أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - العناد والحوار: كيف نصل إلى نقطة التقاء؟














المزيد.....

العناد والحوار: كيف نصل إلى نقطة التقاء؟


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 20:50
المحور: قضايا ثقافية
    


العناد هو أحد الصفات البشرية المعقدة التي تتجلى في تمسك الإنسان برأيه أو موقفه، سواء كان ذلك في مواجهة الحق أو من أجل تحقيق أهداف نبيلة. هذا السلوك قد يكون سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن أن يكون مصدرًا للقوة والإصرار على المواقف الصحيحة، ولكنه قد يؤدي أيضًا إلى التحدي الذي يعطل العلاقات أو يحول دون الاستفادة من التجارب والخبرات الجديدة. من منظور ديني وفلسفي، وكذلك في الدراسات الأكاديمية، يختلف تقييم العناد بحسب الظروف التي يظهر فيها وكيفية توجيهه.
القرآن الكريم تناول مفهوم العناد في سياق الكفر والاستكبار عن قبول الحق. إحدى أبرز القصص التي تجسد العناد هي قصة إبليس عندما رفض السجود لآدم، معترفًا بعناده تجاه أمر الله. قال تعالى في سورة الأعراف: "قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم" (الأعراف: 16).
إبليس هنا يعلن بوضوح عن عناده ورفضه الانصياع لأمر الله، مجسدًا العناد الذي يقود صاحبه إلى الضلال. العناد هنا لا يتعلق بالإصرار على الحق، بل بالتمسك بالباطل ورفض التغيير، وهذا ما يسبب السقوط والهلاك.
وفي سورة البقرة، نرى مثالًا آخر للعناد في تعامل بني إسرائيل مع أوامر الله، حيث يقول تعالى: "فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء بما كانوا يفسقون" (البقرة: 59).
هذا العناد في مواجهة الأوامر الإلهية يشير إلى رفض الاستجابة للحق والتمسك بالخطأ عن قصد، ما أدى إلى العقاب الإلهي.
السنة النبوية تحذر من العناد في الجدل والتمسك بالرأي إذا كان يؤدي إلى الابتعاد عن الحق. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا" (رواه أبو داود).
الحديث الشريف يشير إلى أن المراء أو الجدل العنيد هو سبب للابتعاد عن الهدى. ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية ترك الجدل والعناد في سبيل تحقيق التفاهم والوصول إلى الحق، لأن العناد هنا لا يؤدي إلا إلى تصعيد التوتر وتعطيل الحوار البنّاء.
في السياق الأكاديمي، تناولت العديد من الدراسات تأثير العناد على السلوك الاجتماعي والنفسي. دراسة نُشرت في Journal of Personality and Social Psychology أشارت إلى أن الأفراد الذين يظهرون عنادًا مفرطًا يميلون إلى التصرف بناءً على مشاعرهم دون مراجعة منطقية لمواقفهم. هذه الصفة تجعلهم أقل قدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة، مما يعيق تطورهم الشخصي والعلاقات الاجتماعية.
في دراسة أخرى نُشرت في Journal of Applied Psychology، وُجد أن العناد يمكن أن يكون نتيجة لتجارب سابقة يشعر فيها الفرد بأن تخليه عن رأيه يمثل ضعفًا. لذلك، يصبح العناد وسيلة لحماية الذات والدفاع عن الهوية، حتى وإن كان في بعض الأحيان على حساب الحكمة والتفكير النقدي.
الفلاسفة قدموا وجهات نظر متنوعة حول العناد. سقراط، على سبيل المثال، كان يرى أن العناد نتاج للجهل وعدم الرغبة في الاعتراف بالخطأ، وأنه يعوق تحقيق الحكمة. كان سقراط دائمًا يشجع على الحوار المفتوح للوصول إلى الحقيقة، معتقدًا أن العناد يغلق الأبواب أمام التعلم والتطور.
إيمانويل كانط، الفيلسوف الألماني، رأى أن العناد هو تعبير عن قصور العقل إذا لم يكن موجهًا نحو البحث عن الحقيقة. الإنسان الذي يرفض مراجعة أفكاره أو الاستماع للآخرين يعوق دور العقل في قيادة النفس إلى التنوير.
من ناحية أخرى، رأى نيتشه أن العناد قد يكون تعبيرًا عن "إرادة القوة"، التي هي جوهر حياة الإنسان في سعيه لتحقيق أهدافه ومبادئه. لكنه حذر من أن العناد المفرط يمكن أن يقود إلى العنف أو التسلط إذا لم يكن مرتبطًا بالحكمة.
الأدباء تناولوا العناد أيضًا بوصفه عنصرًا دراميًا يعكس الصراع الداخلي والخارجي. ليو تولستوي، في روايته "آنا كارنينا"، يعرض كيف أن العناد قد يؤدي إلى تدمير حياة الشخص وعلاقاته. شخصيات الرواية التي تتمسك بمواقفها العنيدة تجد نفسها في نهاية المطاف تدفع ثمنًا باهظًا نتيجة لعدم قدرتها على التراجع أو التنازل.
في الأدب العربي، نجد أن أبو الطيب المتنبي يتحدث عن العناد والكرامة في قصائده، ولكنه يحذر من أن العناد المفرط قد يؤدي إلى الهلاك. يقول في أحد أبياته:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم.
هنا يشير المتنبي إلى أهمية التمسك بالكرامة والشرف، ولكن دون الوقوع في فخ العناد الذي يعمي الإنسان عن رؤية الواقع.
من الناحية النفسية، يُعتبر العناد جزءًا من سمات الشخصية التي يمكن أن تكون دفاعية. في دراسة نفسية أجرتها جامعة هارفارد، أشار الباحثون إلى أن العناد قد ينشأ بسبب تجارب الطفولة أو البيئات الصعبة التي يتعرض فيها الفرد لضغوطات تدفعه إلى التمسك برأيه كوسيلة للحفاظ على توازنه النفسي. ومع ذلك، إذا لم يتم توجيه العناد بالشكل الصحيح، فقد يؤدي إلى عزلة الفرد وتدهور علاقاته الاجتماعية.
من منظور ديني وفلسفي، يتراوح العناد بين القوة والضعف. في الإسلام، نجد أن التمسك بالحق والمبادئ يعد قوة، كما جاء في قول الله تعالى: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار" (هود: 113).
العناد هنا يمثل التمسك بالعدالة ورفض الرضوخ للظلم. لكن في الوقت نفسه، التحذير من العناد الذي يمنع الإنسان من التوبة أو الاعتراف بالخطأ يعكس الضعف النفسي الذي يعيق التطور الروحي والعقلي.من خلال الشواهد الدينية والفلسفية والدراسات الأكاديمية، نجد أن العناد صفة يمكن أن تكون بنّاءة أو هدامة بحسب كيفية توجيهها. إذا استخدم العناد في التمسك بالحق والمبادئ الصحيحة، فإنه يعكس قوة داخلية. أما إذا تحول إلى رفض للتغيير والتعلم، فإنه يصبح عبئًا يؤدي إلى تدمير العلاقات وإعاقة التطور الشخصي. التوازن بين الثبات على المبادئ والانفتاح على الحوار والتفاهم هو السبيل الأمثل لتجنب سلبيات العناد والاستفادة من قوته في صنع الحياة الأفضل.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مناجاة إلى روحك
- تفكيك سردية الأصل والهوية في شمال إفريقيا: قراءة نقدية في نص ...
- -حوار تحت شجرة الزيتون: حين يلتقي الحب بالزمن-
- الواقعية والرمزية والمعنى الجمالي والفاعل بينهما
- إلى التي رحلت...............
- رحلة الروح نحو النور •
- جدلية الوعي بين عبء الإدراك وإمكان المعنى
- المتهم الأول في قائمة أمراض العصر-
- ارتفاع البروتين في الدم: نظرة متعمقة مع التركيز على الدراسات ...
- سلامة استهلاك البيض: مقاربة علمية للتخزين والصلاحية
- فوائد الشمر / البسباس / للرجال: دراسة علمية شاملة مع التركيز ...
- أدب الأطفال كأداة تربوية لتنمية مهارات التكيف مع تحديات المس ...
- في انتظارك
- الكركم بين الفوائد والمخاطر: مراجعة علمية مدعمة بالدراسات
- إلى التي رحلت
- ملك الحنينُ فؤادَهُ وتَعجَّلا وسرى بليلٍ لِلِّقَا فتَرحَّلا ...
- بين الغرافيت والفكر: حكاية قلم الرصاص عبر الزمن
- عالم الأسماك: أسرار الحياة والتكاثر في أعماق البحار
- حكاية الحب والعمر: ضحكات تختبئ خلف الدموع
- موتى بلا كفن


المزيد.....




- بعد لقاء الشرع.. جمال سليمان يؤكد مجددا على ثوابته كمواطن سو ...
- إعلام إيراني ينشر -شروط طهران الخمسة- لإنهاء الحرب مع أمريكا ...
- نداء إلى أعضاء مجلس النواب لرفض مد الدورة النقابية
- بوتين يفتح باب الجنسية الروسية أمام سكان ترانسنيستريا.. ومول ...
- ترامب يلمح للتصعيد العسكري مع إيران وغيرالد فورد تعود للولاي ...
- وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان يزور الجزائر الإثنين
- كأس الاتحاد الأفريقي: اتحاد العاصمة بطلا للمرة الثانية بعد ف ...
- تشابي ألونسو مدربا جديدا لنادي تشيلسي
- بين الاغتيالات ورسائل النار.. غزة تواجه تصعيداً إسرائيلياً ج ...
- بذكرى النكبة.. مظاهرة في باريس تضامنا مع الشعب الفلسطيني


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - العناد والحوار: كيف نصل إلى نقطة التقاء؟