب، وتقييمات يمكن الوثوق بها. ولن يكفي إدراج عبارة «التعبير الشفهي» في وثيقة رسمية ما لم تتغير فرص المشاركة داخل الصف.
وتفتح هذه التجربة باباً للتأمل في تعليمنا العربي أيضاً: كم نتيح لطلابنا أن يشرحوا ويسألوا ويناقشوا بلغتهم؟، وكم نساعدهم على استخدام العربية استخداماً حياً، يصل بين سلامة التعبير ووضوح المعنى واحترام المستمع؟. إن المدرسة التي تعلّم الطالب أن يقرأ بفهم، ويكتب بدقة، ويتحدث بوضوح، وينصت بإنصاف، تمنحه أدوات المعرفة والمشاركة معاً. وعندما يغادرها، ينبغي أن يحمل في يده شهادة، وفي ذهنه معرفة، وفي صوته قدرة على التعبير عن نفسه.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة أفكار الإنسان: حين تصبح العقول مكشوفة أمام التكنولوجيا
- نوبل الاقتصاد 2026: روبرت هول ومايكل وودفورد يعيدان بناء سيا ...
- سجل عبد الولي.. من طفلة لاجئة صومالية إلى نائبة في البرلمان ...
- الحائزة على جائزة نوبل في الأدب 2026 الشاعرة الكندية آن كارس ...
- بيانو يعيد اختراع نفسه: حين تلتقي الموسيقى بالهندسة الحديثة
- نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين تر ...
- نوبل الطب 2026.. الضوء يكشف أسرار الدماغ
- مئوية الروّاد… بغداد تحتفي بالشعراء السيّاب والبيّاتي وبلند ...
- -الجراحة شعراً-… حين تتحول خبرة الجرّاح إلى قصيدة
- الرواية التاريخية في بريطانيا.. حين يستعيد الأدب أسرار الماض ...
- ست روايات تتنافس على جائزة البوكر 2026 لأفضل رواية مكتوبة با ...
- التعاون بين المنصات الثقافية العربية في المهجر
- الذكاء الاصطناعي بين وعود المستقبل ومخاوف الخروج عن السيطرة
- فيلم -سحر الحياة- وصناعة الحنين Practical Magic 2
- حين تتكلم الأشياء: قراءة سيميائية في قصة -مسز كولن- للكاتبة ...
- فرانسيس فوكوياما.. من -نهاية التاريخ- إلى -عالم الإنسان الأخ ...
- حول المؤتمر العلمي الأول للجمعية العلمية العراقية لأمراض الأ ...
- مهرجان البندقية السينمائي في دورته ال83… حين تلتقي السينما ب ...
- هل يمتلك الذكاء الأصطناعي وعياً؟ حين تبدأ الآلة في السؤال عن ...
- إنجاز علمي يغيّر قواعد الأستنساخ: علماء ينجحون في إنتاج إناث ...


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يهاجمون دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغ ...
- سوريا.. ألغام النظام السابق تقتل وتجرح جنديين بمنطقة التنف ب ...
- السيسي: سننفذ أي إجراء لحماية السعودية
- موقع: أوكرانيا فشلت باعتراض أي صواريخ باليستية أو جوية روسية ...
- الشيباني: قرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل حبر على ورق ...
- زيلينسكي: القيود على -ستارلينك- لا تزال تعيق عمليات الجيش ال ...
- تهديد زيلينسكي لأوروبا يثير التهكم والسخرية في بولندا
- الحوثيون: إسقاط طائرة أباتشي تابعة للجيش السعودي قبالة منطقة ...
- إذا حاول الديمقراطيون عزله مجددًا.. ترامب يلوّح بفتح ملفات ض ...
- -السلطات لا تصغي إلينا-.. غضب الشباب الفرنسي يتصاعد في باريس ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - عامر هشام الصفّار - حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة وفن التعبير