|
|
دراسة تأملية في قصيدة
محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 16:22
المحور:
الادب والفن
الشاعرة صديقة علي رابعة، ما أجمل أن ندخل إلى قصيدتكِ من باب الصباح، لا لنكتفي برؤية الحبيب الذي تشرق ملامحه بالنور، بل لنصغي إلى ذلك القلب الذي يحاول أن يفهم سرَّ هذا الانجذاب الذي يسلبه حريته، ثم يمنحه، في اللحظة نفسها، اتساع العالم. لقد قرأتُ نصَّكِ كما تُقرأ رسالةٌ كُتبت في ساعة صفاء، ثم ابتلَّ حبرها بدمعةٍ لم يشأ صاحبها أن يعترف بها، فتركها تستتر خلف القافية، وتتكلم بلسان الصور. يا صديقة، إن عنوان قصيدتكِ، «وصبيح وجهك يا حبيب يُزار»، يضعنا منذ البداية أمام مفارقة جميلة؛ فالوجه ليس مجرد ملامح تُرى، بل مكانٌ يُقصد، وعتبةٌ يُزار عندها النور. أنتِ لا تقولين إن الحبيب جميل فحسب، بل تجعلين وجهه فضاءً للزيارة، كأن العاشق لا يكتفي بالنظر إلى محبوبه، وإنما يرحل إليه بكليّته، ويترك على بابه شيئًا من غربته. وهنا يتحول الجمال من صفةٍ حسية إلى مقامٍ وجداني، ويصبح اللقاء نوعًا من العودة إلى موطنٍ افتقدته الروح قبل أن تعرف اسمه. ولعلَّ أول ما يستوقفني في مطلعكِ قولكِ: «وصبيحُ وجهِكَ يا حبيبُ يُزارُ وعليهِ من نورِ البهاءِ دثارُ» أراكِ هنا تستدعين معجمًا شعريًّا ضاربًا في جذور القصيدة العربية القديمة، حيث النور والصباح والقمر والبهاء علاماتٌ على فرادة المحبوب. لكنكِ لا تكتفين باستعادة الصورة المألوفة؛ إنكِ تمنحين الوجه دثارًا من النور، فتجعلين البهاء ثوبًا يستر الجمال ويكشفه في آنٍ واحد. وما أعمق هذه المفارقة! فبعض الجمال لا يُرى كاملًا إلا بما يحيط به من غموض، وبعض الأرواح لا تكشف أسرارها إلا حين تكتسي بشيءٍ من الصمت. وفي قولكِ: «يا مَنْ إذا بَسَمَ الصباحُ بوجهِهِ خجلتْ لدى إشراقهِ الأقمارُ» تبلغ الصورة ذروة الغنائية؛ إذ تنقلب العلاقة بين الطبيعة والمحبوب، فلا يعود الصباح هو الذي يمنح العالم ضوءه، بل يصبح هو الذي يستعير ضياءه من وجه الحبيب. وتلك حيلة شعرية قديمة متجددة، تقوم على المبالغة العاطفية التي تجعل المحبوب مركز الكون في عين عاشقه. ولعلنا نسمع هنا أصداء الغزل العربي الذي جعل من الشمس والقمر والنجوم شهودًا على سطوة الجمال، كما نجد في شعر ابن زيدون وجماليات الأندلس، حيث يمتزج الحب بالطبيعة، وتغدو عناصر الكون لغةً ثانيةً للعاطفة. غير أن جمال قصيدتكِ لا يكمن في وصف المحبوب وحده، بل في تلك المسافة الدقيقة بين التقديس والقلق؛ فالحبيب عندكِ نورٌ يُزار، لكنه أيضًا قوةٌ تقتحم القلب، وتجعله عاجزًا عن النجاة. وحين تقولين: «يا بدرُ من ملكوته اجتاح الضيا أفما لقلبي من هواكَ فرارُ؟» فإنكِ تنقليننا من مشهد الإعجاب إلى تجربة الاستلاب الوجداني. لقد صار الحب اقتحامًا، وصار القلب أرضًا لا تملك أن تغلق أبوابها. والسؤال هنا ليس سؤالًا ينتظر جوابًا، بقدر ما هو اعترافٌ شعري بأن العاشق، حين يتورط في الجمال إلى هذا الحد، يفقد القدرة على العودة إلى صورته القديمة. أتدرين يا صديقة؟ إن هذا السؤال يذكّرني، من بعيد، بقول قيس بن الملوّح في تعلقه بليلى، وبذلك الوعي العاشق الذي يرى في الحب قدرًا لا اختيارًا. لكنه يفتح أيضًا نافذةً على تجربة العشق الصوفي؛ حيث يصبح المحبوب مركز الجذب الذي تتلاشى أمامه مقاومة الذات. ولا يعني هذا أن قصيدتكِ نصٌّ صوفي بالمعنى الاصطلاحي، وإنما أن فيها طاقةً وجدانية تقترب من ذلك الأفق الذي يتجاوز فيه الحب حدود الرغبة ليصبح انخطافًا للروح. وإذا كان قيس قد جعل الحب جرحًا لا يندمل، فإنكِ تمنحين الجرح عندكِ هيئةً أكثر هدوءًا، كأنكِ لا تريدين أن تصرخي من الألم، بل أن تجعلي الألم يتعلم كيف يغنّي. ثم تأتين إلى عيني الحبيب فتقولين: «عيناكَ دوحٌ غضّةٌ أفنانُهُ والكحلُ من رمقِ العيونِ يغارُ» وهنا تتجلى حساسية الصورة عندكِ في انتقالها من الضوء إلى الخضرة. فبعد الصباح والقمر، نصل إلى الدوح، أي إلى الشجرة الوارفة التي تتيح للروح أن تستريح. والعينان ليستا مجرد نافذتين للجمال، بل فضاءٌ حيّ، تتشعب فيه الأغصان، ويجد الخيال مكانًا للإقامة. إنها صورة تجمع بين رقة الغزل العربي القديم وشيءٍ من الحساسية الرومانسية التي ترى في الطبيعة مرآةً للداخل الإنساني. ولعلَّنا نتذكر هنا كيف جعل جبران خليل جبران من الطبيعة لغةً للمشاعر، وكيف استطاع الشعر الرومانسي، في تجلياته العربية والعالمية، أن يحرر الشجرة والبحر والنسيم من وظيفتها الوصفية، ليجعلها كائناتٍ تشارك الإنسان تجربته الداخلية. لكنني أريد أن أتوقف عند كلمة «يغار»؛ فالكحل، الذي وُضع أصلًا ليزيد العين جمالًا، يصبح هو نفسه غيورًا من جمالها. وهكذا يتكرر في قصيدتكِ منطق انقلاب الأشياء أمام المحبوب: الأقمار تخجل، والصباح يستعير، والكحل يغار. إن العالم كله يفقد حياده حين يدخل الحب إلى الصورة. وفي هذه النقطة تحديدًا، يا صديقة، يبدو لي أن قصيدتكِ لا تصف المحبوب بقدر ما تصف أثره في الأشياء. وهذه إحدى علامات الغنائية الناجحة؛ أن يتحول موضوع الحب إلى قوةٍ تغيّر قوانين العالم داخل النص، فلا تبقى الأشياء على هيئتها الأولى بعد أن تمر بها عاطفة الشاعر. غير أن القلب الذي يذوب في الجمال ليس قلبًا مطمئنًا بالضرورة. ففي قولكِ: «أشتاقُ قربَكَ والملامةُ غصّةٌ والبعدُ في شرعِ الغرامِ حصارُ» تخرج القصيدة من فضاء الإشراق إلى فضاء المحنة. وهنا يبدأ التوتر الحقيقي في النص؛ إذ يصبح الشوق رغبةً في الاقتراب، فيما تقف الملامة في الحلق كغصةٍ تمنع العاشق من الإفصاح الكامل. ثم تأتي صورة الحصار لتكشف أن البعد ليس مسافةً بين شخصين فحسب، بل نظامٌ من القيود يفرض نفسه على القلب. وأحب هنا، يا صديقة، استعمالكِ كلمة «شرع»؛ لأنها تنقل الحب من دائرة الشعور الفردي إلى دائرة القانون الداخلي الذي يخضع له العاشق. كأن للغرام أحكامه التي لا يستطيع القلب نقضها، وكأن العاشق يجد نفسه محكومًا بقانونٍ لم يكتبه، لكنه يعترف بسلطته. وفي هذه المفارقة شيءٌ من التوتر الذي عرفه الشعراء الرومانسيون، من جبران إلى شعراء الوجدان، حيث تصطدم حرية الروح بقيود الواقع، ويصبح الحب محاولةً دائمةً للتوفيق بين ما تشتهيه الذات وما يسمح به العالم. وهنا أجدني أقرأكِ على ضوء قول أبي فراس الحمداني: «أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتُكَ الصبرُ أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ» لا لأنكِ تكررين تجربته، بل لأن القصيدتين تلتقيان عند سؤالٍ عميق: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح الهوى قوةً تتجاوز إرادته؟ غير أن أبا فراس يواجه الحب بنبرة الفارس الذي يحاول أن يحفظ كبرياءه، أما صوتكِ فيميل إلى الاعتراف الرقيق، وإلى كشف الارتجاف الذي يسكن خلف الكلمات. ثم يحدث شيءٌ جميل حين تكتبين: «ما حلَّ ذكرُكَ في ثنايا دفاتري إلّا وفاحَ المسكُ والنَّوَّارُ» يا لها من صورة حميمية! هنا لا يعود الحبيب حاضرًا في الوجه أو العينين أو الصباح، بل ينتقل إلى الكتابة نفسها. لقد صار الاسم عطرًا، وصارت الدفاتر حديقةً خفيةً لا يعرف سرَّها إلا من يفتحها بقلبٍ محب. وأرى في هذا البيت صلةً عميقةً بتجربة الشعراء الذين جعلوا الكتابة امتدادًا للحب، لا مجرد وسيلةٍ للتعبير عنه. إن الورق عندكِ لا يحتفظ بالكلمات وحدها، بل يحتفظ بما لا تستطيع الكلمات قوله. فحين تكتبين اسم الحبيب، لا تستحضرين معناه الذهني فحسب، بل تستعيدين أثره الحسي والعاطفي؛ رائحته المتخيلة، وظلال حضوره، والدفء الذي يتركه في المكان. وهنا يحضر في ذاكرتي بيت نزار قباني: «أحبكِ جدًا وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويل» وإن اختلفت جهة الخطاب بين نصيكما، فإن الصلة تكمن في تحويل الحب إلى كتابةٍ تفيض على حدود اللغة، وفي الإحساس بأن الكلمة تستطيع أن تستبقي من الغائب ما يعجز الواقع عن استعادته. كما تلوح في هذا المشهد أصداء «رسائل إلى ميلينا» لفرانتس كافكا، حيث يغدو المكتوب مكانًا للقاء والقلق والانتظار، وتصبح الرسالة حياةً ثانيةً للعلاقة، لا مجرد خبرٍ عنها. أما قولكِ: «نبضي تسارع فاحتميتُ بخاطري كالغيمِ إذ يذرو به الإعصارُ» فهو من أكثر المواضع التي تستحق التأمل؛ لأنكِ تضعين الذات أمام حركةٍ لا تملك السيطرة عليها. فالإعصار يذرو الغيم، كما يذرو الحب انتظام النبض، ويجعل الداخل مضطربًا كسماءٍ لا تستقر. ومع ذلك، فإن عبارة «فاحتميت بخاطري» تفتح بابًا آخر للقراءة: حين يشتد الخارج، لا يبقى للذات إلا داخلها؛ وحين يعجز الجسد عن احتمال الاضطراب، تلجأ الروح إلى الفكر والذاكرة والخيال. لكن الخاطر نفسه ليس ملجأً آمنًا تمامًا، لأنه المكان الذي يقيم فيه الحبيب أيضًا. وهذا هو مأزق العاشق الجميل: يهرب من أثر المحبوب إلى داخله، فيجده هناك. يبتعد عنه في المسافة، فيقترب منه في الذاكرة. ويغلق باب الحضور، فإذا بالخيال يفتح ألف نافذة. وهنا تذكرتُ يا صديقة عالم المتنبي، لا في فخره هذه المرة، بل في ذلك الوعي الحاد بتناقضات النفس الإنسانية، حين قال: «وما الخوفُ إلا ما تخوَّفَه الفتى وما الأمنُ إلا ما رآه الفتى أمنا» فالمعنى الذي يهمنا هنا أن الإنسان قد يحمل في داخله أسباب قلقه وملاذه معًا؛ وأن ما يظنه حمايةً قد يكون بابًا آخر إلى المواجهة. وفي قصيدتكِ، يبدو الخاطر ملجأً من العاصفة، لكنه أيضًا المساحة التي تستمر فيها العاصفة بصورةٍ أكثر حميمية. ثم تأتين إلى هذا الاعتراف المضيء: «ما كنتُ أعلمُ قبلَ حبِّكَ أنني تجري بروحي جداولٌ وبحارُ» وهنا، يا صديقة، أظن أن القصيدة تبلغ واحدةً من أعمق لحظاتها الإنسانية. فالحب لا يغيّر نظرتكِ إلى الحبيب فحسب، بل يغيّر معرفتكِ بنفسكِ. لقد اكتشفتِ في روحكِ جداول وبحارًا لم تكوني تعلمين بوجودها. وكأن المحبوب لم يخلق هذه المياه، بل أزاح عنكِ الغطاء الذي كان يحجبها. هذا هو الحب بوصفه معرفةً بالذات، لا مجرد تعلقٍ بالآخر. فالإنسان قد يعيش أعوامًا وهو يظن أن قلبه محدود، وأن عاطفته لا تتجاوز مساحةً ضيقة، ثم يأتي لقاءٌ واحد فيكتشف أن داخله جغرافيا كاملة، وأن فيه أنهارًا من الحنان، وبحارًا من الشوق، وأعماقًا لم تصل إليها خطاه من قبل. وهنا أستحضر شكسبير في سونيتاته العاطفية، حيث يتحول الحب إلى تجربةٍ تعيد ترتيب الزمن والذات واللغة، كما أستحضر روميو وجولييت، لا بوصفهما نموذجًا للحب المأساوي فحسب، بل مثالًا على أن اللقاء قد يوقظ في الإنسان حياةً كاملةً كانت كامنةً فيه. ويقترب هذا المعنى أيضًا من بعض رؤى جبران في «الأجنحة المتكسرة»، حيث لا يكون الحب مجرد علاقةٍ بين شخصين، بل امتحانًا لما في الإنسان من توقٍ إلى الحرية والجمال، وما يصطدم به هذا التوق من حدود الواقع. ومع ذلك، فإن الماء الذي اكتشفته الروح لا يجري دائمًا في أرضٍ آمنة. فالبحر في قصيدتكِ ليس نزهةً هادئة؛ إنه اتساعٌ يَعِد بالحرية، لكنه يفتح أيضًا احتمالات التيه. ولهذا يبدو الانتقال من الجداول والبحار إلى العهد والوفاء انتقالًا طبيعيًا، كأن الذات، بعد أن اكتشفت اتساع مشاعرها، احتاجت إلى ما يمنح هذا الاتساع معنىً واستقرارًا. فتقولين: «يا مَنْ رعيتَ العهدَ لم تكُ غائبًا والحُرُّ إن جارَ الزمانُ يُجارُ» هنا يدخل الوفاء إلى القصيدة بوصفه قيمةً أخلاقيةً لا تقل أهميةً عن الجمال. فالمحبوب ليس جميلًا لأنه يشرق كالصباح فحسب، بل لأنه يرعى العهد. وبذلك تتجاوزين الصورة التقليدية التي تجعل المحبوب موضوعًا للإعجاب، لتمنحيه صفةً إنسانيةً هي الثبات حين تتغير الظروف. وأحب في هذا الموضع أن أتأمل كلمة «يُجار»؛ فهي تحمل معنى الحماية والإغاثة، وكأن الوفاء ليس مجرد استمرارٍ في العلاقة، بل أن يكون الإنسان ملاذًا لمن أحب، خصوصًا حين يجور الزمان. وهذه قيمةٌ تلتقي مع روح المروءة في الشعر العربي، ومع فكرة العهد في الموروث الإنساني كله، من قصص الوفاء القديمة إلى أدب الرسائل والاعترافات الحديثة. لكن البيت التالي يضيف إلى المعنى قوةً أخرى: «وإذا الكرامُ رعوا بعهدِهِمُ الهوى لا يستفزُّ قلوبَهُم تيَّارُ» هنا تتسع التجربة من الحبيب المفرد إلى الكرام بوصفهم نموذجًا أخلاقيًا. لقد صار الحب امتحانًا للمروءة، وصار الوفاء علامةً على معدن الإنسان. وفي هذا التحول تلتقي قصيدتكِ مع تقاليد الشعر العربي التي ربطت الحب بالعهد، ورأت في الثبات على الوعد قيمةً تكشف جوهر المحب، لا مجرد درجة تعلقه. غير أن التيار الذي لا يستفز قلوب الكرام يظل حاضرًا في صورة البحر التي ستعودين إليها لاحقًا. وهذا التكرار يمنح النص تماسكًا دلاليًا؛ فالبحر عندكِ ليس صورةً عابرة، بل قوةٌ تتبدل وظيفتها من موضعٍ إلى آخر. مرةً يكون اتساعًا للروح، ومرةً يصبح تيارًا يختبر الثبات، ومرةً ثالثةً يتحول إلى موجٍ بلا ضفاف. ولعلَّ هذا التدرج من أجمل ما في بنية القصيدة؛ إذ تنتقل الصورة من الطبيعة المضيئة إلى الطبيعة المضطربة، فيما يظل القلب هو المركز الذي تتغير حوله عناصر العالم. ثم تعودين إلى الصباح، كأنكِ تعودين إلى عتبة القصيدة الأولى: «يا مَنْ يعيرُ الصبحُ ضوءَ جبينهِ ما غابَ طيفُكَ والحبيبُ يُزارُ» هنا تكتمل دائرة الضوء، لكننا لا نعود إلى البداية كما خرجنا منها. ففي المطلع كان الصباح شاهدًا على جمال المحبوب، أما الآن فقد أصبح ضوء الصباح مستعارًا من جبينه. وبين الموضعين قطعت القصيدة مسافةً وجدانيةً طويلة؛ دخلت الشوق والملامة والاضطراب والوفاء، ثم عادت إلى الضوء وقد حملت في داخلها شيئًا من العتمة. وهذه العودة ليست تكرارًا خالصًا، بل محاولةٌ لاسترداد الطمأنينة. كأنكِ تقولين لنفسكِ إن الغياب لا يملك أن يمحو الحضور ما دام الطيف قادرًا على الزيارة. لكن هذا الحضور يظل ملتبسًا؛ فهل الحبيب حاضرٌ في الواقع، أم أن القلب صار قادرًا على استحضاره بحيث لم يعد الغياب نقيضًا كاملًا للحضور؟ إنها منطقةٌ دقيقةٌ من مناطق الحب، يا صديقة، حيث لا يعود الطيف مجرد ذكرى، بل يصبح طريقةً للعيش. ولعل هذا ما يجعل القصيدة قريبةً من تقاليد الشعر الرومانسي، حيث تتعايش الذات مع الحبيب الغائب داخل عالمٍ تصنعه الذاكرة، ويغدو الخيال وسيلةً لمقاومة الفقد، وإن لم يستطع إلغاءه. لكنني أظن أن أكثر أبياتكِ كشفًا عن هذا التناقض هو قولكِ: «لهواكَ بحرٌ لا ضفافَ لموجهِ وعليكَ من وحيِ الإلهِ وقارُ» إنه بيتٌ يجمع بين طرفين متباعدين ظاهريًا: بحرٌ بلا ضفاف، أي عاطفةٌ لا تعرف الحدود، ووقارٌ مستمد من وحيٍ إلهي، أي حضورٌ تحيط به السكينة والجلال. وهنا يصبح الحب تجربةً تتأرجح بين الانفلات والانضباط، بين الرغبة التي لا تعرف حدودًا والقيمة التي تمنح المشاعر مقامًا روحيًا. وأقرأ عبارة «وحي الإله» بوصفها إحالةً إلى المقدس في اللغة الشعرية، لا حكمًا على طبيعة العلاقة نفسها. فالشعر كثيرًا ما يستعير من الحقول الدينية مفردات النور والسكينة والوقار ليعبّر عن شعورٍ يتجاوز المألوف، ويبحث عن معنى أعلى من اللذة العابرة. ومع ذلك، فإن هذا البيت يفتح سؤالًا يستحق أن نصغي إليه معًا: هل يمنح الحب الروح اتزانها، أم أن اتساعه يهددها بفقدان الحدود؟ لعل قصيدتكِ لا تريد حسم هذا السؤال؛ إنها تتركه نابضًا في المسافة بين البحر والوقار، بين الموج والسكون، بين ما لا يمكن ضبطه وما نتمنى أن يظل نقيًا. وهنا يحضر في ذاكرتي العشق الصوفي عند ابن عربي، حيث تتداخل لغة الحب مع لغة المعرفة الروحية، وتصبح التجربة العاطفية طريقًا إلى مساءلة حدود الذات. كما تلوح بعض قصائد جلال الدين الرومي، في ترجمتها العربية، حيث يتحول الشوق إلى حركةٍ لا تنتهي نحو ما يوقظ الروح من سباتها. غير أن قصيدتكِ تحتفظ بصوتها الغزلي الخاص، ولا تذوب في التصوف؛ فهي تعود دائمًا إلى الحبيب، إلى العينين والوجه والدفاتر والهجر، أي إلى التفاصيل الإنسانية التي تمنح العاطفة جسدها. ثم تأتي الانعطافة التي تكشف ما كان الضوء يخفيه: «ما كنتُ أعلمُ قبلَ هجرِكَ أنَّهُ للنارِ في عمقِ الحشا آثارُ» ما أقسى هذا الاكتشاف، وما أصدقه! لقد علمكِ الحب أن في الروح جداول وبحارًا، ثم جاء الهجر ليعلمكِ أن في العمق نارًا. وكأن القصيدة تقيم معرفةً مزدوجةً بالذات: معرفةً بقدرتها على الحب، ومعرفةً بقدرتها على الاحتراق. وهنا تتجلى براعة المقابلة بين الماء والنار. فالماء الذي كان علامةً على الاتساع والخصوبة يتحول إلى خلفيةٍ تزداد أمامها النار وضوحًا. وليس المقصود أن الحب صار نقيضًا للحياة، بل أن التجربة الواحدة كشفت وجهين متلازمين منها؛ فالروح التي تتسع للحب هي نفسها التي تتألم حين تفقده. وأرى في هذا التحول صلةً بما كتبه جبران عن الألم بوصفه نافذةً على أعماق الإنسان، وبما عرفته الرواية العالمية عند مارسيل بروست، حيث تستطيع الذاكرة أن تستعيد الحضور، لكنها قد تستعيد معه وجع الفقد أيضًا. كما يذكّرنا هذا الموضع بعالم كافكا الداخلي، حيث يصبح الغياب حالةً نفسيةً لا تنتهي بانتهاء المسافة، بل تتسع داخل الذات وتعيد تشكيل علاقتها بنفسها وبالعالم. لكنني لا أريد أن أحمّل قصيدتكِ حزنًا أكثر مما تقول؛ ففيها، رغم النار، خيطٌ من الوفاء لا ينقطع. أنتِ لا تتخلين عن العهد لأن الهجر وقع، ولا تتنكرين للمحبة لأن الألم كشف عن وجهه. وهذا ما يجعل التجربة أكثر إنسانيةً من مجرد شكوى عاشقة؛ إذ يبدو الصوت الشعري كأنه يحاول أن يحفظ للحب معناه، حتى حين تتغير شروطه. وتختمين بقولكِ: «عهدي تُرَتِّقُ ما تفتَّقَ بالهوى في عتمِ بُعدِكَ غربةٌ وقِفارُ» يا صديقة، أرى في هذا الختام صورةً جديرةً بأن نتوقف عندها طويلًا. فالعهد عندكِ ليس ذكرى محفوظةً في القلب، بل يدٌ تخيط ما مزقه الحب. إنكِ تمنحين الوفاء فعلًا ملموسًا؛ فهو يرقع، ويصل، ويحاول أن يعيد إلى الروح شيئًا من تماسكها. وفي المقابل، يأتي البعد في هيئة عتمةٍ وغربةٍ وقفار، أي أن العالم يفقد خصوبته حين يغيب من يمنحه المعنى. إنها صورةٌ تلتقي مع ما نجده في الشعر العربي من استعارات التئام الجرح، ومع تقاليد الشعر الرومانسي التي تجعل الطبيعة القاحلة انعكاسًا لجدب الروح. غير أن اختياركِ لفعل «ترتق» يضيف معنىً خاصًا؛ فالرتق لا يمحو أثر التمزق، بل يعيد وصل أجزائه. والشيء الذي رُتق قد يحتفظ بعلامة الجرح، لكنها تصبح جزءًا من تاريخه، لا دليلًا على استحالة شفائه. وهنا، في ظني، يكمن أعمق معنى في قصيدتكِ: لستِ شاعرةً تتغنى بالحب لأنه جميل فحسب، بل لأنكِ ترين فيه امتحانًا للوفاء، واكتشافًا للذات، ومواجهةً للفقد، ومحاولةً لترميم ما يتصدع في الإنسان. ولذلك لا ينتهي النص عند إعلان الهجر، بل عند العهد؛ ولا تكون الكلمة الأخيرة للغربة، بل للمحاولة التي تقاومها. أما من جهة المدارس الشعرية، فإن قصيدتكِ تنتمي في روحها إلى الغزل الوجداني ذي الجذور الكلاسيكية، وتستثمر أدوات القصيدة العربية الموروثة: القافية الموحدة، والبحر الكامل، والمبالغة في وصف المحبوب، والتشخيص، والتوازي بين الصور. وتقترب في بعض مقاطعها من الرومانسية، من خلال جعل الطبيعة مرآةً للذات، وتحويل الجداول والبحار والغيم والإعصار والنار إلى رموزٍ للحالة النفسية. كما تلامس أفقًا روحيًا حين ترتقي بالمحبوب إلى مقام النور والوقار، من غير أن تفقد صلتها بالتجربة العاطفية المباشرة. وإيقاع البحر الكامل، بما يتيحه من حركةٍ واسعة ونبرةٍ إنشادية، ينسجم مع اندفاع العاطفة في النص، ولا سيما في الأبيات التي تقوم على النداء والاستفهام وتراكم الصور. أما القافية بالراء المضمومة، بما تخلقه من رنينٍ متكرر، فتمنح القصيدة نبرةً تصلح للإنشاد، وتجمع مقاطعها على الرغم من انتقالها بين البهجة والاضطراب والهجر. ومع ذلك، فإن بعض المواضع تستحق مراجعةً لغويةً وعروضيةً هادئة، لا انتقاصًا من حرارة التجربة، بل حفاظًا على صفاء العبارة وانسجام الوزن؛ فمثل هذه المراجعة قد تمنح الصورة الجيدة حقها الكامل في الوصول إلى القارئ. وأعود إليكِ الآن، يا صديقة علي رابعة، لا بوصفكِ صاحبة أبياتٍ قرأتها وانتهى الأمر، بل بوصفكِ صوتًا وضع قلبه على عتبة اللغة، وترك لنا أن نرى كيف يتغير الإنسان حين يحب. لقد بدأتِ بالوجه الذي يشرق كالصباح، وانتهيتِ بروحٍ تحاول أن ترقع ما فتقه الهجر؛ وبين البداية والنهاية رأينا العاشقة وهي تكتشف اتساعها، وتخاف من اتساعها، وتبحث عن عهدٍ يحميها من التبعثر. وأحسب أن أجمل ما في قصيدتكِ ليس أن الحبيب يشبه القمر، أو أن الصباح يستعير من جبينه ضياءه، بل أنكِ كشفتِ لنا أن القلب يستطيع أن يحمل في داخله هذا التناقض كله: أن يكون بحرًا ونارًا، أن يشتاق ويخشى الملامة، أن يتألم ولا يتخلى عن الوفاء، وأن يرى في الكتابة بيتًا أخيرًا يعود إليه حين تضيق به الجهات. فيا صديقتي الشاعرة، لعلَّ القصيدة في جوهرها ليست حديثًا عن حبيبٍ وحده، بل عن تلك النسخة الجديدة من الذات التي يولدها الحب فينا، ثم يتركنا، بعد الرحيل، نحاول أن نتعرف إليها من جديد. وربما لهذا لا تكون الغربة في خاتمتكِ مجرد غياب شخص، بل غياب الطمأنينة التي عرفناها في حضوره؛ ولا يكون العهد مجرد وعدٍ له، بل وعدًا من الذات لنفسها ألّا تنكر ما اكتشفته من جمالها وقدرتها على المحبة. وإذا كان للقصيدة أن تهمس لنا بسرّها الأخير، فلعله هذا: ليس كل ما يرحل يغيب، وليس كل ما يتصدع ينتهي؛ فبعض الوجوه تبقى في الذاكرة كالصباح، وبعض الجراح تتحول إلى لغة، وبعض العهود لا تعيد الغائب، لكنها تمنح القلب القدرة على مواصلة الحياة دون أن يخون ما شعر به يومًا. دمتِ، يا صديقة، قادرةً على تحويل ارتجاف القلب إلى إيقاع، وعلى أن تجعلي من المسافة قصيدة، ومن الحنين نافذة، ومن اللغة يدًا رقيقةً تمتد إلى الروح لتقول لها: ما زال فيكِ متسعٌ للحياة، ما دام فيكِ متسعٌ للحب.
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأدب ينجح عندما يمتلك المادة الواقعية ويعيد خلقها -ربيعة جل
...
-
المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -
-
حين خاف ابن خلدون من العقل على الفلسفة
-
حين يطغى المديح على النقد: قراءة نقدية في دراسة «أغاني الريح
...
-
«من يوميات امرأةٍ مرّت من هنا».
-
الاندماج الاجتماعي وبناء العلاقات لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
«المرأة في مسيرة الإنسانية: من الهامش إلى استعادة الحضور وصن
...
-
من ردّ الفعل إلى الاستجابة الواعية
-
قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
-
«حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار
...
-
الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا
...
-
•وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال
...
-
السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
-
رسالة من هناك
-
التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
-
أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
-
دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
-
طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.
-
أهمية التشخيص المبكر للتوحد .
المزيد.....
-
الجامعة العربية: الثقافة الإعلامية والمعلوماتية ضرورة حتمية
...
-
اتحاد الكتّاب يشيد برفض الروائية الأيرلندية سالي روني ترجمة
...
-
دراسة صينية: موسيقى البيانو الهادئة تعالج التوتر أسرع من أصو
...
-
مهرجان الجونة يفتتح دورته التاسعة بحفل استثنائي يحتفي بسحر ا
...
-
تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
-
بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف
...
-
حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن
...
-
باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا
...
-
-أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف
...
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|