أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - مرضى الكلى والسرطان بين أنياب السوق السوداء حين يتحول الدواء من حق إنساني إلى سلعة للمساومة على الحياة















المزيد.....

مرضى الكلى والسرطان بين أنياب السوق السوداء حين يتحول الدواء من حق إنساني إلى سلعة للمساومة على الحياة


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 16:16
المحور: الطب , والعلوم
    


ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يجد نفسه في مواجهة مرض خطير يهدد حياته، إلا أن يكتشف أن الدواء الذي يمكن أن ينقذه أو يخفف آلامه أصبح بعيد المنال، وأن عليه أن يخوض معركة أخرى لا تقل صعوبة عن معركته مع المرض، بحثاً عن العلاج في سوق تتحكم فيها الأسعار والمصالح التجارية وشبكات الاستغلال.
هذه الصورة المؤلمة يعكسها التحقيق الصحفي الذي نشرته جريدة "الصباح" العراقية الصادرة اليوم الأحد 18 أكتوبر/ تشرين أول الحالي تحت عنوان "مرضى الكلى والسرطان بين أنياب السوق السوداء"، مسلطاً الضوء على معاناة المرضى العراقيين الذين يواجهون نقصاً في الأدوية الأساسية وأرتفاعاً في أسعارها، وأضطراراً إلى البحث عنها خارج المؤسسات الصحية الرسمية. ولعل العبارة التي تصدرت التحقيق، "مرض لا ينتظر.. وعلاج لا يحتمل التأجيل"، تختصر مأساة إنسانية تتجاوز حدود المريض وعائلته، لتطرح أسئلة جوهرية عن واقع النظام الصحي العراقي ومسؤولية الدولة في ضمان الأمن الدوائي وحماية حياة المواطنين.
المرضى بين ألم المرض وقلق العلاج
يحتاج مرضى السرطان إلى بروتوكولات علاجية دقيقة، تشمل العلاج الكيميائي والمناعي والعلاجات الموجهة، بحسب طبيعة المرض ومرحلته. كما يعتمد مرضى الفشل الكلوي المتقدم على جلسات غسيل الكلى المنتظمة، إلى جانب الأدوية الضرورية لمعالجة مضاعفات المرض المزمن. وفي الحالتين، فإن تأخر العلاج أو أنقطاعه قد يؤدي إلى عواقب صحية خطيرة. لكن المعاناة لا تقتصر على الجانب الطبي، بل تمتد إلى أعباء مالية ونفسية وأجتماعية مرهقة. فالعائلة التي يفترض أن تكرس جهودها لرعاية مريضها تجد نفسها منشغلة بالبحث عن الأدوية، والتنقل بين المستشفيات والصيدليات، وربما الأقتراض أو بيع ممتلكاتها لتأمين العلاج. وهكذا يتحول المرض من أزمة صحية فردية إلى مأساة أجتماعية واقتصادية.
السوق السوداء.. تجارة في معاناة الإنسان
إن وجود سوق سوداء للأدوية ليس مجرد ظاهرة تجارية غير مشروعة، بل يمثل خطراً مباشراً على الصحة العامة. فعندما تختفي الأدوية من المؤسسات الصحية أو تتعثر سلاسل تجهيزها، تظهر قنوات غير رسمية لبيعها بأسعار مرتفعة تفوق قدرة كثير من المرضى على الدفع. ولا تتعلق المشكلة بالأسعار وحدها، بل تمتد إلى سلامة المستحضرات الدوائية نفسها، ومصادرها، وظروف تخزينها ونقلها. فبعض علاجات السرطان والأدوية البيولوجية تحتاج إلى درجات حرارة محددة وسلسلة تبريد دقيقة، وأي خلل فيها قد يؤثر في جودة الدواء وفعاليته. كما أن تداول الأدوية خارج القنوات المرخصة يزيد احتمالات انتشار المستحضرات المغشوشة أو مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية. ومن هنا فإن مكافحة السوق السوداء ليست مسؤولية أمنية فحسب، بل هي جزء أساسي من حماية المريض وضمان سلامة العلاج.



لماذا تحدث أزمات نقص الأدوية؟
ومما لا شك فيه فمن غير الممكن تفسير نقص الأدوية بسبب واحد، بل تتداخل عوامل عديدة، منها ضعف التخطيط للأحتياجات الدوائية، وتأخر إجراءات الشراء والتعاقد، ومشكلات التمويل، وأضطراب سلاسل الإمداد، والقصور في إدارة المخزون والتوزيع.
وفي العراق، تكتسب هذه المشكلات أهمية خاصة بسبب الأعتماد الكبير على استيراد الأدوية والحاجة إلى تنسيق فعال بين المؤسسات الصحية والجهات الرقابية والقطاع الخاص. ومن الضروري التمييز بين النقص الحقيقي في كميات الدواء وسوء توزيعه؛ فقد يتوافر مستحضر في مؤسسة صحية، بينما يعجز مريض في محافظة أخرى عن الحصول عليه. ولذلك تبرز الحاجة إلى نظام وطني إلكتروني موحد لمراقبة المخزون الدوائي، ومعرفة الكميات المتوافرة ومعدلات استهلاكها، والتنبؤ بحالات النقص قبل تحولها إلى أزمات.
العدالة الصحية وحق المريض في العلاج
من أخطر نتائج أزمات الدواء أنها تعمق الفوارق الأجتماعية. فالمريض المقتدر مالياً قد يستطيع شراء العلاج من القطاع الخاص أو الحصول عليه من الخارج، بينما يجد المريض محدود الدخل نفسه أمام خيارات قاسية. وهكذا تصبح القدرة المالية عاملاً حاسماً في الحصول على العلاج، بدلاً من الحاجة الطبية. إن العدالة الصحية تقتضي ضمان حصول المواطنين على الأدوية الأساسية والعلاجات الضرورية دون أن يؤدي المرض إلى أنهيار أوضاعهم المالية. وفي الأمراض الخطيرة، كالسرطان والفشل الكلوي، ينبغي أن تكون الحاجة السريرية ودرجة الاستعجال هما الأساس في توزيع الموارد الصحية.
الصناعة الدوائية والتحول الرقمي
يمتلك العراق تاريخاً معروفاً في الصناعة الدوائية، ويمكن لتطوير هذه الصناعة أن يسهم في تقليل الأعتماد على الأستيراد، ولا سيما في المستحضرات الأساسية. غير أن توطين الصناعة يحتاج إلى استثمارات حقيقية في البحث والتطوير، وتدريب الكوادر، والألتزام بمعايير التصنيع الدوائي الجيد، مع إدراك أن بعض العلاجات الحديثة تتطلب تقنيات وأستثمارات كبيرة. ولذلك فإن الحل الواقعي يقوم على الجمع بين دعم الإنتاج الوطني وتنويع مصادر الأستيراد الموثوقة وبناء أحتياطي أستراتيجي من الأدوية الحيوية. كما أن التحول الرقمي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في إدارة الدواء، من خلال ربط المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى والمخازن المركزية والصيدليات المرخصة بمنظومة معلومات وطنية. ويمكن الاستفادة من التقنيات الحديثة في التنبؤ بالأحتياجات، ورصد النقص، وتقليل الهدر، وتتبع حركة المستحضرات الدوائية للحد من التزوير والتسرب إلى الأسواق غير المشروعة.
مسؤولية الدولة والمؤسسات المهنية
إن معالجة الأزمة تتطلب تعاوناً جاداً بين وزارة الصحة والجهات الرقابية ونقابات الأطباء والصيادلة والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني. وينبغي تعزيز الرقابة على أستيراد الأدوية وتوزيعها، والتحقيق في أي تسرب غير مشروع للمستحضرات المخصصة للمؤسسات الحكومية، مع توفير قنوات واضحة للمرضى للإبلاغ عن نقص العلاج أو الممارسات غير القانونية. كما يجب دعم دور الصيدلي بوصفه أحد خطوط الدفاع الأساسية عن سلامة المريض، وشريكاً مهنياً في مكافحة الغش الدوائي وضمان الأستخدام الآمن للأدوية.
والأهم هو الأنتقال من معالجة الأزمات الطارئة إلى وضع سياسة وطنية طويلة الأمد للأمن الدوائي، تقوم على التخطيط والشفافية والمساءلة وكفاءة الإنفاق الصحي.
أخيراً.. الدواء معيار لكرامة الإنسان
إن ما كشف عنه تحقيق جريدة "الصباح" لا يمثل مجرد حكاية عن نقص الأدوية أو ارتفاع أسعارها، بل يعكس قضية أعمق تتعلق بعلاقة المواطن بمؤسسات الدولة ومدى قدرة النظام الصحي على حماية الإنسان في أكثر لحظات حياته ضعفاً. فالسرطان لا ينتظر انتهاء الإجراءات الإدارية، والفشل الكلوي لا يعترف بتأخر العقود والمناقصات، والمريض الذي يحتاج إلى العلاج لا يستطيع تأجيل مرضه حتى تستقر الأسواق أو تصل الشحنات. إن المقياس الحقيقي لنجاح النظام الصحي ليس عدد المستشفيات التي يشيدها، ولا حجم الأموال التي ينفقها فحسب، بل قدرته على إيصال العلاج المناسب إلى المريض في الوقت المناسب، وبأعلى معايير السلامة والجودة. فالدواء ليس سلعة عادية، والمريض ليس زبوناً في سوق للمساومة، والحق في العلاج جزء أصيل من الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.
ولذلك فإن حماية مرضى السرطان والكلى من الأستغلال وضمان أستمرارية علاجهم يجب أن تكونا في مقدمة أولويات السياسة الصحية العراقية، ليس بأعتبارهما عملاً خيرياً أو منّة تقدمها المؤسسات، وإنما التزاماً أخلاقياً ومهنياً ومسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي… رحلة بين جراحة ال ...
- فحص في يوم واحد يكشف العدوى الخفية ويمنح الأطفال فرصة جديدة ...
- حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة ...
- قراءة أفكار الإنسان: حين تصبح العقول مكشوفة أمام التكنولوجيا
- نوبل الاقتصاد 2026: روبرت هول ومايكل وودفورد يعيدان بناء سيا ...
- سجل عبد الولي.. من طفلة لاجئة صومالية إلى نائبة في البرلمان ...
- الحائزة على جائزة نوبل في الأدب 2026 الشاعرة الكندية آن كارس ...
- بيانو يعيد اختراع نفسه: حين تلتقي الموسيقى بالهندسة الحديثة
- نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين تر ...
- نوبل الطب 2026.. الضوء يكشف أسرار الدماغ
- مئوية الروّاد… بغداد تحتفي بالشعراء السيّاب والبيّاتي وبلند ...
- -الجراحة شعراً-… حين تتحول خبرة الجرّاح إلى قصيدة
- الرواية التاريخية في بريطانيا.. حين يستعيد الأدب أسرار الماض ...
- ست روايات تتنافس على جائزة البوكر 2026 لأفضل رواية مكتوبة با ...
- التعاون بين المنصات الثقافية العربية في المهجر
- الذكاء الاصطناعي بين وعود المستقبل ومخاوف الخروج عن السيطرة
- فيلم -سحر الحياة- وصناعة الحنين Practical Magic 2
- حين تتكلم الأشياء: قراءة سيميائية في قصة -مسز كولن- للكاتبة ...
- فرانسيس فوكوياما.. من -نهاية التاريخ- إلى -عالم الإنسان الأخ ...
- حول المؤتمر العلمي الأول للجمعية العلمية العراقية لأمراض الأ ...


المزيد.....




- مرشحة السعودية لقيادة -الصحة العالمية- لـ RT: لا يجوز أن تكو ...
- بسبب مخاوف من التلوث.. أميركا تسحب حقنا لإنقاص الوزن
- ماسك يبحث دمج تسلا وسبيس إكس مع قفزة أرباح شركة الفضاء
- دراسة طبية تكشف تباين تأثير القنب على التخدير وفقاً لطريقة ا ...
- العراق يصفر الرسوم الكمركية على منظومات الطاقة الشمسية المست ...
- بعد إقالة مديحة الخيير.. هل تتحول منصات التواصل الاجتماعي إل ...
- مايكروسوفت تُعدّ جهاز «إكس بوكس» يدويًّا باسم «مشروع هليكس» ...
- من ألمانيا إلى المغرب في 122 يوما.. خاتم يكشف رحلة طائر -الس ...
- -بمناسبة شهر التوعية-.. هبة مجدي تشكر الطاقم الطبي الذي أشرف ...
- كيف تفاعل رواد منصات التواصل الاجتماعي مع التهديد الإيراني ب ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - مرضى الكلى والسرطان بين أنياب السوق السوداء حين يتحول الدواء من حق إنساني إلى سلعة للمساومة على الحياة