أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -















المزيد.....


المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 14:14
المحور: قضايا ثقافية
    


يقدّم أمين الزاوي في مقاله المنشور في «اندبندنت عربية» يوم 10 سبتمبر 2026 أطروحة نقدية تبدو، للوهلة الأولى، شديدة الإغراء: الموضوع الكبير، مهما اتسعت دلالته التاريخية والسياسية والفكرية، لا يضمن للرواية أن تكون كبيرة، لأن عظمة العمل السردي لا تتولد من ضخامة مادته الخام، وإنما من الطريقة التي يعيد بها الروائي تشكيل هذه المادة في لغة وبناء وشخصيات ووعي جمالي خاص. وهذه الفكرة في أصلها صحيحة، بل ضرورية في زمن تختلط فيه قيمة الرواية أحياناً بقيمة موضوعها، ويُنظر إلى الرواية التي تتناول الثورة أو الحرب أو شخصية سياسية مشهورة أو حدثاً تاريخياً ضخماً كما لو أن أهمية المادة التاريخية تنتقل آلياً إلى القيمة الأدبية. غير أن المشكلة تبدأ حين ينتقل المقال من تصحيح هذا الوهم النقدي إلى تأسيس وهم مضاد، كأن الموضوع الكبير يقف في جهة والإنجاز الروائي الكبير في جهة أخرى، وكأن من شروط الرواية الناجحة أن تنصرف عن الأحداث الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة، وعن الشخصيات التاريخية إلى الإنسان العادي. هنا يحتاج الحكم إلى شيء من التحفظ، لأن تاريخ الرواية العالمية لا يساند هذه القاعدة بهذا الإطلاق، بل يكشف أن المسألة أعقد بكثير: ليست القضية في كِبَر الموضوع أو صغره، وإنما في قدرة الرواية على تحويل الموضوع، مهما كان حجمه، إلى تجربة إنسانية وجمالية لا تستنفدها مادتها الأولية.
هذه التفرقة مهمة لأن مقال الزاوي يخلط، في أكثر من موضع، بين ثلاثة أشياء مختلفة: الموضوع، وحجم العالم الروائي، والقيمة الفنية. فموضوع الرواية قد يكون تاريخياً ضخماً، لكن معالجته تأتي حميمة وشخصية؛ وقد يكون الموضوع يومياً محدوداً، لكن البناء الروائي يرفعه إلى أسئلة كونية؛ وقد يجتمع الأمران معاً في الرواية العظيمة. لذلك فإن العبارة التي اختارها المقال عنواناً له «المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبيرة» تصلح بوصفها استفزازاً نقدياً، لكنها لا تصلح بوصفها قاعدة جمالية عامة. فالخبرة الروائية الكبرى تقول شيئاً آخر: الموضوع الكبير لا يصنع الرواية الكبيرة وحده، لكنه لا يمنعها كذلك؛ بل قد يكون، في يد روائي كبير، مادة ضرورية لتوسيع مجال الرؤية الإنسانية.
تكفي رواية «الحرب والسلام» لتضعف الجانب القطعي من هذه الأطروحة. فليو تولستوي اختار واحدة من أكثر المواد التاريخية ضخامة: الحروب النابليونية والغزو الفرنسي لروسيا، وأدخل نابليون وكوتوزوف والحرب والحركة السياسية والتاريخ والفكر في بنية روائية واسعة. ومع ذلك لم تُختزل الرواية إلى «موضوع كبير»، بل ظل التاريخ فيها ممتزجاً بالحياة اليومية، والحب، والأسرة، والغيرة، والموت، والتحول الروحي، والأسئلة حول معنى التاريخ والفعل الإنساني. ولهذا تُعد على نطاق واسع من أعظم الروايات المكتوبة، ويصفها الناشر الأكاديمي ضمن الأعمال التي تجمع بين الأحداث التاريخية الكبرى والحياة الخاصة والبصيرة النفسية. (Penguin Random House)
وهنا تظهر مفارقة أساسية لم ينتبه إليها المقال بما يكفي: تولستوي لا يهزم فكرة «الموضوع الكبير» بتجاوزه، وإنما يهزمها من الداخل. لقد أثبت أن الموضوع الكبير يمكن أن يكون عظيماً إذا استطاع الروائي أن يكسّره إلى خبرات بشرية صغيرة، وأن يعيد تركيب التاريخ في صورة مصائر فردية. فالحرب في «الحرب والسلام» لا تُروى بوصفها نشرة عسكرية، وإنما بوصفها خوفاً، وحباً، وموتاً، وقرارات، وخطأً، وحيرةً، وتحولاً في الشخصيات. إن العظيم هنا لا يلغي اليومي، بل يحتويه. ولذلك فالأصح أن نقول: ليست المشكلة أن يكتب الروائي موضوعاً كبيراً، بل أن يكتفي بكون موضوعه كبيراً.
والمثال الأوضح الآخر هو «البؤساء» لفيكتور هوغو. إنها رواية تاريخية واجتماعية ضخمة، تتقاطع فيها الثورة والسياسة والقانون والفقر والدين والعدالة والمدينة والتاريخ الفرنسي، ومع ذلك بقي جان فالجان وفانتين وكوزيت وغافروش في مركز التجربة الإنسانية. وتُصنف الرواية اليوم ضمن أعظم روايات القرن التاسع عشر، وهي نفسها مثال على أن اتساع الموضوع لا يقتل الرواية حين ينجح الكاتب في تحويل التاريخ إلى مصائر وأجساد وذاكرات وأوجاع بشرية. (Penguin Random House)
بل إن روايات شديدة الارتباط بالقضايا الكبرى في التاريخ الحديث تؤكد الشيء نفسه. «عناقيد الغضب» لجون شتاينبك، مثلاً، ليست حكاية أسرية صغيرة فقط، وإن اتخذت أسرة جود مركزاً سردياً لها؛ إنها رواية الأزمة الاقتصادية الكبرى، والاقتلاع الزراعي، والبطالة، واستغلال العمال، والكرامة الإنسانية. وقد فازت بجائزة بوليتزر للرواية. (The Pulitzer Prizes) والأمر نفسه أكثر وضوحاً في «Beloved» لتوني موريسون، التي تجعل من تاريخ العبودية الأمريكية مادة مركزية، لكنها لا تقدم هذا التاريخ بوصفه خطاباً مدرسياً، بل تستحيله إلى ذاكرة جسدية وجرح عائلي وصوت شبح وأم ممزقة بين الحب والرعب. وقد عدّتها المؤسسات الأدبية من الأعمال المفصلية، وفازت بجائزة بوليتزر، بينما أشار عرض نوبل إلى قوتها في الجمع بين التدوين الواقعي والفولكلور وفي جعل الماضي التاريخي حاضراً داخل وعي الشخصية. (Penguin Random House)
وهذا يقود إلى واحدة من أهم النقاط التي تحتاج إلى مراجعة في المقال: ليس صحيحاً أن الرواية العظيمة تنتصر دائماً على التاريخ من طريق الهروب منه إلى «الأشياء الصغيرة». الأدق أن نقول إن الرواية تنتصر على التاريخ حين ترفض أن يكون التاريخ جاهزاً داخلها، سواء كان الموضوع تاريخياً أو معاصراً أو يومياً. فالتاريخ في الرواية ليس أرشيفاً، والسياسة ليست بياناً، والحرب ليست تقريراً عسكرياً، كما أن الحياة اليومية ليست مقدسة لمجرد أنها يومية. يمكن لروائي أن يفشل في رواية عن بائع متجول، كما يمكن أن ينجح روائي آخر في رواية عن نابليون. القيمة ليست في المادة، وإنما في التخييل الذي يعيد إنتاجها وفي البنية التي تجعلها قابلة للتجربة الجمالية.
ومن هنا يبدو أن الأمثلة التي يستند إليها المقال صحيحة في الاتجاه لكنها لا تثبت النتيجة التي يريدها بشكل كامل. فـ«الجريمة والعقاب» بالفعل تجعل من جريمة قتل امرأة مسنة مجالاً لتشريح الضمير والعدالة والعقوبة والفكرة والذنب. لكن وصفها بأنها مجرد «حادثة عابرة تملأ صفحات المتفرقات» يبسط منشأ الرواية نفسها تبسيطاً شديداً. فالمصادر المتاحة عن نشأة الرواية تشير إلى تعدد النماذج والوقائع التي أسهمت في تشكيل شخصية راسكولنيكوف والجريمة، وإلى أن الرواية نشأت في سياق فكري وفلسفي وسياسي أوسع من مجرد الاستعانة بحادثة صحفية. وقد ارتبطت قراءتها منذ البداية بأسئلة العدمية والنفعية والعقلانية وبالعقاب النفسي والروحي، وليس فقط بالفعل الإجرامي في ذاته. (The Nation)
وهذا التصحيح مهم لأن رواية دوستويفسكي لا تصبح عظيمة لأن الجريمة صغيرة، بل لأن الجريمة تحولت داخل البناء الروائي إلى مختبر للإنسان. راسكولنيكوف لا يبقى قاتلاً في خبر صحفي، وإنما يصير سؤالاً حياً عن حدود العقل حين ينفصل عن الأخلاق، وعن الإنسان حين يحاول أن يمنح نفسه حق الاستثناء، وعن العلاقة بين الفكرة والجسد والضمير والآخر. وهذا يعني أن العامل الحاسم ليس «ضآلة الحدث» بل قابلية الحدث لتوليد شبكة كثيفة من الأسئلة.
الأمر نفسه ينطبق على «مدام بوفاري». نعم، هناك صلة موثقة بين شخصية إيما وبعض الوقائع التي أحاطت بحياة دلفين ديلامار، لكن اختزال الرواية في قصة امرأة ريفية مملة تتعدد علاقاتها ثم تنتهي بالانتحار يجعل الرواية أشبه بمادة صحفية، وهو بالضبط ما تجاوزه فلوبير. فالمكتبة الوطنية الفرنسية تشير إلى أن شخصية دلفين ديلامار كانت واحدة من الإسهامات الواقعية في تكوين الشخصية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن فلوبير هو الذي خلق إيما من جديد، وأن العمل النهائي ليس مجرد نقل لسيرة واقعية. (editions.bnf.fr) لذلك فالمغزى الحقيقي من «مدام بوفاري» ليس أن حادثة صغيرة تحولت إلى رواية كبيرة، بل أن الواقعة، بعد أن تدخل مختبر الأسلوب والسخرية والمنظور والبناء واللغة، تكف عن كونها واقعة أصلاً.
أما بروست، فإن مثال المادلين الذي يستشهد به المقال، على شهرته، يحتاج إلى مزيد من الحذر. فـ«البحث عن الزمن المفقود» لا تقوم عظمته على كون قطعة حلوى صغيرة أنشأت عالماً روائياً ضخماً فحسب، بل على مشروع كامل حول الذاكرة والزمن والوعي والرغبة والطبقة والفن والغيرة والحب والموت. المادلين هنا ليست موضوع الرواية، بل مفتاحاً بنيوياً إلى آلية الذاكرة اللاإرادية. ولهذا فإن المثال لا يثبت أن «الصغير» أفضل من «الكبير»، بل يثبت أن الشيء المادي المتواضع يستطيع أن يصبح وسيطاً لرؤية فلسفية عميقة. والرواية نفسها، التي صدرت في سبعة أجزاء بين 1913 و1927، معروفة بطولها الاستثنائي وبمحورية الذاكرة غير الإرادية فيها. (Wikipédia)
وكذلك الحال في «يوليسيس» لجيمس جويس، الذي يستدعيه المقال بوصفه نموذجاً لإنسان عادي يعيش يوماً عادياً، بينما هذا التوصيف، وإن كان صحيحاً من حيث الحدث الزمني، يخفي تعقيد المشروع الفني نفسه. فالرواية تدور في يوم واحد هو 16 يونيو 1904 وتتبع تحركات ليوبولد بلوم وستيفن ديدالوس في دبلن، لكنها في الوقت نفسه تبني شبكة هائلة من الإحالات الأدبية والأسطورية والأسلوبية، وتعيد كتابة «الأوديسة» في بنية حداثية متعددة الأصوات. جامعة أكسفورد تضع هذا الجانب تحديداً في قلب فهم الرواية، مؤكدة أن اليوم الواحد لا يعني البساطة، بل يحمل طبقات متراكبة من المقابلات الدلالية والأساليب الأدبية. (octet.web.ox.ac.uk)
ويمكن هنا تسجيل ملاحظة نقدية أعمق: المقال يقع أحياناً في ثنائية مبسطة بين «العادي» و«العظيم»، فيجعل اليومي وكأنه المادة الطبيعية للرواية، والتاريخي أو البطولي كأنه مادة مشبوهة أدبياً. وهذه ثنائية لا تصمد أمام تاريخ الفن. فحتى «يوليسيس» نفسه، الذي يحتفي باليومي، يحمله جويس على بنية ملحمية كبرى، ويعيد من خلاله إنتاج «الأوديسة». أي أن العادي في الرواية العظيمة لا يبقى عادياً، تماماً كما أن التاريخي لا يبقى تاريخياً. إن فعل الرواية هو إعادة توزيع الأحجام: تكبير الصغير وتصغير الكبير، لا الانحياز المسبق إلى أحدهما.
والأكثر إثارة للنظر أن المقال نفسه يقدم، من حيث لا يقصد، مثالاً يناقض عنوانه. فهو حين يتحدث عن «البطل اليومي» إنما يعيد إنتاج فكرة قديمة جداً في تاريخ الرواية: أن العادي يمكن أن يصبح مركزاً للبطولة الأدبية. لكن هذا لا يعني انتهاء «البطولة الكبرى»، ولا يعني أن الشخصيات التاريخية تصلح فقط بوصفها «عكازاً» للكاتب العاجز. فهناك أعمال عظيمة كثيرة جعلت من الشخصيات التاريخية مركزاً للتخييل لا غطاءً عليه. المسألة ليست في وجود نابليون أو ابن رشد أو الملك أو الفنان، وإنما في كيفية مقاومة الروائي لإغراء الأيقونة الجاهزة. الشخصية الشهيرة تصبح عبئاً حين تدخل الرواية وهي محمّلة بصورتها المدرسية والإعلامية، لكنها قد تتحول إلى اكتشاف أدبي حين يفكك الروائي صورتها ويعيد بناء إنسانيتها وتناقضاتها.
وفي هذا السياق، فإن قائمة الشخصيات التي يوردها المقال تضم أسماء لا تنتمي إلى الحقل نفسه أصلاً؛ فإلى جانب الزعماء والقادة نجد الأنبياء والفنانين وكتاباً وفلاسفة وعالماً كالبرت أينشتاين، كما يُذكر كافكا في سياق «منطقة الفلسفة»، مع أن موقعه الأساس في الثقافة العالمية هو موقع الكاتب والمبدع الأدبي، وإن كان أدبه ذا أثر فلسفي هائل. هذا الخلط لا يفسد الأطروحة، ولكنه يكشف عن حاجة المقال إلى قدر أكبر من الانضباط الاصطلاحي حين ينتقل من الكتابة الأدبية إلى التاريخ والفلسفة والفن.
أما الحديث عن الواقعية الاشتراكية، فهو من أقوى أجزاء المقال من حيث التقاطه لمشكلة «البطل الإيجابي». فالدراسات التاريخية حول الرواية السوفياتية تؤكد أن «البطل الإيجابي» كان بالفعل عنصراً تعريفياً مهماً في جمالية الواقعية الاشتراكية، وكان مطلوباً منه أن يجسد المثال الأيديولوجي ويجسد «ما ينبغي أن يكون»، بما يجعل الشخصيات الأخرى أقرب إلى تمثيل «ما هو كائن». (JSTOR) لكن المقال يقع هنا أيضاً في التعميم حين يوحي بأن الواقعية الاشتراكية كانت كتلة واحدة وأن أثرها اختزل تماماً في «الوصفة». فالدراسات التاريخية تشير إلى أن النموذج نفسه كان أكثر مرونة وتنوعاً مما توحي به العبارة، وأن تطبيقاته واختلافاته بين السياقات الأدبية لم تكن متطابقة. (Cambridge University Press)
وهناك ملاحظة تصحيحية لا يجوز إغفالها في مقال يقدّم نفسه بوصفه تفكيراً في تاريخ الرواية العالمية: جنكيز أيتماتوف ليس، بالدقة، «كاتباً روسياً» بالمعنى القومي الذي توحي به العبارة، وإنما هو كاتب قرغيزي كتب بالروسية والقرغيزية، وهو من أبرز أعلام الأدب القرغيزي في الحقبة السوفياتية. (Wikipédia) وهذه ليست مسألة شكلية، لأن المقال نفسه يقوم على الفصل بين الحضارات والثقافات والأطر النصية، ومن ثم فإن الدقة في تحديد هوية الكاتب تصبح جزءاً من حجته المنهجية.
ومن الناحية الفنية، فإن عبارة المقال التي تقول إن الأدب يؤثر سياسياً وأيديولوجياً «بواسطة الجمال والإدهاش والإمتاع والسؤال والتشويش» تحمل حساً جمالياً مهماً، لكنها تختزل وظائف الأدب في مسار واحد. فالأدب قد يؤثر عبر الجمال، لكنه قد يؤثر كذلك عبر الشهادة، والذاكرة، وبناء التعاطف، وإنتاج التمثيل الرمزي للمستبعدين، وصناعة الذاكرة الجمعية، وإعادة صياغة ما يعتبره المجتمع طبيعياً أو ممكناً. «Beloved» مثلاً لا تكمن قوتها السياسية في الإمتاع وحده، بل في الطريقة التي تجعل الذاكرة التاريخية للعبودية جزءاً من تجربة حسية ونفسية لا يمكن فصلها عن الجسد واللغة والأسرة. (Nobel Prize)
كما أن المقال يكرر أكثر من مرة أن الرواية الناجحة تشتغل على «الأشياء الصغيرة التي تتحول من خلال الكتابة الناجحة إلى أشياء كبرى». وهذه أجمل أفكاره، لكنها تحتاج إلى استكمال: الأشياء الصغيرة لا تصبح كبيرة لمجرد أنها صغيرة، وإنما لأن الروائي يكتشف فيها قانوناً إنسانياً يتجاوزها. «Middlemarch» لجورج إليوت مثال بالغ الدلالة هنا؛ فقد اختارت حياة إقليمية عادية، لكن بناء العلاقات بين عشرات الشخصيات جعل المجتمع المصغر شبكة تكشف التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية في إنجلترا. بل إن عظمتها تكمن تحديداً في أنها تجعل الحياة «الصغيرة» حاملاً لأسئلة المجتمع الواسع. (SparkNotes)
إذن، ما يضيفه المقال إلى النقاش النقدي مهم: إنقاذ الرواية من سطوة الموضوع، ومن وهم الشهرة التاريخية، ومن الاعتقاد بأن استحضار شخصية مشهورة يمنح النص تلقائياً سلطة أدبية، موقف سليم وناضج. كما أن دفاعه عن التفاصيل والإنسان الهامشي والتجربة اليومية يصيب واحداً من أسرار السرد الحديث. لكن ما يحتاج إلى مراجعة هو تحويل هذه الملاحظة إلى قانون شامل. فالأدب العالمي لا يقول لنا إن «المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبيرة»، بل يقول لنا إن الموضوع، كبيراً كان أو صغيراً، لا ينتج رواية كبيرة من تلقاء نفسه.
والفرق دقيق لكنه جوهري. «الحرب والسلام» يبرهن أن التاريخ العظيم يمكن أن يصبح رواية عظيمة عندما يدخل إلى أعماق الفرد. «البؤساء» تثبت أن السياسة والفقر والثورة والقانون يمكن أن تصير أدباً حين تتجسد في مصائر بشرية. «عناقيد الغضب» تجعل الكارثة الاقتصادية تجربة عائلية وأخلاقية. «Beloved» تحول جرحاً تاريخياً هائلاً إلى ذاكرة أم وطفل وجسد وشبح. وفي الجهة الأخرى، تثبت «الجريمة والعقاب» و«مدام بوفاري» و«يوليسيس» و«البحث عن الزمن المفقود» أن الأشياء اليومية تستطيع بدورها أن تحمل أسئلة كبرى. النتيجة إذن ليست انتصار «الصغير» على «الكبير»، وإنما انتصار الفن على جاهزية المادة.
ولهذا أرى أن الصياغة الأدق لأطروحة المقال ليست «المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبيرة»، بل: «لا تنتج ضخامة الموضوع رواية كبيرة ما لم تتحول داخل التخييل إلى تجربة إنسانية وبنية فنية ولغة قادرة على مقاومة جاهزية الموضوع». بهذه الصيغة تصبح الفكرة أكثر صرامة وأقل قابلية للاعتراض، لأنها لا تسقط في مفاضلة مصطنعة بين الموضوعات الكبيرة والصغيرة، ولا تجعل الرواية العظيمة أسيرة قانون واحد. فالرواية ليست في النهاية فن اختيار الموضوع، وإنما فن تحويل الموضوع إلى عالم؛ وقد يكون ذلك العالم قرية، أو غرفة، أو جريمة، أو قطعة مادلين، أو يوماً واحداً في دبلن، وقد يكون إمبراطورية في الحرب، أو ثورة، أو كارثة اقتصادية، أو تاريخ شعب بأكمله.
ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للمقال ليست في عنوانه الحاسم، وإنما في السؤال الذي يفتحه من خلفه: ماذا يفعل الروائي بالموضوع بعد أن يختاره؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي للموهبة. فالموضوع الكبير لا ينقذ روائياً ضعيفاً، كما أن الموضوع الصغير لا يصنع كاتباً كبيراً. الذي يصنع الرواية هو ذلك الفعل السردي الخفي الذي يحول المادة إلى معنى، والحدث إلى مصير، والتاريخ إلى ذاكرة، والاسم المشهور إلى شخصية، واليومي إلى سؤال إنساني يتجاوز لحظته. عند هذه النقطة فقط تتساوى كل الموضوعات أمام الأدب، لأن الرواية العظيمة لا تسأل أولاً: «ما الذي أكتب عنه؟»، بل تسأل: «ماذا أستطيع أن أكتشف في ما أكتب عنه ولم يره الآخرون؟».
إن المقال، في جوهره، يهاجم «الجاهزية» أكثر مما يهاجم الموضوعات الكبرى، وهذه هي فكرته الأجدر بالبقاء. أما حين يربط القيمة الأدبية بحجم الموضوع، أو يجعل البطل اليومي نقيضاً ضرورياً للبطل التاريخي، فإنه يضيّق أفق الرواية التي يدافع عن حريتها. فالرواية الحديثة لم تعد تؤمن بتلك الثنائية أصلاً: الكبير والصغير يتجاوران داخلها، والبطولي والهامشي يتبادلان المواقع، والتاريخي واليومي يتداخلان. وما يبدو تفصيلاً هامشياً قد يصبح مدخلاً إلى التاريخ، كما قد تصبح معركة كبرى ذريعة لاكتشاف هشاشة فرد وحيد.
لذلك فإن الحكم النقدي الأكثر عدلاً على المقال هو أنه يطرح سؤالاً صحيحاً بصياغة أكثر حدّة مما يحتمل الدليل. قوته في مقاومة وهم الموضوع، وضعفه في تحويل هذه المقاومة إلى قاعدة مضادة. وبين الجملتين تكمن الحقيقة الأدبية التي تؤكدها الرواية العالمية منذ تولستوي وفلوبير ودوستويفسكي إلى بروست وجويس وتوني موريسون: ليست عظمة الرواية في كِبَر موضوعها ولا في صغره، وإنما في مقدار ما تستطيع اللغة والتخييل والبناء أن تستخرج من الموضوع من حياة لم تكن مرئية قبل أن تدخل الرواية.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين خاف ابن خلدون من العقل على الفلسفة
- حين يطغى المديح على النقد: قراءة نقدية في دراسة «أغاني الريح ...
- «من يوميات امرأةٍ مرّت من هنا».
- الاندماج الاجتماعي وبناء العلاقات لدى الأطفال ذوي التوحد،
- «المرأة في مسيرة الإنسانية: من الهامش إلى استعادة الحضور وصن ...
- من ردّ الفعل إلى الاستجابة الواعية
- قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
- «حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار ...
- الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا ...
- •وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال ...
- السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
- التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
- رسالة من هناك
- التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
- أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
- دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
- طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.
- أهمية التشخيص المبكر للتوحد .
- الفرق بين التوحد والتأخر العقلي .
- التوحد عند المراهقين والبالغين.


المزيد.....




- كيم كارداشيان تحضر بفستان شفاف جائزة سنغافورة الكبرى للفورمو ...
- مؤشرات التصويت المبكر تكشف تحولاً في مناطق دعم ترامب.. إليكم ...
- مطاردة تنتهي بدهس رجل بسيارة تابعة لإدارة الهجرة الأمريكية.. ...
- إيران: مضيق هرمز تحت سيطرتنا واشتعال النيران بناقلة نفطية ثا ...
- تصريحات مصرية بعد مقتل مضيفة وإصابة 7 مواطنين في مطار الرياض ...
- أجواء الرياض باتت خالية من الطائرات بعد الهجمات الحوثية العن ...
- الدفاع الروسية: تحرير بلدتين جديدتين شرق وجنوب أوكرانيا
- انطلاق مناورات -الأمن الجماعي- في بيلاروس (صور)
- كوكب بحجم الأرض شبيه بـ-تاتوين- في حرب النجوم قد يدعم الحياة ...
- تصريحات مصرية بعد مقتل مضيفة وإصابة 7 مواطنيين في مطار الريا ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -