أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - الدكتور سداد جواد التميمي في ذمة الخلود.. أستشاري الطب النفسي صاحب الأفق الثقافي الرحب















المزيد.....

الدكتور سداد جواد التميمي في ذمة الخلود.. أستشاري الطب النفسي صاحب الأفق الثقافي الرحب


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 04:50
المحور: الادب والفن
    


ببالغ الحزن والأسى، تلقينا نبأ وفاة الزميل الطبيب والباحث والمثقف الدكتور سداد جواد التميمي، الذي وافاه الأجل يوم السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد معاناة من مرض عضال لم يمهله طويلاً، تاركاً وراءه سيرة علمية ومهنية وثقافية حافلة بالعطاء، وذكريات طيبة في نفوس زملائه وأصدقائه وكل من عرفه أو تابع إسهاماته.
عرفتُ الفقيد منذ سنوات السبعينات، عندما كان طالباً في كلية الطب بجامعة بغداد، حيث تخرج فيها متفوقاً عام 1978. ومنذ تلك السنوات المبكرة، كان واضحاً أن سداداً لا ينظر إلى الطب بأعتباره اختصاصاً علمياً ومهنة فحسب، بل كان يتعامل معه بوصفه معرفة إنسانية واسعة تتطلب الأطلاع المستمر والبحث والتأمل. وعلى الرغم من حرصه الشديد على متابعة كل جديد في مجالات الطب وفروعه المختلفة، فإنه كان حريصاً بالقدر نفسه على القراءة في كتب الثقافة العامة والأدب واللغة العربية.
ولعل من أبرز ما ميّز شخصيته العلمية أهتمامه باللغة العربية وحرصه على سلامتها ودقتها، ولا سيما في ترجمة المصطلحات الطبية وتعريبها. فقد كان يرى أن المصطلح الطبي العربي ينبغي أن يكون أميناً للمعنى العلمي الأصلي، واضحاً في دلالته، وميسّراً للقارئ، بعيداً عن التعقيد والغموض. وكان ذلك انعكاساً لثقافة لغوية ومعرفية جعلت منه طبيباً لا يكتفي بأمتلاك المعلومة، بل يسعى إلى إيصالها بلغة سليمة ومفهومة.
وجمعني به لقاء آخر في جامعة ويلز البريطانية، حيث كان يواصل دراساته العليا، وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الطب عام 1988، ليكون أول خريج من جامعة أجنبية يمنح هذا الشرف، وذلك عن أطروحته المعنونة ب«طرق تقييم العقاقير المضادة للصرع في المرضى». وعُيّن محاضراً في الجامعة خلال فترة التسعينات، في خطوة عكست تقديراً مبكراً لقدراته العلمية والبحثية.
وفي عام 1988 نفسه، حصل الدكتور سداد على عضوية الكلية الملكية للأطباء في لندن، ثم أكمل تدريبه في الطب النفسي، ليحصل على عضوية الكلية الملكية للأطباء النفسانيين عام 1990، قبل أن يُمنح زمالة الكلية نفسها عام 2006. ومضى في مسيرته المهنية استشارياً في الطب النفسي لدى المجلس الصحي الجامعي في ويلز، حتى أصبح من أصحاب الخبرة المتخصصة في الطب النفسي العام والطب النفسي العصبي وأمراض الصرع. كما أسهم في تأسيس معهد جروح الدماغ التعليمي في مدينة كارديف، عاصمة ويلز، وهو ما أضاف إلى رصيده المهني إسهاماً مهماً في مجال رعاية المصابين بإصابات الدماغ وتأهيلهم.
لكن سداد التميمي لم يكن طبيباً غارقاً في اختصاصه، أو باحثاً حبيس المختبرات والمراجع العلمية؛ فقد كان صاحب أفق ثقافي رحب، وأهتمام واضح بالأدب العربي والفكر الإنساني، وهو ما دفعه إلى توظيف معرفته الطبية والنفسية في الكتابة والتثقيف العام. فقد أثرى المكتبة الإلكترونية والعربية بما يزيد على ألف مقالة وأستشارة في الطب النفسي، تناول فيها موضوعات متنوعة تمس حياة الإنسان النفسية والأجتماعية، وتساعد القارئ على فهم كثير من الأضطرابات والسلوكيات والمشكلات التي يواجهها في حياته اليومية. وكان يؤمن بأن الثقافة الصحية ليست ترفاً معرفياً، بل ضرورة إنسانية، وأن المعلومة الصحيحة المستندة إلى مصادر علمية موثوقة قادرة على إحداث تغيير إيجابي في حياة المريض وأسرته ومجتمعه. لذلك حرص على أن تكون كتاباته قريبة من الناس، واضحة في مضمونها، بعيدة عن لغة الاختصاص المغلقة، واضعاً نصب عينيه هدف التوعية ومساعدة المرضى والباحثين عن المشورة. ومن المحطات التي أستذكرها باعتزاز مساهماته المتميزة في فعاليات المنتدى الثقافي العربي في المملكة المتحدة. فقد كان حريصاً على البقاء قريباً من أبناء وطنه في مغتربهم، مشاركاً في نشاطاتهم الثقافية ومناسباتهم الاجتماعية، ومؤمناً بأهمية التواصل مع المجتمع العراقي والعربي في بلاد الاغتراب. ففي عام 2021، شاركني أمسية ثقافية بمحاضرة حملت عنوان «لمحات نفسية في الأدب العربي»، وهي محاضرة كشفت عن جانب مهم من شخصيته، حيث ألتقى فيها الطبيب النفسي بالقارئ المتعمق في الأدب والشعر. وأتخذ من شعر أبي نواس والمتنبي وأبي العلاء المعري نماذج تطبيقية لقراءة بعض الظواهر النفسية في التجربة الشعرية العربية. وتوقف د سداد عند مفهوم الدفاعات النفسية الناضجة وغير الناضجة، متناولاً الإيثار والأستباق والزهد والطرافة والإزاحة والتثبيط والعقلنة والإسقاط، موضحاً كيف يمكن لهذه المفاهيم، المعروفة في علم النفس، أن تجد صداها في التجربة الإبداعية وفي التعبير الشعري. كما أفاض في الحديث عن عدم التلذذ والأكتئاب عند المتنبي، مستشهداً بأبيات من شعره في الحداد والفراق، وما تنطوي عليه من مشاعر إنسانية عميقة. وتناول كذلك الغرائز والعقل في شعر أبي العلاء المعري، قبل أن يتطرق إلى مفهوم اليقظة الواعية، أي انتباه الإنسان إلى ذاته وبيئته ومراقبته لأفكاره ومشاعره دون أحكام مسبقة على نفسه أو الآخرين. كانت أمسية ثرية، جمعت بين الأدب وعلم النفس، وأظهرت كيف يمكن للمعرفة الطبية أن تضيء جوانب من الإبداع الإنساني، وكيف يمكن للأدب، في المقابل، أن يقدم مادة غنية لفهم النفس البشرية.
ثم شاركني عام 2022 بمحاضرة أخرى لا تقل أهمية وتشويقاً، حملت عنوان «الحب تحت المجهر»، تناول فيها مفهوم الحب من زوايا نفسية وفلسفية وأجتماعية. وناقش تعدد دلالاته، فقد يكون نقيضاً للكراهية، وقد يتجلى في المودة والرعاية والأرتباط العاطفي والأنجذاب نحو إنسان آخر. وأستحضر في محاضرته مقولة الفيلسوف الإسباني الليبرالي خوسيه أورتيجا إي غاسيت (1883-1955)، التي تفيد بأن أختيار الإنسان لمن يحب يكشف عن طبيعته الأساسية، وأن الشخص الذي نفضله في الحب يعكس شيئاً من ملامح قلوبنا. كما أستذكر مقولة سيغموند فرويد عن الوقوع في الحب، ومغزاها أن الحب ليس مجرد العثور على كائن آخر، بل هو في جانب منه إعادة اكتشاف لذلك الكائن.
وكان للدكتور سداد أيضاً إسهام فكري مهم في تناول قضايا المرأة، تجسد في كتابه الصادر في عمّان عام 2016 بعنوان «المرأة... أبعاد اجتماعية ونفسية وجنسية»، الذي أهداه إلى «نهلة... رفيقتي وشريكتي في الحياة»، في إهداء يحمل دلالة إنسانية خاصة. وقد أوضح في مقدمة الكتاب أن غايته تتمثل في إلقاء الضوء على المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالمرأة من الزوايا الاجتماعية والنفسية والجنسية، وتقديم قراءة علمية تساعد على تصحيح كثير من التصورات السائدة. وتناول في فصله الأول موقع المرأة في المجتمع، والتفاوت الملحوظ بين الدور الذي تؤديه في الحضارة الغربية وما يحيط به من تصورات في الثقافة الشرقية المعاصرة. ثم انتقل إلى موضوع زينة المرأة، ومشكلات التحرش والاعتداء الجنسي عليها، واضطرابات الأكل، ومنها القهم العصبي، والأبعاد النفسية لأورام الثدي.
وفي فصوله الأخرى، بحث الحياة الجنسية للمرأة، محاولاً توضيح المفاهيم الخاطئة المحيطة بها، كما تناول أضطراب الشخصية الحدية، الذي أشار إلى شيوع ملاحظته بين النساء، وقدم شرحاً لأضطرابات الشخصية وطرائق علاجها وصلتها ببقية الأضطرابات النفسية. ولم يغفل الكتاب موضوع عصاب المرأة، والاضطرابات النفسية التي قد تمر بها خلال فترتي الحمل والرضاعة. وقد جاء الكتاب في نحو 190 صفحة من الحجم المتوسط، لكنه كان أوسع من حجمه المادي في موضوعاته وأهدافه؛ إذ عكس رغبة مؤلفه في الأقتراب من قضايا المرأة بموضوعية علمية، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتصورات المغلوطة، واضعاً المعرفة الطبية والنفسية في خدمة الوعي الأجتماعي.
إن استذكار الزميل الدكتور سداد جواد التميمي اليوم لا يعني أستعراض سيرة طبيب ناجح فحسب، بل استحضار نموذج للمثقف الذي لم تحل متطلبات المهنة عن التزود من منابع الثقافة الثرة، ولم تحل إقامته الطويلة في بريطانيا دون أرتباطه بوطنه وأبناء جلدته. فقد ظل عراقياً في انتمائه ووجدانه، حريصاً على التواصل مع محيطه الثقافي والأجتماعي، ومؤمناً بأن الطبيب الحقيقي لا يعالج الجسد وحده، بل ينبغي أن يفهم الإنسان في أبعاده النفسية والاجتماعية والثقافية.
لقد جمع الراحل بين دقة الطبيب، وفضول الباحث، وحساسية الأديب، وحرص المثقف على أن تكون المعرفة متاحة للناس وذات أثر في حياتهم. وكان في كتاباته ومحاضراته مثالاً على التلاقي الخلاق بين العلم والأدب، وبين الأختصاص الطبي والثقافة الإنسانية.
وأقول أن سدادا سيبقى حاضراً في ذاكرتنا بما تركه من علم ومعرفة، وبما أتسم به من تواضع وحرص على التواصل والعطاء، وبما قدمه من صورة مشرقة للطبيب العراقي المثقف الذي حمل علمه وخبرته إلى العالم، وظل وفياً لجذوره وأبناء وطنه.
رحم الله زميلنا وصديقنا الدكتور سداد جواد التميمي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم زوجته وأسرته ومحبيه وزملاءه جميل الصبر والسلوان.

https://youtu.be/oyA2FgqBvfI

https://youtu.be/v6rjw-3kcko



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التخصص الدقيق في الطب: ضرورة علمية للأرتقاء بالرعاية الصحية
- رحيل الفنان باتريك ستيوارت… من طفولة الفقر والعنف إلى مجد شك ...
- رسالة للسيد رئيس وزراء العراق..مقترحات لإصلاح الواقع الصحي و ...
- لقاحات ناجحة ضد السرطان…
- مرضى الكلى والسرطان بين أنياب السوق السوداء حين يتحول الدواء ...
- مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي… رحلة بين جراحة ال ...
- فحص في يوم واحد يكشف العدوى الخفية ويمنح الأطفال فرصة جديدة ...
- حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة ...
- قراءة أفكار الإنسان: حين تصبح العقول مكشوفة أمام التكنولوجيا
- نوبل الاقتصاد 2026: روبرت هول ومايكل وودفورد يعيدان بناء سيا ...
- سجل عبد الولي.. من طفلة لاجئة صومالية إلى نائبة في البرلمان ...
- الحائزة على جائزة نوبل في الأدب 2026 الشاعرة الكندية آن كارس ...
- بيانو يعيد اختراع نفسه: حين تلتقي الموسيقى بالهندسة الحديثة
- نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين تر ...
- نوبل الطب 2026.. الضوء يكشف أسرار الدماغ
- مئوية الروّاد… بغداد تحتفي بالشعراء السيّاب والبيّاتي وبلند ...
- -الجراحة شعراً-… حين تتحول خبرة الجرّاح إلى قصيدة
- الرواية التاريخية في بريطانيا.. حين يستعيد الأدب أسرار الماض ...
- ست روايات تتنافس على جائزة البوكر 2026 لأفضل رواية مكتوبة با ...
- التعاون بين المنصات الثقافية العربية في المهجر


المزيد.....




- -حلم جديد-.. فضل شاكر يعلن موعد إصدار ألبومه الجديد
- قصر الثقافة والفنون الواسطي يشهد توقيع كتاب يحكي عن تاريخ وح ...
- تونس.. مساكن من العهد الأغلبي والفاطمي تظهر داخل مسرح روماني ...
- -عيون غزة- .. حين تتحول يوميات الحرب إلى ذاكرة مكتوبة
- نهج الدباغين في تونس.. حين يبدل الشارع جلده وتتراجع ذاكرة ال ...
- عرض فيلم -أضعف خلقه- من بطولة أحمد حلمي وهند صبري بمهرجان مر ...
- توقعوا موتها ونصحوها بالعمل في مخبز بدلا من التمثيل.. كيف أص ...
- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - الدكتور سداد جواد التميمي في ذمة الخلود.. أستشاري الطب النفسي صاحب الأفق الثقافي الرحب