أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - الطفل الذي ربَّته الهاوية














المزيد.....

الطفل الذي ربَّته الهاوية


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


ليست هذه حكاية طفلٍ وُلد شريرًا، بل سيرة روحٍ أُنهكت قبل أن تتعلم معنى الحياة. إنها رحلةٌ تكشف كيف يمكن للإهمال والنبذ والقسوة أن تحوّل البراءة إلى ندبة، والضحية إلى كائنٍ يخشاه الجميع. ففي بعض الأحيان، لا يولد الوحش من رحم الشر، بل من رحم مجتمعٍ عجز عن أن يمنح طفلًا واحدًا حقَّه في أن يكون إنسانًا.


يبتسمون في وجهي، يمررون أيديهم على شعري المتشابك كأعشاشٍ مهجورة، تُلمع عيونهم بالدموع وكأنني لوحةٌ حزينة تستحق البكاء، ثم يلوحون لي ببرودٍ قبل أن ينصرفوا. أسمعُ صَوت أقدامهم وهي تبتعد… لا يعودون. أعرفُ جيداً: نظراتُ الشفقةِ تلك، والاحتضانُ الدافئ المُزيَّف، مجردُ صورٍ تُرصَّد في ألبوم الذاكرة… لا أكثر.
الموت يمرُّ بجانبي ، يُشير إليَّ بإصبعه، يضحكُ حين أمدُّ يدي نحوه. أتوسلُ إليه أن يحملني، لكنه يرفض. يهمسُ: "مشاكلكِ تافهةٌ ".
أنا الخطيئةُ التي وُلدتْ بلا اسم. كُتبَ عليَّ أن أحملَ ذنبَ وجودي. الجميعُ يتمنى أن أختفي… حتى أنا. كنتُ أصرخُ في صمت: "افعلوها! اضغطوا على عنقي برفقٍ كي أموت… دمي رخيصٌ ولن يطالب به أحد". لكنهم فضَّلوا رميَ جسدي للكلاب الضالّة في حديقة المدينة. أرادوا إثباتَ براءتهم مني… وكأنني ورقةُ إثباتِ جريمةٍ تخلصوا منها و ألقوها في القمامة.
حين التقطني ذلك الرجلُ ، تمنيتُ أن يسمعَ همسي: "اتركني هنا… سأشكرك إلى الأبد". لكنه حملني بذراعين مُرتعدتين إلى مركز الشرطة. وقفَ أمام الضابط مُتذرعاً بضميره : "خفتُ أن يموت". ابتسم الضابطُ وكتبَ في تقريره: "تمَّ إنقاذ طفل".
في حضانة الخدج، غرست الممرضةُ إبرةَ المحاليل في ذراعي النحيل، ثم نظرت إليَّ بحزنٍ : "أين ضميرُ العالم؟". سأل الضابطُ الطبيبَ: "هل سيعيش؟". أجابَ الأخيرُ ببرودٍ : "هنا… من نتمنى له الحياةَ يموت ".
تناوبت الأيدي على حملي. امرأةٌ عاقرٌ أرادتْ أن تُطفئ بي ظمأ أمومتها… رفضني زوجُها: "لا أريدُ لقيطاً".
في الملجأ، تعلَّمتُ أن الحياةَ قاسيةٌ كحذاءٍ عسكري. كلُّ يومٍ أدفعُ ثمن هروب أبي… ثمن جُبن أمي… ثمن خوفِ العالم مني.
الآن، أركضُ في شوارع المدينة الضيقة، الكلابُ الضالّة تلاحقني. أسمعُها تُزَمجِرُ خلفي. أحاولُ الهرب، لكن قدميّ تخونانني… أَسقُطُ. تمزقُ أسنانُها ملابسي البالية… أتشققُ. أشعرُ أن شيئاً ما يتكسرُ بداخلي… يتناثر.
لم أعد طفلاً… بل شظايا زجاجٍ حادّةٍ مبعثرة . كلُّ قطعةٍ تُشبهُ قلوبَ مَن مروا بي: الممرضة، الضابط، الرجلُ الذي التقطني، المرأةُ العاقر… حتى الكلابُ الضالّةُ توقفتْ عن مطاردتي. أخيراً، صرتُ أنا الخطرَ الذي يخشونه.
توقفتُ عن الهرب. لم يعد هناك مكانٌ أخاف أن أصل إليه، ولا يدٌ ترتجف لتلتقطني. وقفتُ بين الأزقة الموحلة، نظرتُ إلى انعكاسي في بركة ماءٍ راكدة... طفلٌ ضئيلٌ بعينين فارغتين، جسدٌ نحيلٌ يلتف عليه القماشُ ككفنٍ مؤجل. لم أعد أعرف إن كنتُ أتنفس، أو إن كنتُ مجرد بقايا نبضٍ تائه.
في زاوية الحي، انحنى أحدهم فوقي، يداه ممتلئتان بالخطيئة والبرد. لم يكن رحيمًا، ولم يكن عابرًا كالبقية. لمسني كما يلمس المتسولُ قطعةَ الخبز اليابسة، وكأنني شيءٌ يحقُّ له امتلاكه. لم أقاوم. لم أصرخ. لم يعد للرفض معنى، فالرفض امتيازٌ لمن يملكون الحق في القول "لا".
تدور الأرض، ولا تتوقف المدينة عن ابتلاعي. تمر الليالي، وأنا أتعلم أن القسوةَ ليست صفة، بل سلاحٌ في حرب البقاء. أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن مجرد ضحية، بل مشروع وحشٍ يتغذى على ماضيه.
كبرتُ... لا أحد يتذكر ذلك الطفل الذي تركوه في الحديقة. لم يعد هناك جسدٌ هشٌّ تحمله الأذرع المترددة. لم تعد الكلاب تطاردني، بل أصبحتُ أنا من يزرع الخوف في العيون الهاربة. لم أعد أحتاج إلى شفقةٍ زائفة، ولا إلى يدٍ تمتد بحذر.
الآن، عندما يمر الموتُ بجانبي، لا يشير إليَّ، لا يسخر مني. فقط يمرُّ صامتًا... كأنه يخشى أن أُمسِكه هذه المرة، وأضحك أنا.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنواع التوحد ومستوياته.
- رسائل ما بعد الساعة الصفر
- أسباب التوحد والعوامل المؤثرة فيه
- تعريف اضطراب طيف التوحد.
- المرأة بين التهميش والتمكين: رحلة الحضور الإنساني عبر التاري ...
- حبٌّ بلا حدود... إلى التي رحلت في مثل هذا الشهر
- بعد أربعة عشر عامًا
- هوس الحقيقة
- -النور الذي أشرق في الرمال-
- الصيف القادم ورحيل الربيع
- «حين يوقظ الجمالُ الأخلاق»
- -نبضات عشق تحت سماء الغياب-
- اوركسترا السكون
- رسالة
- الرياضة: من ساحات الشرف إلى صناعة النجوم.. رحلة عبر الزمن
- الخط العربي في العصر الحديث: بين الأصالة والتجديد
- المدارس الكبرى في الخط العربي: المشرق، المغرب، والأندلس
- “الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمز ...
- المدارس الكبرى في الخط العربي: الجغرافيا حين تُنطِق الحرف
- الخطوط الوظيفية والشعبية: الرقعة، الديواني، الفارسي (النستعل ...


المزيد.....




- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - الطفل الذي ربَّته الهاوية