|
|
الأدب ينجح عندما يمتلك المادة الواقعية ويعيد خلقها -ربيعة جلطي-
محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:07
المحور:
قضايا ثقافية
هذا التصريح، في تقديري، ينطوي على رؤية روائية ناضجة في جوهرها، لكنه ليس بمنأى عن المناقشة النقدية؛ بل إن قيمته الحقيقية تبدأ تحديدًا من النقطة التي يتوقف فيها الاتفاق معه، لأن القول بأن الأدب «يمتلك المادة الواقعية ويعيد خلقها» يفتح سؤالًا أعمق من سؤال مصدر الشخصية: ما الذي يجعل الشخصية الأدبية حقيقةً فنية، وما الحد الفاصل بين الواقع الذي تستمد منه الرواية مادتها، والواقع الذي تصنعه الرواية داخل اللغة؟ تبدو ربيعة جلطي، وهي تتحدث عن شخصياتها، وكأنها تضع يدها على إحدى أقدم قضايا السرد: العلاقة الملتبسة بين الواقع والتخييل. وهي هنا تقترب، من غير أن تسمي ذلك صراحة، من التصور الأرسطي الذي جعل المحاكاة أساسًا من أسس الفن، لا بمعنى النسخ الفوتوغرافي للواقع، وإنما بمعنى إعادة تنظيمه وكشف إمكاناته. فالشاعر، في المنظور الأرسطي، لا يكرر ما حدث، بل ينظر إلى ما يمكن أن يحدث؛ ومن هنا يصبح الأدب أحيانًا أكثر قدرة على قول الحقيقة من التاريخ الذي يلتزم بما وقع بالفعل. ولهذا فإن العبارة المركزية في التصريح: «الأدب ينجح عندما يمتلك المادة الواقعية ويعيد خلقها» عبارة دقيقة إذا فهمنا «إعادة الخلق» بوصفها تحويلًا جماليًا ومعرفيًا للواقع، لا مجرد تغيير في الأسماء والملامح. فالواقعة قبل دخولها الرواية ليست هي الواقعة بعد دخولها؛ والشخص الذي كان يعيش في الشارع أو البيت أو التاريخ لا يعود هو نفسه حين يتحول إلى شخصية سردية. هناك مسافة تصنعها اللغة، والحبكة، ووجهة النظر، والذاكرة، والانتقاء، والحذف، والتأويل. وهذه المسافة هي التي تمنح الرواية استقلالها عن الواقع، وإلا أصبحت الرواية مجرد ملف توثيقي أو سيرة مقنّعة. ومن هذه الزاوية، فإن قول جلطي إن الأدب «لا يكتفي بانعكاس الحياة» يمثل موقفًا يمكن ربطه بما تجاوزته الواقعية الساذجة في تاريخ النقد. فالرواية ليست مرآة محايدة كما قد يوحي التصور الانعكاسي القديم؛ إنها جهاز لإعادة تركيب العالم. والناقد الروسي ميخائيل باختين، حين نظر إلى الرواية باعتبارها فضاءً لتعدد الأصوات واللغات والرؤى، منح الشخصية الأدبية استقلالًا نسبيًا عن الصوت الواحد للمؤلف. الشخصية ليست قطعة شمع يصنعها الروائي كيف شاء؛ إنها، في الرواية الحية، تدخل في شبكة من الأصوات والعلاقات والظروف تجعلها قابلة للتطور والمقاومة والمفاجأة. وهنا تكتسب عبارة جلطي عن أن الشخصية «تفلت من سيطرة مؤلفها» أهمية خاصة. إنها عبارة شاعرية، لكنها ليست بعيدة عن حقيقة التجربة الروائية. فالكاتب يضع الشخصية في البداية داخل تصور معين، ثم تبدأ الشخصية، مع نمو الأحداث، بفرض مقتضياتها النفسية والمنطقية. وقد يجد المؤلف نفسه مضطرًا إلى أن يجعلها تقول ما لم يكن يريد لها أن تقول، أو تفعل ما لم يكن قد خطط له. وهذه ليست أسطورة رومانسية حول «استقلال الشخصية» فحسب، بل نتيجة طبيعية لتعقيد البناء السردي حين تصبح الشخصية ذات تاريخ ودوافع وذاكرة وعلاقات. غير أن التصريح يطرح، في الوقت نفسه، مسألة تحتاج إلى قدر أكبر من التحفظ حين يقول إن الشخصية الحقيقية تمنح الكاتب «مادة غنية جاهزة دون عناء ابتكار كل شيء من الخيال». هنا يمكن أن نعترض نقديًا: الشخصية الحقيقية ليست مادة جاهزة بالمعنى الفني. الاسم الحقيقي قد يكون جاهزًا، والسيرة الخارجية قد تكون جاهزة، والصورة التاريخية قد تكون متاحة، لكن الشخصية الروائية لا تكون جاهزة إطلاقًا. ما هو جاهز في الواقع لا يتجاوز المادة الأولية؛ أما الشخصية الأدبية فتحتاج إلى بناء منظور، وصوت، ورغبة، وصراع، وتناقض، ومسار درامي. بل قد يكون استخدام شخصية تاريخية أصعب من اختراع شخصية متخيلة، لأن الروائي يدخل في مواجهة مع ذاكرة القارئ السابقة عن تلك الشخصية. وهنا يمكن استحضار بول ريكور، الذي جعل العلاقة بين السرد والزمن والذاكرة علاقة مركبة؛ فحين تتحول الحياة إلى سرد، فإنها لا تُستعاد كما كانت، وإنما يعاد تنظيمها بحيث تكتسب معنى. ولذلك فالشخصية التاريخية حين تدخل الرواية تصبح واقعة بين حقيقتين: حقيقتها المرجعية خارج النص، وحقيقتها السردية داخله. وقد تتعارضان دون أن تكون الرواية بالضرورة قد خانت الحقيقة؛ لأن الحقيقة الروائية ليست هي الحقيقة الوثائقية نفسها. ومن أجمل ما في تصريح جلطي سؤالها: «متى يصير المتخيل أكثر صدقًا وإقناعًا من الواقعي نفسه؟ ومتى يصبح الواقع بحاجة إلى خيال كي يُفهم؟». هذا السؤال، في رأيي، هو قلب التصريح كله، وربما أعمق من بعض أحكامه الأخرى. لأن الأدب العظيم كثيرًا ما لا يمنحنا الواقع كما هو، بل يمنحنا القدرة على رؤيته. تولستوي لم يحتج إلى أن تكون آنا كارينينا شخصية تاريخية حتى تبدو لنا أكثر واقعية من أشخاص نلتقيهم في حياتنا اليومية. وفلوبير حين خلق مدام بوفاري لم يكن يسجل امرأة بعينها بقدر ما كان يكشف بنية نفسية واجتماعية يمكن أن تتكرر في أزمنة وأماكن مختلفة. وهنا تلتقي الرؤية الروائية مع تصور نيتشه للحقيقة من جهة، ومع تصورات فلسفية لاحقة للغة والتمثيل من جهة أخرى: نحن لا نصل إلى العالم خاليًا من الوسائط؛ اللغة نفسها تشكل جزءًا من الطريقة التي نراه بها. لكن هذا لا يعني أن الرواية تستطيع أن تفعل ما تشاء باسم الخيال، أو أن كل اختلاق يصبح حقيقة فنية بمجرد دخوله النص. فثمة فرق بين الصدق الفني والصدق الواقعي. يمكن للرواية أن تغير الوقائع التاريخية، لكنها لا تستطيع أن تغير قوانين الإقناع التي أقامها النص نفسه. وإذا جعل الكاتب شخصية ما تفعل شيئًا لا ينسجم مع تكوينها النفسي أو التاريخي دون مبرر فني، فإن الخيال لا يصبح أكثر صدقًا من الواقع، بل يصبح أقل صدقًا من نفسه. ومن هنا أجد أن الحديث عن «الشخصية النقية» المتخيلة يحتاج أيضًا إلى شيء من التدقيق. لا توجد، في الحقيقة، شخصية روائية تنشأ من «العدم» بالمعنى المطلق. حتى أكثر الشخصيات خيالًا تتغذى من ذاكرة الكاتب، ومن مشاهداته، ومن اللغة التي تعلم بها العالم، ومن نماذج بشرية عرفها أو قرأ عنها أو تخيلها. الإنسان نفسه لا يستطيع أن يتخيل إنسانًا خارج كل خبرته الإنسانية. ولهذا فإن قول جلطي إن بناء شخصية متخيلة خالصة هو «مواجهة مرعبة» صحيح من الناحية الإبداعية، لكن «الخلق من العدم» يظل تعبيرًا مجازيًا أكثر منه وصفًا فلسفيًا دقيقًا. وهذه النقطة تقودنا إلى ما يمكن تسميته، بلغة النقد الحديث، موت الشخصية الواقعية داخل النص وولادة الشخصية النصية. بمجرد أن يدخل الشخص الحقيقي الرواية، فإنه لا يعود ملكًا لسيرته وحدها. يصبح جزءًا من نظام دلالي جديد. نابليون الروائي ليس نابليون المؤرخ، وكليوباترا في الرواية ليست كليوباترا في كتب التاريخ، ومارلين مونرو في السرد ليست بالضرورة المرأة التي عاشتها الوثائق. إن الاسم يحضر باعتباره علامة ثقافية تحمل معها شبكة هائلة من المعاني السابقة، ثم يعيد النص توجيه هذه المعاني. وهنا تكمن قوة الشخصية المشهورة وخطرها في آن واحد. قوتها أنها تدخل النص محملة بذاكرة القارئ؛ وخطرها أن هذه الذاكرة قد تبتلع النص نفسه. فإذا كانت الرواية لا تقدم إلا نسخة أخرى من الشخصية التي نعرفها، فما الذي أضافته الرواية؟ أما إذا استطاع الروائي أن ينتزع الشخصية من صورتها الموروثة ويمنحها حياة جديدة، فإن الرواية لا تستثمر شهرتها، بل تستثمر التوتر بين ما نعرفه عنها وما يجعلنا النص نعيد اكتشافه فيها. ولهذا أوافق جلطي في نقدها للرواية التي تتكئ على شهرة الاسم أو سخونة الحدث، لكنني أتحفظ على جعل معيار نجاح الرواية هو أن تبقى جذابة بعد حذف الاسم الشهير أو الحدث. فهذا اختبار مفيد، لكنه ليس معيارًا نقديًا مطلقًا. هناك أعمال عظيمة لا يمكن فصلها عن شخصياتها التاريخية، لأن التاريخ نفسه جزء من بنيتها الجمالية والفكرية. رواية «اسم الوردة»، مثلًا، لا يمكن فصل عالمها عن القرون الوسطى والفكر الديني والفلسفي الذي يشكل فضاءها، كما أن روايات التاريخ الكبرى لا تستمد قيمتها فقط من قدرتها على استبدال الأسماء، وإنما من الطريقة التي تجعل التاريخ مادة للتفكير في الإنسان. والأهم أن الرواية لا تُقاس فقط بقدرتها على «الاستقلال عن الحدث»، وإنما بقدرتها على إنتاج معنى يتجاوز الحدث دون أن يخونه فنيًا. وهنا نقترب من تصور جورج لوكاتش للرواية التاريخية، حيث لا تكون قيمة التاريخ في زخرفته، وإنما في كشف العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تكمن خلف الوقائع. فالتاريخ حين يدخل الأدب ينبغي ألا يتحول إلى ديكور؛ ينبغي أن يصبح قوة فاعلة في تشكيل الشخصيات والوعي والمصير. كما أن الاستشهاد بنماذج مثل أحمد عبد الجواد، وإيفان كارامازوف، وأوليفر تويست، وآنا كارينينا، ومدام بوفاري، وشيرلوك هولمز، ودون كيشوت وسانشو موفق من حيث إثبات قدرة الشخصية المتخيلة على التحول إلى كائن ثقافي مستقل، لكنه يحتاج إلى تمييز مهم: هذه الشخصيات لم تصبح عظيمة لأنها «بدت حقيقية» فقط، بل لأنها أصبحت قابلة للتأويل. وهذه نقطة مركزية في النقد الحديث. الشخصية العظيمة ليست التي نصدق أنها موجودة فحسب، بل التي نستطيع أن نعود إليها في كل عصر فنجد فيها معنى جديدًا. إنها لا تشبه الإنسان الواقعي فقط؛ إنها تساعدنا على فهم الإنسان الواقعي. وهنا يمكن أن نستحضر رولان بارت، الذي زعزع سلطة المؤلف التقليدية، لا لنلغي الكاتب، وإنما لنفهم أن حياة النص لا تتوقف عند نية صاحبه. الشخصية حين تصل إلى القارئ تدخل في عملية إنتاج جديدة للمعنى. ولذلك فإن قول القراء لربيعة جلطي إنهم يرون أنفسهم في شخصياتها يحمل دلالة عميقة، لكنه لا يثبت وحده أن الشخصية نجحت فنيًا. فقد يتماهى القارئ مع شخصية ضعيفة فنيًا، وقد يرفض شخصية عظيمة. المعيار ليس مقدار التطابق بين الشخصية والقارئ، وإنما قدرة النص على إنتاج هذا التماهي وإثارته ومقاومته في الوقت نفسه. والشخصية الأدبية الكبرى لا تكون مرآة فقط، بل تكون أحيانًا مرآة مشروخة؛ نرى فيها أنفسنا بصورة لم نكن نريد أن نراها. وربما هنا تحديدًا تكمن قوة الأدب: إنه لا يطمئن الإنسان دائمًا إلى صورته، بل يزعزعها. دوستويفسكي لم يخلق كارامازوف ليقول لنا: «هذا إنسان حقيقي» وحسب؛ لقد جعل الشخصية مختبرًا للأسئلة المتعلقة بالإيمان، والشك، والحرية، والرغبة، والمسؤولية. وكذلك مدام بوفاري ليست مجرد امرأة لها ملامح وسلوك، بل بنية كاملة من الرغبة والوهم والواقع الاجتماعي. أما عبارة «الشخصية تسبق الواقع أحيانًا وتصبح نبوءة» فهي جميلة أدبيًا، لكنها تحتاج نقديًا إلى الحذر من المبالغة. الشخصية لا تتنبأ بالواقع بالضرورة، وإنما قد تكشف إمكانًا كان كامناً فيه. الأدب العظيم لا يعرف المستقبل دائمًا، لكنه يستطيع أن يشعر بما لم ننتبه إليه بعد. ولهذا تبدو بعض الشخصيات «نبوئية» لأنها التقطت مبكرًا بنية نفسية أو اجتماعية ستصبح أكثر وضوحًا في المستقبل. واللافت كذلك أن تصريح جلطي يضع الأخلاق إلى جانب الجماليات حين يتحدث عن الشخصيات الحقيقية وحق الإنسان في صورته وكرامته. وهذه من أقوى نقاط التصريح؛ لأن الرواية ليست فضاءً معفيًا من المسؤولية الأخلاقية لمجرد أنها فن. صحيح أن الأدب يمتلك حرية التخييل، لكن هذه الحرية تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتناول أشخاصًا أحياء أو عائلات أو جماعات ما زالت تعيش آثار الصورة التي يصنعها النص. هنا تتقاطع حرية الفن مع المسؤولية الأخلاقية، ويصبح السؤال ليس: «هل يحق للروائي أن يتخيل؟» فقط، بل: ماذا يفعل هذا التخييل بإنسان موجود خارج الكتاب؟ وفي السياق الجزائري والعربي، تكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة، لأن العلاقة بين الأدب والذاكرة الاجتماعية ليست علاقة باردة. الاسم قد يحمل عائلة وتاريخًا وسمعة وذاكرة جماعية، والروائي حين يستعير شخصية واقعية لا يستعير ملامح فرد فقط، بل قد يستدعي شبكة من التأويلات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا البعد الأخلاقي إلى رقابة على الخيال. فالأدب الذي يخاف من الاقتراب من المناطق الحساسة يفقد جزءًا من قدرته على مساءلة المجتمع. المسألة إذن ليست في منع الروائي من استخدام الواقع، وإنما في امتلاك الوعي الفني والأخلاقي بكلفة هذا الاستخدام. وفي المحصلة، أرى أن تصريح ربيعة جلطي ينجح في وضع يده على الحقيقة الأساسية للرواية: الشخصية لا تولد كاملة من الواقع ولا من الخيال؛ إنها تولد من المسافة المتوترة بينهما. فالواقع يمنح الكاتب مادة الحياة، والخيال يمنحه إمكانية إعادة ترتيبها، واللغة تمنحها جسدًا، والسرد يمنحها زمنًا، والصراع يمنحها روحًا، والقارئ يمنحها حياة ثانية. وعندما تنجح الرواية، لا يعود السؤال: «من هو الشخص الحقيقي الذي كانت الشخصية تشبهه؟» بل يصبح السؤال أكثر عمقًا: «أي حقيقة إنسانية استطاعت هذه الشخصية أن تكشفها ولم نكن نراها قبل أن تولد على الصفحة؟» لهذا فإن الشخصية الناجحة ليست نسخة محسّنة من إنسان موجود، وليست اختراعًا معلقًا في الفراغ؛ إنها إنسان أدبي، له نسبه الواقعي أحيانًا، لكن له أيضًا استقلاله النصي. وقد تبدأ الشخصية من وجه عابر في مقهى، أو من ذاكرة قديمة، أو من شخصية تاريخية، أو من حلم لا نعرف مصدره، لكنها لا تصبح شخصية روائية إلا عندما تعبر ذلك الحد الفاصل بين «أن تشبه أحدًا» و«أن تصبح أحدًا». عندها فقط يمكن القول إن الكاتب لم يستنسخ الحياة، بل أعاد خلقها؛ ولم يقلّد الواقع، بل كشف شيئًا من حقيقته المستترة. وهذا، في النهاية، هو سر الأدب الذي يبقى: أن الواقع يدخل الكتاب مادةً، ثم يخرج منه سؤالًا؛ وأن الإنسان يدخل الرواية شخصًا، ثم يخرج منها احتمالًا إنسانيًا لا ينتهي. مساء الخير للأحبة ربيعة جلطي لجريدة "النصر"! من أيـن تـــأتي شخصيّـــــــات الـروايــــــــــة؟
الروائية والشاعرة ربيعة جلطي تجيب نوارة لحرش : - الأدب ينجح عندما يمتلك المادة الواقعيَّة ويُعيدُ خَلْقَهَا!
{ أعتقد أنَّ الأدب يُخَلِدُ ويُؤَثِّرُ حِينَ لا يكتفي باِنعكاس الحياة. ولَنَا أمثلةٌ جَمَّة في الأدب العربيّ، كَمَا في غيره. بل إنّهُ يَنجحُ عندما يمتلكُ المَادة الواقعيَّة ويُعيدُ خَلْقَهَا دَاخِلَ منطق الرواية. أمّا إن ظَلَّ النَّصُّ تابعًا لشهرة الاِسم أو الحدث، وعاجزًا عن توليد مَعنّى مُستقل، فسينهارُ عِنْدَ حذف الاِسم الشَّهير أو الحدث السَّاخن العابر. لَعَلَّ أجمل سؤال يُمكنُ أن نَطرحهُ على أنفسنا ونحنُ نكتب: متى يَصيرُ المُتخيِّل أكثر صدقًا وإقناعًا من الواقعيّ نفسه؟ ومتى يُصبح الواقع بحاجة إلى خيال كي يُفْهَم؟ التَّوتُّر هذا، في رأييّ، هو جوهرُ الكتابة الروائيَّة. أفضلُ الشَّخصيَّات، تلك التي نُصدّقها، تبدو حقيقيَّة لأنّها تحمِلُ صدقًا إنسانيًا عميقًا. لا يهم كثيرًا إن بدأت من ملاحظة واقعيَّة دقيقة أو من شرارة خياليَّة. الكاتبُ الجيِّد لا يختار بين الاِثنين، بل يُديرُ التَّوَتُّر بينهما بمهارة. يأخذُ من الحياةِ ما يكفي ليصدِّقَهُ القارئ، ويَبْتَعِدُ بِمَا يكفي ليخلق عالمًا خاصًا به. الجدلُ الّذي يُثيرهُ أحيانًا اِستخدام الشَّخصيَّات الحقيقيَّة ليسَ عائقًا فقط، بل دليلٌ أيضًا على أنّ الأدب قادرٌ على اِختراق الحياة الخاصَّة والعامَّة معًا، وعلى خلق كائنات من العَدم تعيشُ بيننا. بناء شخصية مُتخيّلة خالصة مُواجهة مُرعبة. تقفُ أمام فراغٍ هائل، تُحاولُ أن تخلق من لا شيء جسدًا ونفسًا وتاريخًا ولُغة داخلية. تَجْعَلُ هذا الكائن مُقنعًا بِمَا يكفي ليعيشَ في ذهن القارئ كأنّه حقيقي. وفي تجربتي… كم تأثرتُ حين اِقتربَ مني بعض القُرّاء ليخبروني بالشبه بينهم وبين بعض شخصيات رواياتي مثل حلاجة، أندلس، يوسف، أجوج، مانويلا... ومن بينهم مُعلم بمحفظته اِقتربَ مني مُؤخرًا خلال إحدى جلسات توقيع ليهمس في أذني أنه هو «الزبير» نفسه، الشخصية المركزية في روايتي «عازب حي المرجان» التي حُوِّلت إلى مسرحية حقَّقت نجاحًا. يَعترفُ الكُتّاب بأنّ أشدّ الشَّخصيَّات صعوبة هي تلك التي يُحاولونَ اِختراعها «نقية»، لأنها سرعان ما تبدو مصطنعة أو مفتعلة إذا لم تستند إلى مُلاحظات دقيقة عن السلوك البشري. أما توظيف شخصيات حقيقية مشهورة فيمنحُ الكاتب مادة غنية جاهزة، دونَ عناء اِبتكار كلّ شيء من الخيال. لكنهُ يَحملُ جدلًا، اِتهامات، غضبًا عائليًا أو اِجتماعيًا، وأحيانًا دعاوى قضائية. وتظل دائمًا المسؤولية الأخلاقية تجاه الشخص الحقيقي الموجود خارج الصفحة، لهُ حق في صورته وكرامته، حتى لو حوّلته الرواية إلى قناع أو رمز. الروائي البارع الّذي يَخْلُقُ أدبًا لا سيرة، ينسجُ شخصياته من وجوه رآها، وأصوات سمعها، وجروح عاشها أو لاحظها. قد يَستعيرُ ملامح من أشخاص حقيقيين، ثم يتركها تنمو داخل منطق العمل حتى تستقل تمامًا. كثير من الروائيين يقولون إنّ الشخصية تبدأ كظل لشخص حقيقي، ثم تتحرر وتفرض قوانينها الخاصة على النص، وحينَ تنجح، تتغلغل إلى المخيال الجمعي، وتُؤثر في طريقة رؤية النّاس لأنفسهم وللآخرين. تُصبحُ نموذجًا أو نقيضًا أو مرآة، يُقلّد النَّاس سلوكها، يَقِيسُونَ أنفسهم بها، أو يَستخدمونها لوصف شخصيات حقيقية من حولهم: السيد أحمد عبد الجواد عند نجيب محفوظ، وإيفان كارامازوف عند دوستويفسكي، وأوليفر تويست عند ديكنز، وآنا كارينينا عند تولستوي، ومدام بوفاري عند فلوبير، وشيرلوك هولمز عند كونان دويل، ودون كيشوت وسانشو عند سيرفانتيس. المَسألة ليست مهارة تقنية فحسب، بل قدرة على منح الشخصية تناقضًا إنسانيًا عميقًا لدرجة أنها تفلت من سيطرة مؤلفها وتعيش حياة مستقلة في خيال القُرّاء، وتُصبحُ جزءًا من الواقع الثَّقافيّ والنفسي للنَّاس. في حالات نادرة، تسبق الشخصية الأدبية الواقع نفسه، فتصيرُ كأنها نبوءة، أو تخلق نمطًا سلوكيًا جديدًا. شخصيات محفوظ في الثلاثية ما زالت تُقرأ وتُناقش بعد عقود لأنها تجاوزت مرجعها الواقعي المُباشر وصارت نماذج إنسانية واِجتماعية أوسع. في حالة اِكتفاء الكاتب بـ«اِستغلال» شهرة شخصيات واقعية، تظهر روايات في لحظات سياسية أو اِجتماعية ساخنة، تستثمر أسماءً شهيرة أو أحداثًا، ثم يخفت بريقها بسرعة مع تغيّر الظرف. قيمتها كانت مرتبطة بالبطل المشهور واللحظة أكثر من اِرتباطها بالبناء الفني. يتكئُ الكاتب هُنَا على عكاز الشهرة الجاهزة، يَستعِيرُ اِسم نابليون أو كليوباترا أو مارلين مونرو أو الأميرة ديانا، فيحصل فورًا على اِنتباه القارئ، ويُوفّر على نفسه عناء بناء كاريزما من الصفر، طريق مُختصر نحو رواج تجاري هش، لكن لو حذف الاِسم الشهير واستبدل باِسم عادي، تفقد الرواية مُعظم جاذبيتها فورًا، لأنّ الفضول مُرتبط أساسًا بالشخصية الحقيقية لا بالعمل نفسه.}
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -
-
حين خاف ابن خلدون من العقل على الفلسفة
-
حين يطغى المديح على النقد: قراءة نقدية في دراسة «أغاني الريح
...
-
«من يوميات امرأةٍ مرّت من هنا».
-
الاندماج الاجتماعي وبناء العلاقات لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
«المرأة في مسيرة الإنسانية: من الهامش إلى استعادة الحضور وصن
...
-
من ردّ الفعل إلى الاستجابة الواعية
-
قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
-
«حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار
...
-
الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا
...
-
•وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال
...
-
السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
رسالة من هناك
-
التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
-
أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
-
دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
-
طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.
-
أهمية التشخيص المبكر للتوحد .
-
الفرق بين التوحد والتأخر العقلي .
المزيد.....
-
كلاب الشيواوا في المكسيك تحتفل بالهالوين بأزياء تنكرية
-
روبيو يرد على سؤالين عن الحوثي وحماية دول الخليج من رد انتقا
...
-
إسقاط 100 مسيرة وتضرر منشأة صناعية جراء هجوم أوكراني على نيج
...
-
إيران تصنف MI6 كيانا معاديا وتدرج البحرية والجوية الملكيتين
...
-
تشديدات أمنية في دلهي قبيل احتجاجات للمعارضة الهندية
-
السودان: دول أوروبية توظف الأزمات الإنسانية في دول أخرى لتحق
...
-
الشرطة البرتغالية تفرق محتجين على أزمة الإسكان وتفكك مخيما ف
...
-
إسلام آباد تحذر كابل: ملاذات المسلحين تعرقل تحسن العلاقات ال
...
-
-هدف أو هدفان- لم يُحسما بعد: ترامب يلوّح بمواصلة المواجهة..
...
-
-أكاذيب وسرديات زائفة-.. كايا كالاس تواجه لافروف خلال اجتماع
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|