أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد بسام العمري - في معرض سيلا…















المزيد.....

في معرض سيلا…


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:27
المحور: كتابات ساخرة
    


في «سيلا»
تُفتحُ الأبوابُ… لا لتُفتحَ العقولْ،
وتُصفُّ آلافُ الكتبِ
كأنّها أسئلةٌ تنتظرُ مَن يقرأ،
لكنّ أكثرَ العابرين
يبحثون عن وجوههم
على أغلفةِ المستحيلْ.
هنا كتابٌ يُباعُ لصاحبه،
وآخرُ يُهدى إلى صديقٍ
كي يردَّ الهديةَ بمثلها،
وثالثٌ يشتريه الشاعرُ من شاعرٍ،
ثم يكتبُ على صفحته الأولى:
«إلى المبدع الكبير…
مع خالص الحب والتقدير»،
فيوقّعُ الآخرُ كتابَه بالمثل،
ويعودُ كلاهما إلى البيت
وقد اقتسمَا المجدَ بالتساوي،
وتركَا الأدبَ وحيداً
في زاويةِ الرفِّ الأخيرْ.
يا لها من سوقٍ عجيبة!
كلٌّ يشتري كتابَ الآخر
كي لا يُقالَ إنّه لم يشترِ،
وكلٌّ يهدي الآخرَ كتابَه
كي لا يُقالَ إنّه لم يُهدِ،
وكلٌّ يكتبُ إهداءً
أطولَ من قصيدته،
كأنّ الحبرَ حين يعجزُ عن الإبداع
يتحوّلُ إلى مجاملةٍ
ويُسمّى فضيلةْ.
تأمّلْ وجوهَ الشعراءِ
وهم يلتقطون الصورَ
بجوار كتبهم،
كأنّ الكتابَ لم يُكتبْ ليُقرأ،
بل ليكونَ خلفيةً مناسبةً
لصورةٍ تقولُ للعالم:
«أنا هنا!»
وكأنّ الوجودَ
لا يكتملُ إلا إذا رآهُ الآخرون،
ولا يُصدَّقُ إلا إذا أُرفقَ
بإعجابٍ وتعليقٍ وقلبٍ أحمرْ.
يا شاعرَ الصورة،
ماذا لو أطفأنا الهواتفَ قليلاً؟
هل يبقى من شعركَ شيءٌ
حين لا يراكَ أحد؟
هل تظلُّ قصيدتُكَ قصيدةً
إذا لم تُنشرْ،
ولم تتداولها الصفحاتُ،
ولم يكتبْ لكَ أحدٌ:
«أنتَ استثناءٌ في زمنِ الرداءة»؟
أم أنّكَ، حين تغيبُ الشاشة،
تكتشفُ أنّكَ كنتَ
تكتبُ كي تُرى،
لا كي ترى،
وتنشرُ كي تُصفَّقَ لكَ الأكفُّ،
لا كي توقظَ في الروحِ
سؤالاً يستحقُّ السهرْ؟
وفي الزحامِ
جمهورٌ كثيرٌ،
لكنْ قلّةٌ تسألُ:
ماذا يقولُ هذا الكتاب؟
هل أضافَ إلى العالمِ فكرةً؟
هل زحزحَ حجراً
من جدارِ الوهمِ العتيق؟
هل أنقذَ المعنى من ابتذاله،
أم أعادَ تدويرَ الكلامِ
في ثوبٍ جديد؟
لا أحدَ يسألُ؛
فالأسئلةُ تُفسدُ الحفلات،
والنقدُ ضيفٌ ثقيلٌ
على موائدِ المديح،
ومن قالَ إنّ القصيدةَ رديئةٌ
اتهموهُ بأنّه لا يفهمُ الشعر،
ومن قالَ إنّ الإمبراطورَ عارٍ
طردوهُ من موكبِ العباقرةْ!
هنا تُوزَّعُ الألقابُ
كما تُوزَّعُ الحلوى على الأطفال:
هذا شاعرٌ كبير،
وذاك قامةٌ أدبية،
وثالثٌ ظاهرةٌ استثنائية،
ورابعٌ مشروعُ خلودٍ،
وما بين هذا وذاك
لا مشروعَ سوى أن يمدحَ كلٌّ منهم الآخر،
كي ينامَ الجميعُ مطمئنين
إلى عظمةٍ لم يمتحنها الزمنْ.
يا لسخريةِ المشهد!
كم من موهبةٍ حقيقيةٍ
تعبرُ القاعةَ صامتةً،
لا تملكُ جيشاً من المصفّقين،
ولا شبكةً من الأصدقاء،
ولا رغبةً في بيعِ الوهمِ
باسمِ الثقافةْ.
وكم من فراغٍ
يسيرُ مزهوّاً بين الأجنحة،
تسبقهُ هالةٌ من الضجيج،
وتتبعهُ حاشيةٌ من الإعجابات،
حتى إذا فتّشتَ في داخله
لم تجدْ سوى صدى صوتِه
يردّدُ صوتَه
ويحسبُ الترديدَ موسيقى!
إنّها مأساةُ العصرِ
حين يصبحُ الظهورُ بديلاً عن الحضور،
والانتشارُ بديلاً عن الأثر،
والشهرةُ بديلاً عن القيمة،
وحين يُقاسُ الكاتبُ
بعددِ مَن صافحوه،
لا بعددِ الأسئلةِ التي تركها
تشتعلُ في عقولِ قرّائه.
وليسَ العيبُ في أن يشتريَ شاعرٌ كتابَ شاعر،
ولا في أن يهديَ أديبٌ أديباً كتاباً،
فالمحبّةُ لا تُدان،
والتضامنُ بين الكتّابِ فضيلة،
لكنّ العارَ أن تتحوّلَ المحبّةُ إلى مقايضة،
والإهداءاتُ إلى صكوكِ اعتراف،
والتوقيعاتُ إلى أوسمةٍ
يمنحُها الوهمُ للوهم،
ويشهدُ فيها الفراغُ
للفراغِ بالكمالْ.
فالكتابُ ليسَ دليلاً على الثقافة،
كما أنّ حملَ المرآةِ
لا يجعلُ المرءَ جميلاً،
والقصيدةُ ليستْ قصيدةً
لأنّ صاحبَها شاعر،
ولا الحقيقةُ حقيقةٌ
لأنّ مئةَ صوتٍ ردّدتها
في قاعةٍ مكتظّةْ.
يا «سيلا»،
يا مرآةَ زمنٍ
يخشى العزلةَ أكثرَ ممّا يخشى الجهل،
فيكِ كتبٌ تستحقُّ أن تُقرأ،
وأسماءٌ تستحقُّ أن تُنصَتَ إليها،
لكنّ الضجيجَ أحياناً
يحجبُ ما جاء الناسُ من أجله،
ويجعلُ من الثقافةِ
موسماً لتبادلِ الصور،
ومن الإبداعِ
حفلةً تنتهي بانتهاء المعرضْ.
وحين تُطوى الأجنحة،
وتُطفأُ الأضواء،
وتعودُ الكتبُ إلى الرفوف،
وتسكتُ الهواتفُ عن التصفيق،
سيبقى سؤالٌ واحدٌ
أكثرَ إزعاجاً من كلِّ هذا الصخب:
مَن منّا كتبَ ليقولَ شيئاً للعالم،
ومَن منّا كتبَ
كي يقولَ العالمُ عنه شيئاً؟
فالتاريخُ لا يحفظُ عددَ الأيدي
التي صافحتْ صاحبَ الكتاب،
ولا عددَ الإهداءاتِ
التي تبادلتْها الأسماء،
ولا طولَ الطوابيرِ أمامَ منصّةِ التوقيع؛
التاريخُ، ذلك القارئُ الباردُ
الذي لا يصفّقُ لأحد،
يفتحُ الكتابَ أخيراً
ويقولُ في صمت:
أروني ما في الصفحات،
فالأسماءُ لا تكتبُ الخلود،
والضجيجُ لا يصنعُ أدباً،
وما كلُّ مَن وقّعَ كتاباً
تركَ في الروحِ أثراً.
ويا ليتَ بعضَ الذين يوقّعونَ لبعضهم
يوقّعونَ، ولو مرّةً واحدة،
على وثيقةِ اعترافٍ صغيرة:
أنّنا لسنا عظماءَ
لمجرّد أنّنا اجتمعنا،
وأنّنا لسنا أدباءَ
لمجرّد أنّنا نشرنا،
وأنّ الكتابَ قد يكونُ مجرّدَ ورق،
إذا لم يحملْ عقلاً يقاومُ التفاهة،
وروحاً تُقلقُ السائد،
ولغةً تُضيفُ إلى العالمِ
ما لم يكنْ فيه.
فليسَ كلُّ ضجيجٍ حياة،
ولا كلُّ احتشادٍ ثقافة،
ولا كلُّ توقيعٍ شهادةَ إبداع؛
فبعضُ المعارضِ تبيعُ الكتب،
وبعضُها الآخرُ
يكشفُ لنا كم منّا
لم يتعلّمْ بعدُ كيف يقرأ.
ملاحظة أدبية: تقوم القصيدة على المفارقة بين الكتاب بوصفه قيمة فكرية، والكتاب بوصفه أداةً للاستعراض الاجتماعي. وتتعمد السخرية من الممارسات لا من فعل القراءة أو التبادل الثقافي في ذاته؛ فالإهداء ليس موضع النقد، وإنما تحوّله إلى مجاملة متبادلة تصنع شهرةً مصطنعة وتستبدل الحكم النقدي بالتصفيق.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حقيقة العسل ومرضى السكري: بين الفوائد العامة ومخاطر -العسل ا ...
- من رد الفعل الى الاستجابة الواعية
- حين يحاور الشعرُ العشقَ: عنترة وسارة في حضرة عبلة
- بين سؤال الهوية ورهبة الوجود: في قصيدة «من أنا… بعد ليل الغر ...
- النقد الفني والإعلامي بوصفه ممارسة معرفية وجمالية: نحو ثقافة ...
- دراسة تأملية في قصيدة
- الأدب ينجح عندما يمتلك المادة الواقعية ويعيد خلقها -ربيعة جل ...
- المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -
- حين خاف ابن خلدون من العقل على الفلسفة
- حين يطغى المديح على النقد: قراءة نقدية في دراسة «أغاني الريح ...
- «من يوميات امرأةٍ مرّت من هنا».
- الاندماج الاجتماعي وبناء العلاقات لدى الأطفال ذوي التوحد،
- «المرأة في مسيرة الإنسانية: من الهامش إلى استعادة الحضور وصن ...
- من ردّ الفعل إلى الاستجابة الواعية
- قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
- «حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار ...
- الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا ...
- •وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال ...
- السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
- التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،


المزيد.....




- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...
- شاهد.. الأديب حامد ياسين يكشف للجزيرة سر دموعه التي أيقظت ال ...
- ذاكرة السينما تعود إلى الشاشة.. 27 فيلما مرمما في مهرجان الق ...
- -أشنكض-.. غزال تندوف يتحدى عزلة الجغرافيا
- القضاء الهندي يرجئ ترحيل الممثل عمران خان بعد اعتذاره عن الم ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد بسام العمري - في معرض سيلا…