أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -النور الذي أشرق في الرمال-















المزيد.....

-النور الذي أشرق في الرمال-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 04:57
المحور: الادب والفن
    


كانت السماء تمتد بلا نهاية، تحتضن الرمال الممتدة كبحرٍ ساكن، وفي هذا الامتداد كانت روحي تائهة. كنتُ أقف هناك، وسط صحراءٍ بلا حدود، والريح تهب في صدري كأنها تبحث عن شيء مفقود. لم أكن أعلم ما الذي أوصلني إلى هنا، إلى هذا الفراغ الذي يلتهم كل شيء، لكنني شعرت أن هذه الصحراء ليست خارجية، بل كانت تنبض في داخلي.
"كيف وصلتُ إلى هنا؟
كنتُ أسأل نفسي، لكن الإجابة لم تأتِ. الريح في صدري كانت تجيبني بدلًا من ذلك، بصوتٍ يشبه الصمت:
"أنت هنا لأنك لا تعرف وجهتك. لأنك فقدت الطريق إلى ذاتك."
كنتُ أسمع صوت الرمال، خطواتي فوقها كانت كأنها محاولاتٍ يائسة لترك أثرٍ في أرضٍ لا تحتفظ بشيء. شعرتُ أن هذه الصحراء رمزٌ لما بداخلي: القلق الذي لا يهدأ، والفراغ الذي يبتلع كل لحظة أمل.
"هل ستبتلعني هذه الصحراء؟ أم أنني سأجد فيها النور؟" كنتُ أسأل، لكنني كنت أجيب نفسي:
"النور؟ في هذا الخلاء؟ كيف يمكن أن يكون هناك نورٌ في مكانٍ لا حياة فيه؟"
وفي لحظةٍ بدا فيها أن الزمن توقف، سمعت صوت الريح يهمس لي. لم تكن مجرد ريح، بل بدت كأنها شيء أكثر من ذلك، كأنها روح الصحراء نفسها:
"أيها التائه، لماذا تبحث عن النور خارجك؟ النور ليس في الأفق البعيد، بل في أعماقك."
توقفت عن السير. وقفتُ ساكنًا، كأنني أخشى أن أتحدث. ثم أجبت، وكأنني أكلم نفسي:
"لكنني أشعر بالفراغ. الصحراء في صدري تهبُّ كالريح، تبتلع كل شيء... كيف أجد النور وسط هذا الخراب؟"
ردَّت الريح، لكن صوتها كان كأنَّه ينبع من داخلي:
"الصحراء ليست خرابًا، بل هي صفحةٌ بيضاء. الفراغ الذي تشعر به هو مساحةٌ خُلقت لتُملأ بالنور. لكن عليك أن تنظر في داخلك أولًا."
أغمضتُ عينيّ، محاولًا الهرب من الفراغ حولي، لكن شيئًا غريبًا حدث. بدأتُ أشعر أنني لم أعد في صحراء، بل في مكانٍ آخر... مكانٍ لا حدود له. رأيتُ نورًا خافتًا ينبعث من داخلي، كما لو أن شيئًا كان مختبئًا في أعماقي طوال الوقت، ينتظر هذه اللحظة ليظهر.
"هل كان النور دائمًا هنا؟" سألتُ نفسي.
سمعت صوتًا داخليًا يجيبني:
"النور لا يختفي. أنت فقط كنت تبتعد عنه. كل خطوةٍ في هذه الصحراء كانت تقودك إليه، لكنك كنت تنظر في الاتجاه الخاطئ."
بدأت أشعر بشيء مختلف. الريح التي كانت تهب في صدري لم تعد قلقًا، بل أصبحت موسيقى هادئة. الرمال تحت قدمي لم تعد تبدو عدوانية، بل كأنها ترحب بي.
"هل كانت هذه الصحراء عقابي أم طريق خلاصي؟"
سمعت الإجابة كأنها تأتي من روحي نفسها:
"الصحراء لم تكن يومًا عدوك. إنها مرآة. كانت تعكس ما في داخلك. أنت من جعلتها قاحلة، وأنت من يستطيع أن يجعلها تزهر."
وقفتُ هناك، الرمال تحيط بي كبحرٍ لا قرار له، والريح تهب كأنها تنبض مع قلبي. شعرت أنني لم أعد وحدي، أن الصحراء لم تكن فقط فضاءً فارغًا، بل كيانًا حيًا، يتحدث معي بلغته الخاصة.
همستُ لها، بصوتٍ خرج من أعماقي:
"كنتُ أهرب منكِ طوال الوقت. اعتقدتُ أنكِ عدوي، أنكِ تمثلين الفراغ الذي أخشاه، الغياب الذي ينهشني. لكن الآن أدركتُ... كنتِ أنتِ نفسي. كنتُ أهرب من مواجهة روحي، من الفراغ الذي صنعته داخلي بخوفي وقلقي."
الصحراء لم تجب، لكن الريح توقفت للحظة، كأنها تُنصت. استجمعت شجاعتي وواصلت:
"أنتِ لستِ خرابًا، بل أنتِ صفحةٌ بيضاء. كل ما ظننته ظلامًا فيكِ كان مجرد مساحة لم أملأها بالنور. أنا من جعلتكِ قاحلة، وأنا من يستطيع أن يزرعك."
شعرت بشيء يتحرك داخلي، كأن الكلمات نفسها تُعيد تشكيل كياني. كنت أعترف لها، لكنني في الحقيقة كنت أعترف لنفسي.
شعرت أن الصحراء تُجيبني، ليس بالكلمات، بل بطريقة أعمق. الريح أصبحت نَسَماتٍ هادئة، كأنها تهدهدني. الرمال، التي كانت تبدو كأنها تُبتلعني، أصبحت تحت قدميّ ثابتة، تمنحني القوة.
قالت لي الصحراء، من خلال هذا التجلي:
"أنا لم أكن يومًا فراغك، بل كنتُ انعكاسًا لما في داخلك. أنا مرآةٌ لكل ما تحمله في قلبك. حين كنتَ قلقًا، كنتُ صاخبة. حين كنتَ خائفًا، كنتُ شاسعة. لكن حين تذكرتَ النور، أصبحتُ فضاءً يحتضنك، يقودك إلى ذاتك."
أجبتُها، كأننا أصبحنا كيانًا واحدًا:
"كنت أبحث عن النور في البعيد، في الآفاق التي لا تُرى، لكنني أدركتُ الآن... النور لم يغب أبدًا. كان دائمًا هنا، في قلبي، ينتظرني أن أتوقف عن الركض."
أغمضتُ عينيّ، وشعرت أنني لست في صحراء فقط، بل في فضاء داخلي لا حدود له. كانت الرياح الآن تغني، تغمرني كأنها ألحانٌ تنبع من روحي. بدأت الرمال تحت قدميّ تتحول إلى أرضٍ خصبة، كأن الصحراء بأكملها تستجيب لتحولي الداخلي.
"هل كانت هذه الصحراء انتظارًا؟" سألت نفسي.
"هل كانت تنتظرني أن أملأها بالحياة؟"
فتحتُ عينيّ، وشعرت بالنور يحيطني، لكنه لم يكن من الشمس فقط، كان ينبع من داخلي. كانت الصحراء الآن زاخرة، لم تعد قاحلة كما كنت أراها. كانت مليئة بالاحتمالات، بالوعود.
نظرتُ إلى الأفق وقلتُ:
"لقد فهمت. الصحراء ليست عدوًا، بل معلم. الفراغ الذي كنت أخشاه كان هديتكِ لي. الفراغ ليس النهاية، بل هو مساحةُ الميلاد. والآن، حان دوري أن أزرعكِ بالنور."
الصحراء لم تجب، لكنها ابتسمت. شعرت بذلك في النسيم الهادئ، في الرمال التي احتضنت قدميّ، في الأفق الذي بدا وكأنَّه يُشير إلى بداياتٍ جديدة.
حين خطوتُ خارج الصحراء، لم أكن الشخص ذاته الذي دخلها. كنت أعلم أن الصحراء ستظل دائمًا جزءًا مني، لكنها لم تعد قلقًا أو خوفًا. أصبحت مساحة للسكينة، ملاذًا أعود إليه كلما احتجتُ إلى تذكير بنفسي.
"النور لم يكن يومًا في الخارج. كان دائمًا داخلي. الصحراء كانت فقط تُرشدني إليه، حين كنتُ على استعداد لرؤيته."
الفراغ الذي كنت أهرب منه أصبح الآن جزءًا من كينونتي. لم يعد يمثل العدم، بل الإمكانية.
الصحراء في صدري لم تعد صحراء قاحلة. أصبحت واحة. أدركت أن النور لا يُخلق من الخارج، بل ينبع حين نواجه أنفسنا بشجاعة. الرحلة التي كانت تبدو كتيهٍ لا نهاية له، كانت طريقًا للعودة إلى الذات.
"الفراغ هو البداية. النور يولد حين نتوقف عن الهرب. الصحراء كانت مرآتي، وحين عرفت ذاتي، ملأها النور."
كان هذا اعترافي الأخير، وكان هذا سلامي الذي طالما بحثت عنه.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصيف القادم ورحيل الربيع
- «حين يوقظ الجمالُ الأخلاق»
- -نبضات عشق تحت سماء الغياب-
- اوركسترا السكون
- رسالة
- الرياضة: من ساحات الشرف إلى صناعة النجوم.. رحلة عبر الزمن
- الخط العربي في العصر الحديث: بين الأصالة والتجديد
- المدارس الكبرى في الخط العربي: المشرق، المغرب، والأندلس
- “الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمز ...
- المدارس الكبرى في الخط العربي: الجغرافيا حين تُنطِق الحرف
- الخطوط الوظيفية والشعبية: الرقعة، الديواني، الفارسي (النستعل ...
- خطّ الثلث: سلطان الخطوط وهيبة الجمال
- خط النسخ: خطّ العلم، والقراءة، وضبط العقل
- الخط الكوفي: الأنواع، المدارس، والروّاد
- الخط العربي والقرآن: من التدوين إلى القداسة الجمالية
- ولادة الخط العربي: الجذور، الإشكاليات، والنشأة التاريخية
- مستقبل علم الكيمياء الحيوية: الذكاء الاصطناعي، النظم المعقدة ...
- تطبيقات علم الكيمياء الحيوية: من التشخيص الطبي إلى الهندسة ا ...
- التقنيات والأدوات الحديثة في علم الكيمياء الحيوية: من الرصد ...
- التفاعلات الكيموحيوية وتنظيم الأيض ومسارات الطاقة: من الدينا ...


المزيد.....




- مدارس الباليه الكلاسيكي الأمريكي الكبرى.. صروح فنية شُيدت بأ ...
- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -النور الذي أشرق في الرمال-