أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - «حين يوقظ الجمالُ الأخلاق»














المزيد.....

«حين يوقظ الجمالُ الأخلاق»


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 12:01
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الجمالُ زينةَ عينٍ فحسب، بل هو ارتعاشةُ ضميرٍ حين يلامسُ المعنى. إنّه تلك القوّة الخفيّة التي تدفع الإنسان إلى أن يكون أرقى ممّا هو عليه، كأنّ الروح إذا أبصرت جمالًا صادقًا تذكّرت موطنها الأول. لذلك لم تنظر الأديان إلى الجمال بوصفه سطحًا لامعًا، بل بوصفه طريقًا إلى الإحسان، ولا تأمّلته الفلسفة كمتعة حسّية عابرة، بل كسُلّمٍ يرتقي به الإنسان نحو الخير.
في الروح الإسلامية، يتجلّى الجمال كدعوة إلى الإحسان؛ أن يُتقن الإنسان عمله كما يُحسن هيئته، وأن ينسجم ظاهره مع باطنه. وقد رأى جلال الدين الرومي أن الجمال الإلهي هو الجاذبية الكبرى التي تشدّ الكائن نحو النور، حتى ليكاد يقول إنّ العشق هو استجابة الروح لذلك النداء الخفي. ومن هنا يصبح الجمال طاقة أخلاقية، لا مجرّد ذائقة. ويصدح أحمد شوقي بالحقيقة ذاتها حين يربط بقاء الأمم بأخلاقها، فكأنّ جمال الأمة في سلوكها، لا في عمرانها.
ولعلّ سيرة محمد علي كلاي مثالٌ حيّ على هذا التداخل بين الجمال والقيمة؛ فقد كان حضوره الجسدي وثقته اللافتة بنفسه أكثر من استعراض بطولي، لقد تحوّلا إلى منبرٍ لمناهضة الظلم والتمييز. أدرك أنّ الجمال إن لم يُترجم إلى عدلٍ صار غرورًا، وإن لم يُسند بقيمةٍ أخلاقية أصبح صدىً فارغًا.
وفي الروح المسيحية، يتخذ الجمال وجهًا آخر: وجه المحبة. إنّه الجمال الذي يتجلى في التضحية والعطاء، لا في البهرجة. وهنا تقف سيرة الأم تيريزا شاهدًا على أن أبسط المظاهر قد تخفي أبهى القيم؛ فقد صار تواضعها صورةً للجمال الرحوم، وأضحى فعلها الإنساني قصيدةً تمشي على قدمين.
أما في التعاليم البوذية، فالجمال انسجامٌ داخلي، وسلامٌ يتخلّص من الأنانية. ومن هذا المعنى تنبثق دعوات دالاي لاما إلى التعاطف بوصفه أسمى أشكال الجمال؛ فالعالم لا يزداد بهاءً بكثرة زخارفه، بل بكثرة رحمته.
وحين نغادر ساحة الدين إلى رحاب الفلسفة، نجد أفلاطون في حواره الشهير المأدبة يصوّر الجمال كسلّمٍ يبدأ بالإعجاب بالصورة، ثم يرتقي إلى حبّ النفوس، ثم إلى تأمّل الخير المطلق. كأنّ العين بوابة، لكن القلب هو المقصد. ومن هنا نفهم كيف يمكن لصوتٍ جميلٍ أو حضورٍ فنيٍّ أن يتحول إلى قيمة اجتماعية؛ فصوت فيروز لم يكن نغمًا فحسب، بل صار رمزًا للسلام والحنين والهوية، حتى غدا الجمال الفني ذاكرةً أخلاقيةً مشتركة.
ويأتي إيمانويل كانط في كتابه نقد ملكة الحكم ليقول إنّ الحكم الجمالي الصادق خالٍ من المصلحة؛ نحن نحبّ الشيء الجميل لذاته، لا لمنفعته. أليس في هذا تدريبٌ خفيٌّ على العدالة؟ فحين يتعلّم الإنسان أن يقدّر الجمال دون أن يمتلكه، يتعلّم أن يحترم الآخر دون أن يستغله. وربما لهذا تحوّلت أنجلينا جولي من رمزٍ جماليٍّ في عالم السينما إلى صوتٍ إنسانيٍّ يدافع عن اللاجئين؛ إذ سخّرت حضورها الإعلامي ليكون جسراً نحو القضايا الأخلاقية، فصار الجمال مسؤولية.
غير أنّ الوجه الآخر للحكاية يذكّرنا بأنّ الجمال قد يكون عبئًا إذا حُصر في الصورة. لقد عانت مارلين مونرو من اختزالها في قالبٍ واحد، فتكشّف الجانب المظلم من مجتمعٍ يُقدّس الشكل ويُهمل الروح. هنا يتحوّل الجمال من طاقة تحرير إلى قيدٍ خفيّ.
ويأتي الشعر ليختصر الفكرة في ومضة؛ إذ يقول نزار قباني إن الجمال وجه الوطن في المنفى، كأنّه الهوية حين تتجرّد من الخرائط. بينما يهمس فريدريش نيتشه بأن الحياة بلا موسيقى خطأ، لأن الجمال الفني ليس ترفًا بل ضرورة توازن، يحفظ الإنسان من قسوة الواقع.
وهكذا يتبين أن الجمال لا يخلق الأخلاق آليًا، لكنه يوقظها. إنّه الشرارة التي تذكّر الإنسان بقدرته على السمو. قد يكون في ابتسامةٍ صادقة، أو في صوتٍ عابر، أو في موقفٍ شجاعٍ أمام ظلمٍ معلن. فإذا اتصل الجمال بالضمير صار عدلًا ورحمة، وإذا انفصل عنه أصبح قناعًا هشًّا.
الجمال الحقيقي إذن ليس ما تراه العين، بل ما يتركه الإنسان من أثرٍ في قلوب الآخرين. فكلّما ازداد العالم تعاطفًا، ازداد جمالًا. وكلّما ارتقت النفوس، صار الجمال سلوكًا… وصار السلوك صلاةً صامتة في محراب الإنسانية.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -نبضات عشق تحت سماء الغياب-
- اوركسترا السكون
- رسالة
- الرياضة: من ساحات الشرف إلى صناعة النجوم.. رحلة عبر الزمن
- الخط العربي في العصر الحديث: بين الأصالة والتجديد
- المدارس الكبرى في الخط العربي: المشرق، المغرب، والأندلس
- “الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمز ...
- المدارس الكبرى في الخط العربي: الجغرافيا حين تُنطِق الحرف
- الخطوط الوظيفية والشعبية: الرقعة، الديواني، الفارسي (النستعل ...
- خطّ الثلث: سلطان الخطوط وهيبة الجمال
- خط النسخ: خطّ العلم، والقراءة، وضبط العقل
- الخط الكوفي: الأنواع، المدارس، والروّاد
- الخط العربي والقرآن: من التدوين إلى القداسة الجمالية
- ولادة الخط العربي: الجذور، الإشكاليات، والنشأة التاريخية
- مستقبل علم الكيمياء الحيوية: الذكاء الاصطناعي، النظم المعقدة ...
- تطبيقات علم الكيمياء الحيوية: من التشخيص الطبي إلى الهندسة ا ...
- التقنيات والأدوات الحديثة في علم الكيمياء الحيوية: من الرصد ...
- التفاعلات الكيموحيوية وتنظيم الأيض ومسارات الطاقة: من الدينا ...
- مجالات علم الكيمياء الحيوية والبنية الجزيئية للحياة: من التر ...
- موقع الكيمياء في البناء العلمي للمعرفة الإنسانية


المزيد.....




- فيديو ما قاله ترامب للشيخ محمد بن زايد باللقاء الثنائي يلاقي ...
- اختلاف أسلوب تحية السيسي عن محمد بن زايد وتميم بن حمد بتدوين ...
- محمد بن زايد -محارب- والموقف من اتفاق إيران.. فيديو ترامب بل ...
- فانس يعترف بإيمانه -بنظريات المؤامرة- المتعلقة بإبستين
- كوبا: الحصار الأمريكي ألحق أضرارا بمليارات الدولارات وفاقم م ...
- هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024
- الدفاع الألمانية تتوقع زيادة الأبحاث العسكرية المعتمدة على ا ...
- صحيفة أمريكية: التكتيك الجديد يمكن الجيش الروسي من تدمير الد ...
- لماذا لا يضمن الاتفاق الأمريكي الإيراني السلام؟
- تحذير من مخاطر سماعات الرأس


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - «حين يوقظ الجمالُ الأخلاق»