أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي… رحلة بين جراحة الدماغ وتاريخ الطب وذاكرة العراق















المزيد.....


مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي… رحلة بين جراحة الدماغ وتاريخ الطب وذاكرة العراق


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 14:48
المحور: الطب , والعلوم
    


ليست مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي، استشاري جراحة الدماغ والأعصاب، مجرد حصيلة معرفية لطبيب أمضى أكثر من نصف قرن في ميدان الطب والجراحة، بل هي مشروع علمي وثقافي وإنساني متكامل، تتداخل فيه الخبرة الطبية مع البحث الأكاديمي، وتلتقي فيه الذاكرة الشخصية بتاريخ المؤسسات العلمية العراقية، فيما تمتد آفاقه إلى قضايا الفكر والتراث والحياة والموت. ومن يطالع قائمة كتبه وترجماته وأبحاثه يدرك أنه أمام تجربة تتجاوز حدود الاختصاص الجراحي الدقيق، لتقدم شهادة على مسيرة العلم في العراق، وعلى قدرة الطبيب على الجمع بين الممارسة المهنية والتأليف والتوثيق وخدمة المجتمع.
تكشف مؤلفات الخليلي عن شخصية علمية لم تحصر اهتمامها في غرفة العمليات أو قاعات التدريس، بل سعت إلى نقل المعرفة، وتطوير التعليم الطبي، وتوثيق التجارب، وصيانة الذاكرة الوطنية من الضياع. وقد توزعت أعماله، وفق عرضه لمؤلفاته المنشورة والإصدارات المرتقبة، على أربعة محاور رئيسة: السيرة والمذكرات، والجراحة العصبية والتعليم الطبي، والبحث العلمي والصحة العامة، والتاريخ والفكر والتراث.
من سيرة الطبيب إلى ذاكرة وطن
يحتل كتابه "رحلتي في الطب والحياة: سيرة حياة وذكريات طبيب من وادي الرافدين" مكانة مركزية في مشروعه التأليفي. صدر الكتاب في أربعة أجزاء عن المكتبة العصرية في بغداد عام 2021، وبلغ مجموع صفحاته 2454 صفحة، ليقدم سيرة شخصية وعلمية وثقافية واجتماعية تمتد من الجذور العائلية والطفولة في الكوفة إلى الدراسة في كلية الطب ببغداد، ثم التدريب في بريطانيا، والعودة إلى العراق عام 1976، وصولاً إلى سنوات العمل الأكاديمي والمهني والمبادرات الثقافية والإنسانية.
ولا تقتصر أهمية هذه المذكرات على تسجيل محطات حياة مؤلفها، بل تتعداها إلى رصد الظروف التي عاش فيها الطبيب العراقي، وما واجهه التعليم الطبي والبحث العلمي من تحديات في مراحل الحروب والحصار والتحولات السياسية والأجتماعية. كما يتناول أحد أجزائها تجربة الخليلي في إدارة الملحقية الثقافية العراقية في واشنطن، وما أعقب التقاعد من نشاطات، بينها تأسيس منظمة «توفيق» غير الربحية لدعم التعليم والصحة في العراق.
ويستكمل كتاب "الإعلام في رحلتي في الطب والحياة"، الصادر عام 2025 في 446 صفحة، هذا المسار التوثيقي من زاوية مختلفة؛ إذ يجمع ما نشرته وسائل الإعلام العراقية والعربية والعالمية عن نشاطات الدكتور الخليلي في مجالات الجراحة العصبية، وجراحة محجر العين، ومكافحة السرطان، والتثقيف الصحي، وقضايا موت الدماغ، وغيرها من المحطات المهنية والثقافية. وتكمن أهمية هذا العمل في أنه لا يكتفي بما يرويه صاحب التجربة عن نفسه، بل يحفظ أيضاً شهادات الصحافة المعاصرة، بما يتيح للباحثين مقارنتها بالمذكرات والوثائق الأخرى.
أما "شواهد من رحلة العمر"، وهو الجزء الخامس المصور من مشروع المذكرات، فيمثل محاولة لحفظ الذاكرة بالصور والوثائق، عبر ألبوم يمتد إلى نحو 500 صفحة، يتتبع مراحل الحياة من الطفولة والدراسة إلى التخصص والعمل الأكاديمي والنشاط الثقافي والدبلوماسي. وهنا تصبح الصورة وثيقة تاريخية موازية للنص، تحفظ وجوه الأشخاص ومعالم المؤسسات والمناسبات العلمية التي قد تتغير أو تختفي مع مرور الزمن.
وفي كتاب "ما بين تلافيف الدماغ: رحلتي في الجراحة العصبية والحياة"، الصادر عن دار زوين في العراق، يعيد الخليلي تنظيم تجربته المهنية في مجلد يقع في 452 صفحة، مركزاً على تطور الجراحة العصبية في العراق، منذ انتقاله من طب العيون إلى هذا الاختصاص في جامعة دندي الإسكتلندية عام 1972، ثم عودته إلى العراق عام 1976. ويتابع الكتاب مراحل تطور الاختصاص، وتأسيس المجلس العراقي لاختصاص الجراحة العصبية عام 1988، والعمل في ظروف الحرب والحصار، وأستحداث الوحدة البحثية للعلوم العصبية، وتأسيس مركز جراحة محجر العين.
إن هذا الكتاب، مثل المذكرات، لا يدعي تقديم تاريخ شامل للجراحة العصبية في العراق، لكنه يوفر شهادة شخصية موثقة على جانب مهم من تاريخها، كتبها طبيب شارك في بعض أحداثها وأسهم في تطورها.
الجراحة العصبية… المعرفة حين تتحول إلى تعليم
في محور الجراحة العصبية والتعليم الطبي، تتجلى نزعة الخليلي إلى جعل المعرفة الطبية أكثر وضوحاً وتداولاً، وإلى تقريب الخبرة المتخصصة من الطلبة والأطباء والعاملين في الرعاية الصحية.
ومن أبرز أعماله في هذا المجال ترجمته "الموجز المصور لفحص الجهاز العصبي"، عن الكتاب الإنجليزي Pictorial Manual of Neurologic Tests، الذي وضعه موريس فان ألن وروبرت رودنيتسكي. وقد صدرت الترجمة عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية عام 1992 في 277 صفحة. ويقدم الكتاب خطوات الفحص السريري للجهاز العصبي بطريقة متسلسلة ومدعومة بالرسوم التوضيحية، تساعد الطالب والطبيب المتدرب على الأنتقال من المعرفة النظرية إلى الممارسة السريرية. وتبرز أهمية هذا العمل في اهتمام مؤلفه باللغة العربية ومصطلحات الطب فيها، ليس بوصفها وسيلة للتواصل فحسب، بل أداة لتيسير التعلم وتثبيت المفاهيم وتطوير الممارسة المهنية.
وفي الأتجاه نفسه، وضع الخليلي "المعجم المختص في المصطلحات الطبية العصبية"، الذي صدر عن دار الحكمة في بغداد عام 1992، متضمناً نحو 1800 مصطلح في علوم الجهاز العصبي التشريحية والوظيفية والمرضية والجراحية، مع مقابلاتها العربية. وقد قدم له الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ، وجاء المعجم استجابة لحاجة عملية لاحظها المؤلف لدى الأطباء والطلبة والمترجمين، تتمثل في تفرق المصطلحات المتخصصة بين المعاجم العامة والمراجع الأجنبية. وتكشف هذه المبادرة عن إيمان بأهمية تطوير لغة علمية عربية قادرة على أستيعاب المفاهيم الطبية الحديثة، مع إدراك أن المصطلحات العلمية ليست عملاً منجزاً مرة واحدة، بل تحتاج إلى مراجعة وتحديث مستمرين، بالتعاون بين الأطباء واللغويين والمترجمين والمؤسسات الأكاديمية.
وفي كتابه "إصابات الرأس والعمود الفقري"، الذي أُلف عام 2000 وطبعته ونشرته منظمة الصحة العالمية، يتجه الأهتمام إلى الممارسة الطبية المباشرة. فالكتاب، الواقع في 60 صفحة، دليل عملي لأطباء الطوارئ والأطباء المقيمين، يوضح خطوات تقييم المصابين، والفحص السريري والعصبي، والفحوص المطلوبة، والعلامات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً من جراح الأعصاب، وكيفية مراقبة المضاعفات المحتملة.
وتنبع قيمة هذا النوع من التأليف من إدراك أن نجاح علاج إصابات الدماغ والعمود الفقري لا يبدأ داخل غرفة العمليات وحدها، بل منذ لحظة استقبال المصاب وتقييم حالته، وأن التنسيق بين مختلف التخصصات الصحية عنصر أساسي في إنقاذ الحياة والحد من المضاعفات.
ويكمل "دليل كتابة الأطروحة"، الصادر باللغة الإنجليزية عام 1998، هذا الاهتمام بالتعليم والبحث. فقد أعده الخليلي لطلبة الدراسات العليا في ظروف الحصار، حين كانت المراجع الإرشادية محدودة، مستفيداً من تجربته في دراسة ماجستير فلسفة العلوم بجامعة برادفورد ومن خبرته في الإشراف الأكاديمي. ويؤكد الدليل أن قيمة الأطروحة لا تقاس بعدد صفحاتها، بل بسلامة منهجها وأمانة الباحث وموضوعيته وقدرته على عرض النتائج ومناقشتها.
ولا يتوقف هذا المشروع عند الكتب المنشورة؛ إذ يضم قائمة مؤلفاته كتاب "الجراحة العصبية بطريقة السؤال والجواب"، وهو قيد الإنجاز وشبه مكتمل، ويهدف إلى تعريف الأطباء غير المتخصصين بأمراض الدماغ والحبل الشوكي ووسائل تشخيصها وعلاجها. كما يعمل على كتاب "التمريض في الجراحة العصبية"، المعد لطلبة كليات التمريض بتكليف رسمي من وزارة الصحة العراقية، ويتناول الرعاية التمريضية لمرضى إصابات الرأس والعمود الفقري والأورام والصرع، فضلاً عن التحضير للعمليات والعناية بالمرضى بعدها والتأهيل.
ويعكس هذان العملان اهتماماً بتوسيع دائرة المعرفة من الجراح إلى الطبيب العام والممرض، انطلاقاً من أن الرعاية الناجحة للمريض مسؤولية فريق متكامل، وأن التخصص الدقيق لا ينبغي أن يتحول إلى عزلة بين المهن الطبية.
البحث العلمي ومكافحة السرطان… توثيق الجهد الجماعي
يمتد مشروع الأستاذ الخليلي إلى البحث العلمي والصحة العامة، حيث يبرز كتابه "السرطان في العراق: توثيق لجهود متواصلة"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 2021 عن مؤسسة الكتاب في بغداد، والثانية عام 2022 عن الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة في كربلاء، في 583 صفحة.
يوثق الكتاب جهود مكافحة السرطان في العراق حتى منتصف عام 2004، مستنداً إلى مشاركة المؤلف في جمعية مكافحة السرطان العراقية منذ عام 1970، وإلى عمله نائباً لرئيس مجلس السرطان بين عامي 1999 و2004. ويعرض جهود الرواد والمؤسسات التي أسهمت في تطوير التسجيل السرطاني والتدريب والعلاج الإشعاعي والفيزياء الطبية، فضلاً عن التعاون مع منظمة الصحة العالمية رغم الظروف الصعبة التي مر بها البلد.
وتتجاوز أهمية الكتاب حدود تسجيل الوقائع، ليؤكد أن مكافحة السرطان ليست مهمة اختصاص طبي منفرد، بل منظومة متكاملة تتداخل فيها الوقاية والكشف المبكر والتشخيص والعلاج والتأهيل والتدريب والبحث العلمي. كما يمثل محاولة لإنصاف الرواد والزملاء وحفظ الذاكرة المؤسسية لتجربة وطنية امتدت عقوداً.
وفي مجال الصحة العامة، ترجم الخليلي، بتكليف رسمي من منظمة الصحة العالمية عام 2005، دليل "التعامل مع جثث الموتى في حالة الكوارث"، الصادر بالتعاون مع منظمة الصحة للبلدان الأمريكية. ويعالج هذا العمل جوانب صحية وتنظيمية وإنسانية تتعلق بالتعامل مع ضحايا الكوارث، مؤكداً ضرورة احترام كرامة المتوفين، وتوثيق هوياتهم، وتجنب القرارات المتسرعة القائمة على الخوف والمعلومات غير الدقيقة. وهكذا تتسع النظرة الطبية لتشمل الإنسان في مختلف ظروفه، فلا تنتهي المسؤولية الإنسانية عند إنقاذ الأحياء، بل تمتد إلى احترام الموتى وصون حقوق أسرهم.
ويضم مشروعه البحثي أيضاً كتاب "حصاد البحث العلمي"، وهو مجموعة من البحوث والدراسات والمقالات والمحاضرات في الطب والعلوم ذات الصلة، مكتملة الإعداد وجاهزة للطبع في مجلد من 617 صفحة، بقسمين عربي وإنجليزي. وتتناول مواده موضوعات في الجراحة العصبية وأورام الجهاز العصبي المركزي والأكياس المائية وجراحة محجر العين والمعلوماتية الطبية والسرطان والصحة العامة، إلى جانب مقالات ومحاضرات في تاريخ الطب وقضايا الحياة والموت.
أما "الأرشيف البحثي"، وهو عمل من 576 صفحة أُعد في واشنطن عام 2022، فيجمع مشروعات وأفكاراً ومسودات بحثية لم تنشر، تعود إلى عقود سابقة، ولم تتح لها فرصة النشر لأسباب منها ظروف الحروب والحصار. ومن موضوعاته إصابات الرأس، وأمهات الدم الدماغية، والأكياس المائية، وجراحة الصرع، وإصابات الحروب، والليزر، والمضاعفات العصبية لبعض الأمراض، وغيرها.
إن الأحتفاظ بهذه المواد، بما فيها بعض الوثائق المكتوبة بخط اليد، يحمل دلالة تتجاوز الحنين إلى الماضي؛ فهو يذكر بأن تاريخ البحث العلمي لا يتكون من النتائج المنشورة وحدها، بل من الأسئلة والمحاولات والمشروعات التي تعثرت أيضاً، والتي قد تتحول أفكارها إلى نقطة انطلاق لأبحاث جديدة.
ويكتمل هذا الجانب من نشاطه بتجربته في رئاسة تحرير "مجلة توفيق للعلوم الطبية"، التي صدرت إلكترونياً بين عامي 2014 و2016، وأتاحت مساحة لنشر بحوث العلماء والأكاديميين العراقيين في مختلف فروع العلوم الطبية، بمشاركة هيئة تحرير ضمت أساتذة من العراق والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وقد جسدت المجلة إيمانه بأن الباحث العراقي يستحق منبراً يصل بإنتاجه إلى العالم، وأن التعاون العلمي بين الباحثين داخل العراق وخارجه يمثل رصيداً مهماً للعلم والوطن.
التاريخ والفكر والتراث… ما وراء غرفة العمليات
لعل الجانب الأكثر إثارة في مؤلفات الخليلي هو أنتقاله من الجراحة العصبية والبحث الطبي إلى التاريخ والفكر والتراث الشعبي. فهذا الانتقال لا يبدو خروجاً على اختصاصه، بقدر ما يعكس فضولاً معرفياً يرى أن الطب جزء من الثقافة الإنسانية، وأن فهم الإنسان لا يكتمل بفهم جسده وحده.
في دراسته "إصابة الإمام علي (عليه السلام) وأستشهاده: دراسة من منظور الجراحة العصبية والطب العدلي"، الصادرة عن العتبة الكاظمية المقدسة عام 2018، يحاول الخليلي قراءة الروايات التاريخية المتعلقة بالإصابة والوفاة في ضوء المعرفة التشريحية والسريرية. ويقارن بين الروايات المتاحة والأحتمالات الطبية، مع التمييز بين ما يمكن الأستناد إليه من أدلة وما يبقى في دائرة الترجيح.
وتبرز قيمة الدراسة في محاولة توظيف المعرفة الطبية لفهم واقعة تاريخية، مع احترام حدود الأدلة المتاحة وعدم تحويل الاحتمالات إلى حقائق قطعية. وهي بذلك تقدم نموذجاً للتفاعل بين العلوم الطبية والبحث التاريخي، حيث يمكن للمعرفة الحديثة أن تساعد في تحليل الروايات، من دون أن تلغي الحاجة إلى النقد التاريخي أو تتجاوز ما تسمح به الشواهد.
وفي مشروعه "ولادة الطب الحديث: تاريخ الطب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر"، الذي يتألف من جزأين، يتتبع الخليلي التحولات التي نقلت الطب من الخبرة والنظريات الموروثة إلى علم يعتمد على التشريح والقياس والتجربة والدليل. ويتناول العمل تطور علم الأنسجة والأمراض والتخدير والتعقيم والأشعة ونقل الدم واللقاحات والصحة العامة، إلى جانب نشأة الاختصاصات الطبية والجراحية وروادها. ولا ينظر المؤلف إلى تاريخ الطب بوصفه سلسلة من الأكتشافات المنفصلة، بل مساراً تراكمياً شاركت فيه حضارات متعددة، من حضارات وادي الرافدين ومصر واليونان إلى الحضارة العربية الإسلامية، وصولاً إلى العلوم الحديثة. ومن هنا تبرز أهمية التاريخ في فهم الحاضر، وإدراك أن المعرفة العلمية تتطور بأستمرار، وأن ما يبدو اليوم يقيناً قد يخضع غداً للمراجعة والتصحيح.
أما كتاب "نهاية الحياة: رؤية طبية وإنسانية"، المكتمل والجاهز للطبع في 370 صفحة، فيمثل امتداداً طبيعياً لخبرة جراح الأعصاب الذي واجه حالات تتشابك فيها الحدود بين الحياة والموت. ويتناول تطور مفهوم الموت، من توقف القلب والتنفس إلى مفهوم موت الدماغ، والفروق بينه وبين حالات عصبية أخرى، كما يناقش قرارات نهاية الحياة، والإنعاش، والرعاية التلطيفية، وزراعة الأعضاء، والموت الرحيم، وتجارب الاقتراب من الموت.
ويمتد الكتاب إلى أبعاد فلسفية ودينية وأدبية وتاريخية، ويطرح قضايا معاصرة مثل الحياة الرقمية بعد الوفاة ومحاكاة المتوفين بأستخدام الذكاء الاصطناعي. وهو بذلك يتجاوز السؤال الطبي عن توقف الوظائف الحيوية إلى سؤال إنساني أوسع عن معنى الحياة والموت، وحدود التقنية، ومسؤولية الطبيب الأخلاقية.
وفي مجال التراث، يقدم الخليلي كتابه "التراث الشعبي العراقي في مدينة الكوفة خلال القرن العشرين"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 2023 عن مؤسسة الموسم في هولندا، في 469 صفحة، فيما يجري إعداد طبعة ثانية منقحة. ويستعيد الكتاب مشاهد الحياة اليومية في الكوفة خلال أواخر الأربعينيات والخمسينيات، متناولاً البيوت والسراديب ووسائل التبريد والتدفئة والإضاءة والنقل، والحرف الشعبية، ومناسبات رمضان ومحرم والأعياد والأعراس، وألعاب الأطفال وأهازيجهم والأطعمة الشعبية والعلاج التقليدي وشخصيات المدينة. وتكمن أهمية هذا العمل في توثيق تفاصيل قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تشكل جزءاً أساسياً من تاريخ المجتمع وهويته. فالتاريخ ليس تاريخ الحكام والحروب وحدهم، بل تاريخ الناس العاديين أيضاً: كيف عاشوا وعملوا وتعلموا واحتفلوا، وكيف واجهوا ظروف الحياة اليومية. ومن هنا يصبح حفظ التراث الشعبي عملاً معرفياً يضيء جوانب من الماضي ويتيح للأجيال الجديدة فهم التحولات التي شهدها المجتمع العراقي.
مبادرات تتجاوز حدود الاختصاص
إلى جانب الكتب المذكورة، يكشف كتاب "مبادرات ومساع في رحلتي في الطب والحياة"، الصادر عن دار الحكمة في لندن عام 2026 في 575 صفحة، عن جانب آخر من شخصية الخليلي، يتمثل في اهتمامه بالتطوير المؤسسي والإصلاح العلمي وخدمة المجتمع. يجمع الكتاب مبادرات ومقترحات تقدم بها المؤلف على مدى عقود، في مجالات منها التعليم المستمر، وتعريب العلوم، وتوجيه البحوث نحو حاجات المجتمع، والطب عن بُعد، وإنشاء وحدات ومراكز بحثية وطبية متخصصة، فضلاً عن مبادرات ثقافية وإنسانية. ولا يكتفي الكتاب بعرض الأفكار، بل يميز بين ما نُفذ منها وما بقي مقترحاً، في محاولة لتوثيق مسار المبادرات بما لها وما عليها.
وتتضح هنا فكرة جوهرية في مشروع الخليلي: أن قيمة الفكرة لا تكمن في نسبتها إلى صاحبها، بل في قدرتها على التحول إلى عمل نافع. فالمبادرة العلمية تحتاج إلى تخطيط ومتابعة وعمل جماعي وبيئة مؤسسية تتقبل التجديد، حتى تتجاوز حدود المقترح وتصبح جزءاً من واقع التعليم أو البحث أو الرعاية الصحية.
وتستكمل هذه الصورة دراسة "من وطن القباب الزرق: الحكيم عبد الهادي… مسيرة حياة"، التي كتبها مؤيد عبد القادر وقدم لها العلامة الدكتور حسين علي محفوظ. فالكتاب، في 223 صفحة، يقدم سيرة الخليلي من خلال قلم مؤلف آخر وشهادات أساتذة وزملاء، ويتناول نشأته العلمية وعمله الأكاديمي وتطوير جراحة محجر العين ونشاطه الثقافي. وتمنح هذه الشهادة الخارجية السيرة بُعداً مختلفاً، لأنها تتيح النظر إلى التجربة من زاوية تتجاوز رواية صاحبها عن نفسه.
مؤلفات تكشف عن رسالة علمية وإنسانية
إن قراءة مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي تكشف عن مشروع تتعدد فيه الموضوعات، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: جعل المعرفة وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع. ففي الجراحة العصبية، نجد الطبيب الذي يسعى إلى تطوير الأختصاص ونقل الخبرة؛ وفي التعليم الطبي، نجد الأستاذ الذي ييسر المعرفة للطلبة والأطباء؛ وفي البحث العلمي، نجد الباحث الذي يوثق النتائج ويحفظ حتى المشروعات التي لم تر النور؛ وفي التاريخ والتراث، نجد المثقف الذي يدرك أن العلم لا ينفصل عن ذاكرة المجتمع وأسئلته الإنسانية.
ولا تقل أهمية هذا التنوع عن أهمية الإنجاز الطبي نفسه. فجراح الدماغ الذي يقضي سنوات طويلة في التعامل مع أدق أعضاء الجسم وأكثرها تعقيداً، يستطيع من خلال التأليف أن ينقل تجربته إلى أجيال لم تعمل معه، وأن يترك وثائق تساعد الباحثين على فهم تاريخ مؤسساتهم العلمية. كما يستطيع أن يفتح باب الحوار بين الطب والفلسفة والتاريخ والأخلاق، وهي مجالات تتقاطع جميعاً عندما يتعلق الأمر بالإنسان وحياته وكرامته. ومع ذلك، فإن قيمة هذه الأعمال لا ينبغي أن تُقاس بعدد صفحاتها أو عناوينها وحدها، بل بما تتيحه من معرفة موثقة، وما تفتحه من أسئلة، وما تقدمه من مادة للباحثين والطلبة والأطباء والمؤرخين . كما أن التمييز بين الكتب المنشورة والأعمال الجاهزة للطبع وتلك التي لا تزال قيد الإنجاز ضروري عند التعريف بهذا المشروع، حتى تبقى صورته دقيقة وواضحة.
في المحصلة، تمثل مؤلفات الدكتور عبد الهادي الخليلي سجلاً لتجربة طبيب عراقي اتسعت اهتماماته من تلافيف الدماغ إلى تلافيف التاريخ والثقافة، ومن مهارة الجراح إلى مسؤولية المعلم والباحث والموثق. وهي تذكرنا بأن الإرث العلمي الحقيقي لا يتمثل في الإنجازات المهنية وحدها، بل في المعرفة التي يتركها الإنسان وراءه، وفي قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى ذاكرة عامة، والخبرة المتخصصة إلى منفعة للأجيال القادمة.
ذلك هو المعنى الأعمق لمشروعه التأليفي: أن الطب مهنة لإنقاذ الحياة، لكن الكتابة والتوثيق والتعليم وسائل لحفظ المعرفة، وأن كليهما يكتسب قيمته الحقيقية حين يظل الإنسان، في صحته وذاكرته وكرامته وتاريخه، محور الاهتمام وغاية العمل.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فحص في يوم واحد يكشف العدوى الخفية ويمنح الأطفال فرصة جديدة ...
- حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة ...
- قراءة أفكار الإنسان: حين تصبح العقول مكشوفة أمام التكنولوجيا
- نوبل الاقتصاد 2026: روبرت هول ومايكل وودفورد يعيدان بناء سيا ...
- سجل عبد الولي.. من طفلة لاجئة صومالية إلى نائبة في البرلمان ...
- الحائزة على جائزة نوبل في الأدب 2026 الشاعرة الكندية آن كارس ...
- بيانو يعيد اختراع نفسه: حين تلتقي الموسيقى بالهندسة الحديثة
- نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين تر ...
- نوبل الطب 2026.. الضوء يكشف أسرار الدماغ
- مئوية الروّاد… بغداد تحتفي بالشعراء السيّاب والبيّاتي وبلند ...
- -الجراحة شعراً-… حين تتحول خبرة الجرّاح إلى قصيدة
- الرواية التاريخية في بريطانيا.. حين يستعيد الأدب أسرار الماض ...
- ست روايات تتنافس على جائزة البوكر 2026 لأفضل رواية مكتوبة با ...
- التعاون بين المنصات الثقافية العربية في المهجر
- الذكاء الاصطناعي بين وعود المستقبل ومخاوف الخروج عن السيطرة
- فيلم -سحر الحياة- وصناعة الحنين Practical Magic 2
- حين تتكلم الأشياء: قراءة سيميائية في قصة -مسز كولن- للكاتبة ...
- فرانسيس فوكوياما.. من -نهاية التاريخ- إلى -عالم الإنسان الأخ ...
- حول المؤتمر العلمي الأول للجمعية العلمية العراقية لأمراض الأ ...
- مهرجان البندقية السينمائي في دورته ال83… حين تلتقي السينما ب ...


المزيد.....




- نقيب العلوم الصحية: تصريحات الرئيس السيسي ترسخ لبناء جيل جدي ...
- آبل تكشف عن HomeView وApple TV 4K وسط نفاد سريع لهاتف iPhone ...
- أجهزة رخيصة وعمرها قصير.. كيف تحولت التكنولوجيا سريعة الاسته ...
- دراسة: واحد من كل 6 مراهقين يعاني من القلق بدرجة متوسطة إلى ...
- هل ينتهي اسمرار الموز؟ تعديل جيني يطيل مظهره الطازج
- اكتشاف أول نجم أخضر في الكون
- ما مستقبل بابوية لاون الرابع عشر بعد تشخيصه بالسرطان؟
- مدرسة البسمة تحيي أكتوبر الوردي بفعالية صحية لتعزيز الوعي بس ...
- جامعة القدس تؤسس كلية حماد الحرازين للتكنولوجيا والذكاء الاص ...
- للمرة الأولى.. خريطة تكشف أفضل تربة على المريخ لزراعة الغذاء ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي… رحلة بين جراحة الدماغ وتاريخ الطب وذاكرة العراق