أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - “الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمزي والمعرفي”














المزيد.....

“الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمزي والمعرفي”


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 02:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تشهد المجتمعات العربية المعاصرة حالة من التوتر الرمزي والمعرفي حول مفاهيم الهوية والدين والحداثة، وهي مفاهيم لم تعد تُناقش ضمن حدودها النظرية فحسب، بل تحولت إلى أدوات للصراع الثقافي وإعادة تشكيل المجال العمومي. ويبرز هذا التوتر بصورة خاصة في الطريقة التي يُعاد بها تعريف بعض القيم المرتبطة بالانتماء الديني والثقافي، حيث أصبح التعبير عن التمسك بالمرجعيات التقليدية يُقرأ أحيانًا بوصفه مؤشرًا على النزعة المحافظة أو حتى التطرف، في مقابل تقديم الخطابات المتحررة من المرجعية المحلية باعتبارها التعبير الطبيعي عن الحداثة والعقلانية.
من منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن فهم هذه الظاهرة في إطار التحولات التي عرفتها الدولة الوطنية بعد العولمة، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول السلطة السياسية، بل امتد إلى المجال الرمزي المتعلق بإنتاج المعنى وتحديد الشرعية الثقافية. فالنخب الحديثة، المتأثرة في جزء من تكوينها بالنموذج الليبرالي الغربي، تميل إلى إعادة تأويل المجال الديني وفق معايير كونية تُعلي من الفردانية والحياد الثقافي، بينما ترى الفئات المحافظة أن هذه العملية لا تمثل مجرد تحديث فكري، بل تتضمن نوعًا من إعادة هندسة الهوية الجماعية وإضعاف المرجعيات المؤسسة للمجتمع.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم “الانفتاح على الآخر” مكانة مركزية داخل الخطاب الثقافي المعاصر، غير أن هذا المفهوم يظل إشكاليًا من الناحية الفلسفية والسوسيولوجية. فالانفتاح، بوصفه قيمة حضارية، يفترض وجود ذات ثقافية تمتلك قدرًا من الاستقلال الرمزي يسمح لها بالتفاعل مع الآخر دون فقدان بنيتها المرجعية. أما حين يتحول الانفتاح إلى عملية تفكيك مستمر للخصوصية الثقافية، فإنه يفقد طابعه التفاعلي ويتحول إلى نمط من الامتثال للنموذج المهيمن عالميًا.
لقد أشار عدد من منظري ما بعد الاستعمار إلى أن العلاقة بين المركز الغربي والمجتمعات غير الغربية ليست علاقة تبادل متكافئ بقدر ما هي علاقة تنتج أنماطًا مختلفة من الهيمنة الرمزية. وفي هذا الإطار، تصبح بعض النخب المحلية وسيطًا ثقافيًا يعيد إنتاج المفاهيم الغربية داخل بيئته الاجتماعية دون مساءلة كافية لشروطها التاريخية أو لمدى قابليتها للتطبيق خارج سياقها الأصلي. ومن هنا يمكن فهم حالة التوتر التي تنشأ عندما يُقدَّم التمسك بالهوية الدينية باعتباره عائقًا أمام الحداثة، بدل اعتباره تعبيرًا عن خصوصية تاريخية وثقافية تسعى إلى الحفاظ على توازنها الداخلي.
غير أن نقد الخطاب الحداثي لا يعني بالضرورة تبني موقف مضاد للحداثة أو رافض للتعددية الفكرية. فالمجتمعات الحديثة لا تُبنى على الانغلاق، وإنما على القدرة على إدارة الاختلاف ضمن إطار من الاعتراف المتبادل. ولذلك فإن الخلط بين المحافظة الثقافية والتطرف يمثل تبسيطًا اختزاليًا لمفاهيم معقدة، لأن التطرف، في تعريفه السياسي والفلسفي، يرتبط بإلغاء شرعية الاختلاف أو اللجوء إلى العنف الرمزي والمادي، وليس بمجرد الدفاع عن المرجعية الدينية أو الثقافية.
إن الإشكال الحقيقي الذي يواجه الخطاب العربي المعاصر لا يكمن في وجود اختلافات فكرية حول الدين أو الحداثة، بل في غياب أرضية معرفية مشتركة تسمح بإدارة هذا الاختلاف بصورة عقلانية. فحين تتحول المفاهيم إلى أدوات للإقصاء المتبادل، يصبح النقاش العمومي خاضعًا لمنطق الاستقطاب بدل أن يكون مجالًا لإنتاج المعرفة. ومن ثم، فإن الحاجة اليوم لا تتمثل في الانتصار الأيديولوجي لطرف على آخر، بقدر ما تتمثل في بناء مقاربة نقدية قادرة على التمييز بين التحديث بوصفه ضرورة تاريخية، وبين القطيعة مع الهوية بوصفها شكلًا من أشكال الاغتراب الثقافي.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المدارس الكبرى في الخط العربي: الجغرافيا حين تُنطِق الحرف
- الخطوط الوظيفية والشعبية: الرقعة، الديواني، الفارسي (النستعل ...
- خطّ الثلث: سلطان الخطوط وهيبة الجمال
- خط النسخ: خطّ العلم، والقراءة، وضبط العقل
- الخط الكوفي: الأنواع، المدارس، والروّاد
- الخط العربي والقرآن: من التدوين إلى القداسة الجمالية
- ولادة الخط العربي: الجذور، الإشكاليات، والنشأة التاريخية
- مستقبل علم الكيمياء الحيوية: الذكاء الاصطناعي، النظم المعقدة ...
- تطبيقات علم الكيمياء الحيوية: من التشخيص الطبي إلى الهندسة ا ...
- التقنيات والأدوات الحديثة في علم الكيمياء الحيوية: من الرصد ...
- التفاعلات الكيموحيوية وتنظيم الأيض ومسارات الطاقة: من الدينا ...
- مجالات علم الكيمياء الحيوية والبنية الجزيئية للحياة: من التر ...
- موقع الكيمياء في البناء العلمي للمعرفة الإنسانية
- الحليب بين الفوائد الصحية ومخاطر الإفراط في الاستهلاك: مقارب ...
- من لعنة الموارد إلى صراع المستقبل
- الموارد الطبيعية بين التنمية والدمار
- الموارد الاستراتيجية وصناعة الصراع والتحالف في العالم المعاص ...
- الموارد الطبيعية من منظور الجغرافيا السياسية
- «ثبات القلب في زمن التلوّن»
- مقامة الأرواح التي تلاقت بالكلمات


المزيد.....




- ترامب يهدد بـ-نسف- حليفته سلطنة عمان – ماذا وراء الأكمة؟
- أمريكا - إيران: هل تعطل الضربات المفاوضات؟
- حرارة الطقس: أي تداعيات المعمورة؟
- الجاموس -دونالد ترامب-..سخرَت منه إيران وأنقذته الشهرة!
- مقتل 16 طالبة وإصابة 79 في حريق بمدرسة للبنات في كينيا
- حرب إيران مباشر.. اتفاق أمريكي إيراني بانتظار موافقة ترمب وإ ...
- أمريكا.. القبض على ضابط استخبارات سابق بتهمة -سرقة سبائك ذهب ...
- بانتظار موافقة ترامب.. تقرير يتحدث عن اتفاق أمريكي إيراني بش ...
- رجل يطعن 3 أشخاص في محطة قطارات بسويسرا.. والسلطات تتحدث عن ...
- ترامب يدعم باشينيان قبل انتخابات أرمينيا التاريخية الحاسمة


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - “الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمزي والمعرفي”