أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - «ثبات القلب في زمن التلوّن»














المزيد.....

«ثبات القلب في زمن التلوّن»


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 22:49
المحور: قضايا ثقافية
    


في مقام الصدق: دراسة صوفية موسَّعة في جوهر الإنسان ووحدة الحقيقة
الصدق ليس خُلُقًا من أخلاق السلوك الظاهر فحسب، ولا قيمةً اجتماعية تُمدَح في الخطب ثم تُنسى في الواقع، بل هو بُعد وجوديّ، ومقام روحيّ، وامتحان كونيّ تتقاطع عنده الأديان، وتلتقي فيه الحكمة الإنسانية على اختلاف لغاتها وثقافاتها. الصدق هو النقطة التي إذا ثبتت في القلب استقام الإنسان، وإذا اختلّت تشظّى مهما بدا متماسكًا.
الصدق بوصفه ثباتًا وجوديًا لا تصلّبًا نفسيًا
حين يقول جبران خليل جبران:
«كل شيء ممكن أن يتغير، إلا الصادقون في مشاعرهم»
فهو لا يتحدث عن عنادٍ عاطفي، بل عن مركز داخليّ لا يخضع لقانون التقلّب. الصادق قد يتغيّر رأيه، ويتبدّل موقفه، ويعيد فهمه للعالم، لكنه لا يساوم على ما يشعر به حقيقةً، ولا يزيّف ما في داخله ليرضي الخارج. هذا الثبات هو ما يسميه المتصوفة “صدق الحال”، أي أن يكون ظاهر الإنسان امتدادًا لباطنه، لا قناعًا عنه.
ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا لا يقبل التأويل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
فالآية لم تقل “كونوا صادقين” فقط، بل “كونوا مع الصادقين”، لأن الصدق بيئة، ومجال طاقة روحية، لا مجرد صفة فردية. الصادق لا يعيش وحده، بل يعيش في حقل من النور يشبهه ويشدّه إليه.
الصدق والتصنّع – صراع القلب والصورة
يقول فيكتور هوغو:
«الصادقون لا يعرفون التصنّع، كلما همّوا بالتلوّن فضحهم بياض قلوبهم».
وهذا القول يمسّ جوهر الصراع الإنساني الحديث: صراع “الصورة” و“الحقيقة”. فالتصنّع هو محاولة النفس أن تُرضي الخارج على حساب الداخل، أن تُحسن الإخراج ولو فسد النص. أما الصادق، فحتى حين يحاول التلوّن اضطرارًا، تفضحه شفافيته؛ لأن القلب إذا صفا صار مرآة، والمرآة لا تكذب.
في هذا السياق، نفهم الحديث النبوي العميق:
«إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
فالقلب هو موضع النظر، لأنه موضع الصدق أو الزيف. وكل تصنّع لا يمرّ عبر القلب يبقى قشرةً سرعان ما تتشقق.
الصدق كغربال اجتماعيّ وخسارة واعية
يقول غابرييل غارسيا ماركيز:
«الصدق والصراحة قد لا تكسبك الكثير من الناس، لكنهما توفران لك أفضلهم، رغم قلتهم».
وهنا ننتقل من البعد الروحي إلى البعد الاجتماعي. فالصدق ليس مجّانيًا؛ له ثمن. ثمنه أن تقلّ الدائرة، وأن تخسر العلاقات الهشّة، وأن تصطدم بالمصالح، وأن تُتَّهم أحيانًا بالقسوة أو الغرور أو “عدم اللباقة”.
لكن الصدق يعمل كغربال: يُسقط من لا يحتمل النور، ويُبقي من يشبهك في العمق. ولهذا قال بعض الحكماء: “الوحدة مع الصدق خير من ألف صحبة مع الزيف”. وهذا المعنى حاضر في القرآن بوضوح أخلاقيّ حاسم:
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
فالصدق لا يقبل المنطقة الرمادية طويلًا؛ إما حقّ يُحتمل، أو ضلال يُتزيّن.
الصدق في الديانات الإبراهيمية – وحدة المعنى واختلاف التعبير
في التوراة نجد تركيزًا واضحًا على الاستقامة بوصفها صدقًا عمليًا:
«الماشي بالكمال يمشي آمنًا».
والكمال هنا ليس العصمة، بل النزاهة الداخلية، أن لا يكون للإنسان وجهان. فالأمان ثمرة الصدق، لأن الكاذب يعيش في خوف دائم من انكشافه.
وفي الإنجيل يتخذ الصدق بعدًا تحريريًا:
«تعرفون الحق، والحق يحرّركم».
فالحرية هنا ليست سياسية ولا اجتماعية، بل تحرّر من الوهم، من الكذب على الذات، من الخوف من الحقيقة. الصدق يوجع، لكنه يحرّر؛ والكذب يسكّن مؤقتًا، لكنه يستعبد.
الصدق في الحكم الشرقية – صفاء الذهن وانطفاء الوهم
في البوذية، يُعدّ “القول الصحيح” أحد أركان الطريق النبيل ذي الثمانية فروع. والقول الصحيح لا يعني فقط عدم الكذب، بل الامتناع عن كل خطاب يزرع الوهم أو الأذى. لأن الكلمة الكاذبة تشوّش الذهن، والذهن المشوّش يعيد إنتاج المعاناة.
أما في الطاوية، فيُنظر إلى الصدق بوصفه انسجامًا مع “الطاو”؛ أي مع الطريق الكوني. فالإنسان الصادق لا يُجاهد ليُثبت ذاته، لأنه منسجم مع إيقاع الوجود. ولهذا قيل: “من عرف نفسه صدق، ومن صدق استراح”.
سادسًا: الصدق في التصوف الإسلامي – من صدق اللسان إلى صدق الوجود
يميّز المتصوفة بين صدق اللسان، وصدق النية، وصدق الحال، وصدق المقام. فقد يصدق الإنسان في كلامه، لكنه يكذب في دوافعه. وقد تصدق نيته، لكن يخونه فعله. أما الصادق الكامل، فهو من تساوت عنده السريرة والعلانية.
قال الجنيد: “الصدق هو استواء السر والعلانية”.
وقال بعضهم: “أصدق الناس من نسي الصدق، لأنه لم يعد محتاجًا لإثباته”.
ولهذا كان النبي ﷺ يُلقّب بالصادق الأمين قبل البعثة؛ لأن الصدق كان هويته، لا صفته. لم يكن يتصنّع الصدق، بل كان الصدق حاله الطبيعي.
الصدق كطريق كونيّ لا يشيخ
الصدق ليس فضيلة أخلاقية تُضاف إلى الإنسان، بل هو عودة الإنسان إلى أصله. هو أن تكفّ عن الهروب من نفسك، وأن تتصالح مع حقيقتك، وأن تمشي خفيفًا بلا أقنعة. لذلك يظل الصادق غريبًا في عالم مزدحم بالصور، لكنه غريبٌ مألوف للحقيقة.
وفي عالم يتقن التلوّن، يظل الصدق فعل مقاومة هادئة، وصلاة بلا كلمات، وشهادة وجودية تقول:
يمكن للإنسان أن يخسر الكثير…
لكن إذا ربح نفسه، فقد ربح كل شيء.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأرواح التي تلاقت بالكلمات
- حين تكسر الذات مراياها
- سِفرُ الفناء في مرآةِ الحروف
- العناد والحوار: كيف نصل إلى نقطة التقاء؟
- مناجاة إلى روحك
- تفكيك سردية الأصل والهوية في شمال إفريقيا: قراءة نقدية في نص ...
- -حوار تحت شجرة الزيتون: حين يلتقي الحب بالزمن-
- الواقعية والرمزية والمعنى الجمالي والفاعل بينهما
- إلى التي رحلت...............
- رحلة الروح نحو النور •
- جدلية الوعي بين عبء الإدراك وإمكان المعنى
- المتهم الأول في قائمة أمراض العصر-
- ارتفاع البروتين في الدم: نظرة متعمقة مع التركيز على الدراسات ...
- سلامة استهلاك البيض: مقاربة علمية للتخزين والصلاحية
- فوائد الشمر / البسباس / للرجال: دراسة علمية شاملة مع التركيز ...
- أدب الأطفال كأداة تربوية لتنمية مهارات التكيف مع تحديات المس ...
- في انتظارك
- الكركم بين الفوائد والمخاطر: مراجعة علمية مدعمة بالدراسات
- إلى التي رحلت
- ملك الحنينُ فؤادَهُ وتَعجَّلا وسرى بليلٍ لِلِّقَا فتَرحَّلا ...


المزيد.....




- سجال سياسي محتدم.. نائب ترامب يهاجم الديمقراطيين وبوتيجيج ير ...
- مسؤول إسرائيلي: اتصال بين نتنياهو وترامب بينما تدرس أمريكا خ ...
- المحكمة العليا في السعودية: الاثنين غُرة ذي الحجة وهذا موعد ...
- قرقاش عن استهداف محطة براكة للطاقة النووية: -لن يلوي أحد ذرا ...
- التفشي الـ 16.. إيبولا يضرب مجددا الكونغو
- سلالة جديدة من إيبولا: حقائق أساسية لفهم التفشي الحالي
- شروط أمريكية وتوعد إيراني وتأهب إسرائيلي.. هل حانت عودة الحر ...
- بين دموع الفرح وصبر السنين.. قوافل الحجاج الأردنيين تنطلق نح ...
- بزشكيان لوزير الداخلية الباكستاني: نسعى لعلاقات ودية مع دول ...
- هل تسلم أموالك للذكاء الاصطناعي؟ ميزة جديدة بشات جي بي تي تث ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - «ثبات القلب في زمن التلوّن»