أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - المرأة بين التهميش والتمكين: رحلة الحضور الإنساني عبر التاريخ والفلسفة















المزيد.....

المرأة بين التهميش والتمكين: رحلة الحضور الإنساني عبر التاريخ والفلسفة


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 12:15
المحور: قضايا ثقافية
    


تُعدّ المرأة أحد أهم أعمدة الحياة الإنسانية، فهي شريكة الرجل في بناء الحضارات وصناعة التاريخ وتربية الأجيال وصناعة القيم. ومنذ بداية الوجود البشري، لم تكن المرأة عنصرًا هامشيًا في المجتمع، بل كانت جزءًا أساسيًا من مسيرة الإنسان نحو التقدم والاستقرار. ومع ذلك، اتسمت مسيرتها التاريخية بتناقضات عديدة؛ فقد حظيت بالتقدير والاحترام في بعض المراحل، بينما تعرضت في مراحل أخرى للتهميش والإقصاء. لذلك فإن دراسة مكانة المرأة ليست مجرد بحث في تاريخ فئة من المجتمع، بل هي بحث في تاريخ الإنسانية نفسها، لأن درجة تقدم المجتمعات تُقاس بمدى إنصافها للمرأة وتمكينها من أداء دورها الطبيعي في مختلف المجالات.
في المجتمعات البدائية، ورغم أن النساء كنّ يقمن بأدوار حيوية في توفير الغذاء ورعاية الأسرة والمحافظة على استقرار الجماعة، فإن مكانتهن بدأت تتراجع تدريجيًا بسبب هيمنة القوة البدنية التي ارتبطت بالرجال في سياق العمل والصيد والحروب. وقد أدى هذا الواقع إلى ترسيخ فكرة أن الرجل هو مصدر القوة والأمن، في حين حُصر دور المرأة في نطاق الأسرة والرعاية. غير أن هذا التهميش لم يكن نتيجة ضعف المرأة أو عجزها، بل كان نتاجًا لبنية اجتماعية فضّلت سلطة الذكور ومنحتهم امتيازات أكبر. ويظهر هنا تناقض فلسفي واضح؛ فقد اعتُبرت المرأة رمزًا للعطاء والحياة والأمومة، لكنها في الوقت نفسه خضعت لقيود اجتماعية حدّت من حضورها الفاعل.
ومع ظهور الأديان السماوية، برزت رؤية جديدة أعادت الاعتبار للمرأة وأكدت قيمتها الإنسانية والروحية. فقد جاءت الرسالات السماوية لتؤكد أن المرأة والرجل شريكان في التكليف والكرامة الإنسانية. وفي الإسلام، حظيت المرأة بمكانة عظيمة، إذ منحها الدين حقوقًا لم تكن معروفة في كثير من المجتمعات القديمة، كحق التعليم والتملك والميراث والاختيار، ودعا إلى معاملتها بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. كما تُعد السيدة مريم العذراء في المسيحية رمزًا للطهارة والإيمان والتضحية، مما يعكس تقديرًا كبيرًا للمرأة ودورها الروحي. غير أن التطبيق العملي لهذه المبادئ لم يكن دائمًا مطابقًا لجوهر النصوص الدينية، إذ أدت بعض التأويلات والعادات الاجتماعية إلى تقليص مكانة المرأة، فظهرت فجوة بين التعاليم السماوية والممارسات المجتمعية.
وإذا انتقلنا إلى الفكر الفلسفي، نجد أن قضية المرأة شغلت اهتمام عدد من الفلاسفة منذ العصور القديمة. فقد رأى أفلاطون أن المرأة قادرة على المشاركة في بناء المجتمع، ودعا إلى تعليمها وتمكينها من أداء أدوار متعددة، بينما كانت نظرة أرسطو أكثر تحفظًا، إذ اعتبر المرأة أقل قدرة من الرجل في بعض الجوانب. وفي الفلسفة الحديثة، برزت أفكار تدافع عن حقوق المرأة وتدعو إلى مساواتها بالرجل، خاصة في كتاب "الجنس الآخر" للفيلسوفة سيمون دي بوفوار، التي أكدت أن المرأة لم تُخلق كائنًا ثانويًا، بل إن المجتمع هو الذي وضعها في مرتبة التبعية من خلال أنماط التربية والثقافة السائدة. ومن هنا يتضح أن غياب المرأة عن بعض المجالات لم يكن غيابًا اختياريًا، بل كان نتيجة بناء اجتماعي فرض عليها أدوارًا محددة.
ومع تطور المجتمعات الحديثة، بدأت المرأة تخوض نضالًا طويلًا من أجل الحصول على حقوقها وتحقيق استقلاليتها. فقد تمكنت من كسر العديد من القيود التي كانت تحد من مشاركتها في الحياة العامة، وأصبحت حاضرة في ميادين العمل والإدارة والإنتاج والثقافة. ومع ذلك، ظلت تواجه تحديات عديدة، إذ بقيت بعض النظرات التقليدية ترى فيها كائنًا يجب أن يلتزم بأدوار محددة، وتتعامل معها بمعايير تختلف عن تلك التي تُطبق على الرجل. وهذا التناقض يكشف أن تحقيق استقلالية المرأة لا يقتصر على سن القوانين، بل يتطلب أيضًا تغييرًا عميقًا في العقليات والثقافات الاجتماعية.
ولم يقتصر دور المرأة الحديثة على الجانب الاجتماعي فحسب، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، حيث أثبتت الدراسات أن مشاركتها في سوق العمل تُعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية الاقتصادية. فالمرأة اليوم تمثل قوة إنتاجية كبيرة وتساهم في رفع معدلات النمو وتحسين مستوى المعيشة. ومع ذلك، لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالفجوة في الأجور وصعوبة الوصول إلى المناصب القيادية، الأمر الذي يعكس استمرار بعض أشكال التمييز. وهنا يظهر تناقض آخر يتمثل في الاعتراف النظري بأهمية المرأة الاقتصادية، مقابل عدم تحقيق المساواة الكاملة في الواقع العملي.
كما استطاعت المرأة أن تثبت كفاءتها في ميادين العلوم والسياسة والتعليم، بعد أن كانت هذه المجالات حكرًا على الرجال لفترات طويلة. فقد قدمت شخصيات نسائية بارزة إنجازات غيرت مسار التاريخ، ومن أبرزهن العالمة ماري كوري التي أسهمت اكتشافاتها العلمية في تطوير العديد من المجالات الطبية والفيزيائية. وفي السياسة، برزت نساء قُدن دولًا ومؤسسات كبرى وأثبتن قدرتهن على القيادة وصنع القرار. ورغم هذه النجاحات، لا تزال بعض المجتمعات تنظر إلى المرأة القيادية بعين الشك، وتحاول حصر دورها في أطر ضيقة، وهو ما يدل على استمرار تأثير بعض الأفكار التقليدية.
ومن جهة أخرى، تختلف نظرة الرجل إلى المرأة من مجتمع إلى آخر. ففي بعض الثقافات تُعامل المرأة باحترام وتُقدّر أدوارها المختلفة، بينما تُهمش في ثقافات أخرى ويُنظر إلى استقلاليتها على أنها تهديد لسلطة الرجل. ويعكس هذا التباين صراعًا بين قيم المساواة والعدالة من جهة، وبين بقايا الأفكار التقليدية من جهة أخرى. كما أن بعض الممارسات تكشف عن تناقض واضح؛ إذ يُعلن احترام المرأة نظريًا، بينما تُفرض عليها قيود تحد من حريتها وقدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها.
وفي الختام، يتبين أن المرأة كانت ولا تزال عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع وتقدمه. فرغم ما تعرضت له من تهميش وإقصاء عبر التاريخ، فقد أثبتت قدرتها على الإبداع والعطاء في مختلف المجالات. إن تحقيق التنمية الحقيقية والعدالة الاجتماعية لا يمكن أن يتم دون تمكين المرأة ومنحها حقوقها كاملة، بعيدًا عن التمييز والأحكام المسبقة. فالمجتمع الذي يُنصف المرأة ويُقدّر دورها هو مجتمع أكثر قدرة على تحقيق التقدم والاستقرار والازدهار، لأن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي شريك أساسي في صناعة حاضر الإنسانية ومستقبلها.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حبٌّ بلا حدود... إلى التي رحلت في مثل هذا الشهر
- بعد أربعة عشر عامًا
- هوس الحقيقة
- -النور الذي أشرق في الرمال-
- الصيف القادم ورحيل الربيع
- «حين يوقظ الجمالُ الأخلاق»
- -نبضات عشق تحت سماء الغياب-
- اوركسترا السكون
- رسالة
- الرياضة: من ساحات الشرف إلى صناعة النجوم.. رحلة عبر الزمن
- الخط العربي في العصر الحديث: بين الأصالة والتجديد
- المدارس الكبرى في الخط العربي: المشرق، المغرب، والأندلس
- “الهوية والحداثة في المجتمعات العربية: دراسة في التوتر الرمز ...
- المدارس الكبرى في الخط العربي: الجغرافيا حين تُنطِق الحرف
- الخطوط الوظيفية والشعبية: الرقعة، الديواني، الفارسي (النستعل ...
- خطّ الثلث: سلطان الخطوط وهيبة الجمال
- خط النسخ: خطّ العلم، والقراءة، وضبط العقل
- الخط الكوفي: الأنواع، المدارس، والروّاد
- الخط العربي والقرآن: من التدوين إلى القداسة الجمالية
- ولادة الخط العربي: الجذور، الإشكاليات، والنشأة التاريخية


المزيد.....




- فرنسا تحدد موعد الانتخابات الرئاسية لاختيار خليفة ماكرون
- الولايات المتحدة توقع اتفاقا لبناء سفارتها الدائمة في القدس ...
- محاولات لإنقاذ فنزويلي عالق تحت أنقاض مبنى منذ أسبوع
- مقتل 9 رهبان بوذيين دهسا بشاحنة يقودها طفل في تايلاند
- ألمانيا تتهم أوكرانيا بتخريب خط أنابيب غاز روسي عام 2022
- -إيبولا- يودي بأكثر من 400 شخص في الكونغو الديمقراطية
- الجزائر: نسبة المشاركة الأولية في الانتخابات التشريعية بلغت ...
- ترمب: نتفاوض مع إيران وأعتقد أنها وافقت على كل مطالبنا تقريب ...
- يوم حداد في كييف وارتفاع حصيلة الهجوم الروسي إلى 27 قتيلا
- مقتل 6 عناصر أكراد باشتباكات مع الحرس الثوري في إيران


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - المرأة بين التهميش والتمكين: رحلة الحضور الإنساني عبر التاريخ والفلسفة