أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - •وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ والنُّدوبِ أحياء..؟















المزيد.....

•وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ والنُّدوبِ أحياء..؟


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 16:48
المحور: الادب والفن
    


وقد مرَّ الخفقُ موجوعًا بها فاسَّاقطَ مستكينًا إلى ظلِّ تِحنانِها جرْحًا مفتوحًا،ذاتَ يُتمٍ ما يزالُ منذُ الدَّمعَةِ الأولى يتسلَّقُ الأضلاعَ مثلما نبات الجهنميَّة في اخضرارِها الدَّاكن،منْ ذلكُ الزمنِ الذاهبِ في احتمالاتِ الحكاية،ومنْ غبشِ الذِّكرى حينَ يتعدَّدُ رُوَّاتُها في متْنِها والهامش،هذي جراحاتُها تتناقلُها أغاريدُ الطيورِ وزقوُ النَّوارسِ ونُثارُ الفراشاتِ فيما تبقَّى منْ هاتيكَ الرِّواية.
وهلْ أشعلَ لها الحنينُ شمعتَهُ الأخيرَة،وألقى الجاوي بجمرِها المتَّقد؟
وهلِ ارتشفَ سبعًا خِفافًا من مائها العذبِ الزُّلال؟
والحساسينُ على فرحٍ إذْ تستحمُّ عندَ السَّاقية،هذي الرَّفرفَة،والخريرُ إيقاعُ الصَّبا،فتبياضُّ بينَ الرَّشفةِ والرشْفَةِ الرَّاحتان،وتشتعلُ الجوارح.
يتنهَّدُ الشوقُ محترقًا بحبِّهِ الأعظم عندَ شَعاليلِ الوريد،فتنداحُ الشهقَةُ الحرَّى متآكلَةً عندَ الحنجُرَة،والصَّوتُ نزفٌ والشُّخوبُ انسياب،ويعلمُ طريقَهُ في هذا النَّأيِ والكلْكلَة ويعرفُ الطَّريقَة.
هذي الدُّفوفُ والأصابعُ نار،والشَّطحُ هذا الدُّوار،والنَّايُ هذا الشَّجى إذْ يتكسَّرُ في الحشا.
ويكأنَّ النبضَ يحدِّثُ وحدتَهُ الهاجعَة،ولا تُصيخُ الوحدَةُ إلاَّ لصمتِها العالي.
طوبى للذي يشربُ منْ ولَهٍ وليسَ لهُ أنْ يرتوي أبداً،ومرحى للعاشقينَ الآيبينَ منْ عشقِهمْ أو الذَّاهبين إليه،سيَّان،وهذي حرائقُ العشقِ احتدامٌ في الذهابِ وفي الإيَّاب،وهذي أسماؤهمْ في البياضِ منَ الموجِ منذُ بدءِ الموج،وفي الرَّملِ انتثارُ خطاهمْ،وفي السَّرابِ انكسارُ أرواحهمْ.
وهمُ الأُلًى ليسَ لهمُ سوى المُكابدَة،مباركةٌ هذي المَعاريجُ التي تصَّاعدُ إلى السَّحيقِ منْ آلامهمْ والأوجاع،فيما قبلَ الطُّوفانِ منْ صبرهمْ والمُجاهدَة،وبعدَهُ في الأولينَ والآخرينَ منْ هجرتِهمْ والعودَة.
وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ والنُّدوبِ أحياء..؟
جمال فوغالي
المحب يتألم لأنه يحب، لكنه لا يريد أن يتخلص من ألمه؛ لأن التخلص من اللوعات والندوب يعني، في منطق النص، فقدان جزء من ذاته وحياته.
وهدا تغليقنا :

حين قرأتُ هذا النص لم أشعر أنني أمام قصيدة تُعنى بالحب بوصفه انفعالًا عابرًا، ولا أمام حنينٍ يطلب استعادة غائبة فحسب، وإنما أمام تجربة وجدٍ تتدرج من الجرح إلى الذوق، ومن الذوق إلى الاحتراق، ومن الاحتراق إلى تلك المنطقة الملتبسة التي يلتقي فيها العشق بالمجاهدة، ويصبح الألم نفسه جزءًا من معرفة المحب بما يحب. ولذلك فإن سؤال الاستهلال: «وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ والنُّدوبِ أحياء..؟» ليس سؤالًا بلاغيًا خالصًا، بقدر ما هو مفتاح صوفي للنص كله؛ لأن المحب هنا لا يعرّف بمقدار ما نال، وإنما بمقدار ما عانى في الطريق.
ومن هذه العتبة بالذات يمكن الدخول إلى النص يا جمال؛ إذ إنك جعلتَ الجرحَ ليس أثرًا لما مضى، بل كائنًا حيًّا يتناسل داخل الذاكرة: «جرْحًا مفتوحًا، ذاتَ يُتمٍ ما يزالُ منذَ الدَّمعَةِ الأولى يتسلَّقُ الأضلاعَ». وهذه الصورة من أجمل ما في النص؛ لأنها لا تقدم الألم باعتباره حالة نفسية جاهزة، بل نباتًا يتسلق الجسد، ثم تشبه نموه بـ «نبات الجهنمية في اخضرارها الداكن». وهنا تتجلى إحدى إيجابيات التجربة الشعرية عندك: أنك لم تجعل الوجد مجرد بكاء، وإنما منحته جسدًا ونباتًا وحركةً وزمنًا، فصار الجرح ذا ذاكرة، وصارت الذاكرة كائنًا يواصل حياته في الجسد.
وهذا قريب، من جهة الروح الصوفية، من معنى المحبة عند الجنيد حين جعلها «ميل القلوب» إلى الله وإلى ما لله، لا تكلفًا ولا تصنعًا. وفي تراث الصوفية أيضًا عُرّفت المحبة بالموافقة والطاعة والإيثار، أي أن الحب لا يكتمل بمجرد الشعور، وإنما بما يفعله الشعور في باطن صاحبه وسلوكه.
ولعل نصك ينجح هنا في القبض على الطور الشعوري من هذه الحقيقة؛ لكنه، في الجانب النقدي السلبي، يترك الطور السلوكي أقل حضورًا. فالمحب عند شيوخ الطريق ليس من يحترق فقط، وإنما من تغيّره النار. وهذا فرق مهم يا جمال؛ لأن كثافة الوجد إذا لم تتحول إلى أثر في النفس قد تبقى جمالًا لغويًا أكثر منها تحولًا روحيًا.
وتتقدم القصيدة بعد ذلك من الذاكرة إلى الطقس: «أشعل لها الحنين شمعته الأخيرة»، و«ألقى الجاوي بجمرها المتقد»، و«ارتشف سبعًا خفافًا من مائها العذب الزلال». هنا يلمع النص في صناعة طقسه الخاص، فالشمع والجاوي والماء والساقية والحساسين والنوارس والفراشات ليست مفردات للزينة، وإنما أدوات لنقل التجربة من مستوى التذكر إلى مستوى الكشف الحسي. إنك يا جمال تجعل الطبيعة كلها مشاركة في وجد المحب، وكأن العالم الخارجي لم يعد خارجًا، بل صار مرآةً للداخل.
وهذه من الإيجابيات البارزة في النص: وحدة الجو الصوفي؛ فالماء والطير والناي والدفوف والرجف والنار والجرح والحنين كلها تتساند لتشكيل فضاء وجداني واحد. وهذا يلتقي، في بعض وجوهه، مع تصور ابن عربي للمحبة بوصفها حالة واسعة تشمل الشوق والاضطراب والوجد؛ فهو يصف الشوق بأنه حركة روحانية نحو اللقاء، ويجعل من الزفرات والاحتراق والهيام من نعوت المحبين.
ولهذا فإن قولك: «يتنهّدُ الشوقُ محترقًا بحبِّهِ الأعظم عندَ شَعاليلِ الوريد» لا يبدو دخيلًا على البناء، بل يأتي امتدادًا طبيعيًا لمنظومة النار والنبض والجرح. ثم تأتي صورة «الشهقة الحرّى» و «الصوت نزف» و «الشخوب انسياب ، فتتحول اللغة نفسها إلى حالة جسدية. وهذه نقطة قوة أسلوبية كبيرة؛ لأن النص لا يقول لنا إن المحب يتألم، وإنما يجعلنا نسمع ألمه ونكاد نلمس حرارته.
لكن يا جمال، هنا تحديدًا تكمن إحدى الملاحظات السلبية التي لا ينبغي أن نهرب منها بدافع الإعجاب. إن كثافة المجازات في بعض المواضع تبلغ حدَّ التراكم الذي يجعل الصورة تضغط على الصورة، والرمز يزاحم الرمز، حتى يكاد القارئ يحتاج إلى استراحة بين الوريد والحنجرة والنزف والانسياب والدفوف والناي والشطح والدوار. فالنص يمتلك قاموسًا وجدانيًا غنيًا، لكنه أحيانًا لا يترك فراغًا كافيًا ليتنفس فيه المعنى. والقصيدة الصوفية تحديدًا تحتاج إلى شيء من الخفاء؛ لأن الإفراط في شرح الوجد بالصور قد يحوّل السر إلى وصف، والوصف إلى تقرير.
وهنا يستوقفني قولك: «هذي الدفوف والأصابع نار، والشطح هذا الدوار، والناي هذا الشجى إذ يتكسر في الحشا».
إن كلمة «الشطح» وحدها تفتح بابًا واسعًا من أبواب التجربة الصوفية؛ غير أن استعمالها شعريًا يحتاج إلى دقة شديدة. فالشطح في الاصطلاح التراثي ليس مجرد دورانٍ عاطفي أو انفعالٍ موسيقي، بل هو تعبير عن حال وجداني طاغٍ قد يتجاوز فيه صاحبه المألوف من العبارة. ولذلك فإن وضع الشطح بجوار الدوار والناي قد يحقق موسيقى شعرية جميلة، لكنه قد يخفف من خصوصية المصطلح الصوفي، فيصبح الشطح مجرد انفعال فني، بينما هو في تاريخ التصوف أعمق وأخطر من ذلك.
ومن هنا يمكن القول إن إيجابية النص في استحضار المعجم الصوفي تقابلها سلبية محتملة في التسوية بين المصطلح الصوفي بوصفه تجربة ومصطلح الشعر بوصفه صورة. وهذه ملاحظة نقدية، لا حكمًا على قيمة النص.
ثم إن أجمل التحولات في القصيدة، في ظني، يقع عند قولك: «ويكأنَّ النبضَ يحدِّثُ وحدتَهُ الهاجعَة، ولا تُصيخُ الوحدةُ إلا لصمتِها العالي». هنا يهدأ اللفظ بعد احتدامه، وينكسر الضجيج لصالح الصمت. وهذه لحظة ناضجة جدًا؛ لأن التصوف، في أعمق تجاربه، لا ينتهي إلى الصخب، بل إلى السكون. الجرس الخارجي ينسحب، ويبقى الهمس الداخلي. ولعل هذه الصورة هي التي تجعل القصيدة تتجاوز التعبير عن العشق إلى الاقتراب من سؤال العارف: كيف يصغي الإنسان إلى ما لا يُقال؟
وفي هذا المعنى كان الجنيد يربط المحبة بالموافقة، لا بمجرد دعوى الوجد، بينما يذهب تراث الصوفية إلى أن المحب الحقيقي يؤثر محبوبه ويترك حظ نفسه. وقد جاء في أقوالهم أن المحبة «استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك»، وهو معنى يضيء قصيدتك من الداخل؛ لأن المحب فيها يتراجع أمام المحبوب حتى يكاد يفقد مركزه .
ويصبح هذا المعنى أكثر وضوحًا في المقطع: «طوبى للذي يشرب من ولهٍ وليس له أن يرتوي أبدًا». هذه من أقوى مناطق النص؛ لأنك تقلب قانون الارتواء: فالماء موجود، ولكن المحب لا يرتوي. وهنا لا يعود العطش نقصًا، بل يتحول إلى مقام. وهذه فكرة ذات جذور واضحة في التصوف؛ فقد وصف ابن عربي الشوق بأنه حركة لا تسكن بالوصل، وأن ازدياد المعرفة والمشاهدة قد يزيد الوجد والشوق بدل أن يطفئهما .
لكن السلبي هنا، يا جمال، أن هذه الفكرة لو أُخذت وحدها يمكن أن تُفهم على أنها تمجيد للألم من أجل الألم. والتصوف، في ميزان شيوخه، لا يقدّس الجرح لأنه جرح، وإنما يقدّر ما يفعله الجرح في النفس. فليس كل احتراق معرفة، وليس كل دمعة كشفًا، وليس كل حرمان قربًا. وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة النص؛ لأن القصيدة تكاد أحيانًا تجعل الألم غاية، بينما هو في المنظور الصوفي وسيلة عبور.
وهنا تحضر رابعة العدوية بصورة خاصة، لا لأن تجربة رابعة هي النموذج الوحيد، ولكن لأنها جعلت الحب محور التجربة وجعلت الحزن والاشتياق رفيقين لهذا الحب. وتُروى عنها مواجيد تجمع المحبة والأنس والشوق، وهو ما يلتقي مع المناخ الشعوري الذي تبنيه القصيدة
أما مقطعك: «وهذي حرائق العشق احتدامٌ في الذهاب وفي الإياب»، فهو انتقال جميل من العشق الفردي إلى تجربة أوسع؛ فالمحب هنا ليس شخصًا يشتاق إلى غائب فحسب، وإنما سائر في طريق، يذهب ويعود، يهجر ويصل، يضيع ويهتدي. ولهذا يأتي: «مباركةٌ هذي المعاريجُ التي تصاعدُ إلى السحيق من آلامهم والأوجاع»، وهي من أكثر عبارات النص اقترابًا من المنطق الصوفي؛ لأن الطريق لا يكون مستويًا، والمعراج ليس دائمًا صعودًا مريحًا، بل قد يكون في أعمق لحظاته نزولًا إلى قاع الذات.
وهذه المفارقة من أجمل إيجابيات النص: المعراج إلى السحيق. فهي صورة تجمع المتناقضات في تركيب واحد، وتقول ضمنًا إن الصعود الروحي قد يبدأ بالنزول في أعماق النفس ومواجهة عتمتها.
ولعل هذا يلتقي مع حديث ابن عربي عن أوصاف المحب؛ فهو يذكر الصبر على ما تنفر منه الطبيعة، وإيثار المحبوب، والدهشة، وكثرة الشوق، وعدم التفريق بين الوصل والهجر في حال من أحوال العشق
غير أن ابن عربي نفسه يفتح لنا بابًا نقديًا مهمًا؛ لأن المحبة عنده لا تعني أن يتبع المحب كل ما يريده، بل أن يكون تحت حكم المحبة، وأن تتجه إرادته إلى ما يريده المحبوب. وهنا أرى أن قصيدتك تقف غالبًا عند الوجد أكثر مما تقف عند التهذيب.
وأما خاتمة النص التي تعود إلى السؤال الأول: «وكيف للمحبين يا العارفون أن يكونوا دون لوعاتهم والندوب أحياء؟»، فهي خاتمة موفقة من حيث البناء الدائري؛ لأن النص بدأ بالسؤال نفسه تقريبًا، ثم رحل بين الجرح والشوق والنار والناي والدفوف والوحدة والرحيل والمكابدة، ليعود في النهاية إلى نقطة البدء. وكأن الرحلة لم تعطِ جوابًا، بل عمّقت السؤال. وهذه خصيصة إيجابية؛ لأن القصيدة الصوفية الجيدة لا تغلق باب السر، وإنما تجعل القارئ أكثر عطشًا إليه.
ومع ذلك، فإن لفظة «العارفون» في مطلع القصيدة ليست بريئة دلاليًا، يا جمال؛ فهي ترفع مقام المخاطب من مجرد قارئ إلى صاحب معرفة. ولذلك فإن تكرارها في الخاتمة يمنح القصيدة بعدًا إشاريًا، لكنه في الوقت نفسه يحمّل النص مسؤولية أكبر: ماذا تعني المعرفة هنا؟ أهي معرفة المحبوب؟ أم معرفة النفس؟ أم معرفة الطريق؟ أم معرفة أن الألم نفسه ليس إلا حجابًا آخر؟
ولو أردنا أن نضع الإصبع على الإيجابيات والسلبيات دون أن نفسد موسيقى النص، لقلنا: إن قوته الكبرى تكمن في وحدة المناخ، وكثافة الإيحاء، وتحويل الجرح إلى صورة حية، والطبيعة إلى شريك في الوجد، والإيقاع إلى امتداد للتجربة النفسية، وبناء الرحلة من الحنين إلى الشوق فالمكابدة فالعودة إلى السؤال. وهذه مزايا تجعل النص قابلًا لقراءة صوفية حقيقية، لا مجرد قراءة تستعير بعض مفردات المتصوفة.
أما مواضع الضعف، فأبرزها الإفراط أحيانًا في تكديس الصور والرموز، والانتقال السريع بين عدد كبير من العلامات الصوفية دون منح بعضها مساحة كافية للتأمل، والوقوف طويلًا عند لذة الاحتراق دون إظهار التحول الذي ينبغي أن ينتج عنه، فضلًا عن أن بعض المصطلحات الصوفية، ومنها «الشطح»، تبدو أقرب إلى الوظيفة الجمالية منها إلى وظيفتها الاصطلاحية العميقة.
وأخي جمال، لعل أجمل ما يمكن أن يقال في نصك هو أنه لا يكتب الحب من جهة الامتلاك، بل من جهة الافتقاد. وهذه نقطة جوهرية في التجربة الصوفية؛ فالمحب لا يملك محبوبه، بل يصبح هو المملوك لتجربته. ومن هنا يمكن فهم قول أبي سعيد الخراز عن المحبة بوصفها شوقًا ووجدًا لا يكون للمحب فيه مألوف سوى المحبوب، كما يَرِد في تراث أقوال الصوفية .
ولذلك فإنني لا أقرأ «الندوب» في خاتمتك باعتبارها آثارًا للهزيمة، وإنما باعتبارها ذاكرة الطريق. الجرح عندك لم يعد نقصًا، بل شهادة. واللوعات ليست موتًا للمحب، بل الدليل على أنه لم يمت من الداخل. وهذا قريب من المعنى الذي يجعل المحبة عند الصوفيين حركةً لا تستقر، وكلما ظن العاشق أنه وصل، اكتشف أن الوصول ذاته قد أنشأ شوقًا جديد.
وهنا، يا جمال، يمكن أن نفهم سؤالك الأخير على نحو مغاير: «كيف للمحبين... أن يكونوا دون لوعاتهم والندوب أحياء؟»
ربما لا تسأل القصيدة كيف يعيش المحب بلا جراح، وإنما تسأل: هل يبقى المحب محبًا إذا أطفأ اللهب الذي به عرف قلبه؟
وفي هذا السؤال تكمن روح النص كله؛ لأن المحبة، عند شيوخ التصوف، ليست راحةً تقتل الشوق، بل شوقًا يعيد تشكيل الإنسان. غير أن اكتمال التجربة لا يكون في الاحتراق وحده، بل في أن يتحول الاحتراق إلى صفاء، واللوعة إلى معرفة، والجرح إلى حكمة، والغياب إلى حضور.
وهنا فقط تبلغ القصيدة مرتبة أعمق: حين لا يعود العاشق عبدًا لجرحه، بل شاهدًا على ما غيّره الجرح.
وهذه، في تقديري، أجمل نقطة يمكن أن نلتقي عندها مع نصك يا أخي جمال: ليس كل من بكى عاشقًا، وليس كل من احترق عارفًا، ولكن العاشق الحقيقي هو الذي يخرج من نار المحبة أكثر صفاءً، وأقل ادعاءً، وأشد رحمةً، وأعمق معرفةً بنفسه وبالطريق. وهذا هو الموضع الذي يمكن أن تتسع فيه القصيدة من شعر الوجد إلى شعر المعرفة.
وتبقى قصيدتك، في محصلتها، نصًا عالي الكثافة الروحية، ينجح في بناء كون من العشق والجرح والماء والنار والصمت، لكنه كان سيزداد إحكامًا لو خفف شيئًا من فائض الزينة المجازية، وترك لبعض الصور أن تضيء وحدها، وأفسح للمحبوب نفسه أن يكون غائبًا بما يكفي ليولد حضوره من غيابه؛ لأن أعظم ما في التصوف أن السر لا يُقال كاملًا، بل يُترك للقلب كي يتمّه.
وقد كان الجنيد شديد الدلالة حين جعل المحبة ميل القلب وموافقته، كما أن التراث الصوفي يربط المحبة بالإيثار وترك الحظ الشخصي، لا بمجرد الانفعال؛ ومن هنا فإن نصك يبدو في أجمل حالاته حين يجعل الألم طريقًا، وفي أضعف حالاته حين يجعل الألم نهاية.
فيا أخي جمال،
لقد كتبتَ جراح العاشق بلغة من يعرف أن الجرح ليس حفرةً في الجسد، بل نافذة في الروح؛ وكلما اتسعت النافذة دخل منها نور، وكلما أُغلقت لم يبق إلا أثر الندبة. ولذلك تبدو عبارتك الأخيرة ليست خاتمة قصيدة بقدر ما هي مقام سؤال:
كيف يكون المحب حيًا إذا لم يكن في قلبه شيءٌ يؤلمه؟
وربما يكون جواب المتصوفة الأعمق:
أن الندبة ليست دليل أن المحب مات، بل دليل أنه احترق ولم ينطفئ.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
- التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
- رسالة من هناك
- التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
- أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
- دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
- طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.
- أهمية التشخيص المبكر للتوحد .
- الفرق بين التوحد والتأخر العقلي .
- التوحد عند المراهقين والبالغين.
- أعراض التوحد عند الأطفال
- الطفل الذي ربَّته الهاوية
- أنواع التوحد ومستوياته.
- رسائل ما بعد الساعة الصفر
- أسباب التوحد والعوامل المؤثرة فيه
- تعريف اضطراب طيف التوحد.
- المرأة بين التهميش والتمكين: رحلة الحضور الإنساني عبر التاري ...
- حبٌّ بلا حدود... إلى التي رحلت في مثل هذا الشهر
- بعد أربعة عشر عامًا
- هوس الحقيقة


المزيد.....




- التعليم العالي: الجامعات تواصل تقديم خدماتها لطلاب الشهادات ...
- أفلام الرعب حين يصبح الخوف متعة
- تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي National Geographic 2026 ...
- الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة الت ...
- التعليم العالي تنشر أماكن مراكز الحاسب الآلي بالجامعات الحكو ...
- غاليريتا.. كيف تعاملت السينما الأمريكية مع أحداث 11 سبتمبر؟ ...
- إيرادات شباك التذاكر في دور العرض السينمائية المصرية.. صراع ...
- تفاصيل فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي ال ...
- رقص وموسيقى في ساحة مسجد -الفتاح العليم-.. عقد قران يفجر غضب ...
- سيلين ديون تحب لبنان و-البابا غنوج- ولا تعرف فيروز (فيديو)


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - •وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ والنُّدوبِ أحياء..؟