أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - النقد الفني والإعلامي بوصفه ممارسة معرفية وجمالية: نحو ثقافة نقدية مسؤولة لدى القراء والمتلقين















المزيد.....

النقد الفني والإعلامي بوصفه ممارسة معرفية وجمالية: نحو ثقافة نقدية مسؤولة لدى القراء والمتلقين


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 22:18
المحور: قضايا ثقافية
    


يُعدّ النقد أحد المكونات الأساسية للحياة الثقافية والفكرية، فهو ليس مجرد وسيلة لإبداء الإعجاب أو تسجيل الملاحظات أو إصدار الأحكام السريعة، بل هو ممارسة معرفية وتحليلية تسعى إلى فهم الخطاب، والكشف عن بنيته ودلالاته، وتقييم أدواته وطرائق التعبير فيه، ووضعه ضمن سياقه الثقافي والاجتماعي والتاريخي. وتزداد أهمية هذه الممارسة في عصر تتعدد فيه وسائل الاتصال وتتسارع فيه صناعة المحتوى، من الجرائد والمجلات والمقالات الأدبية إلى البرامج التلفزيونية والأعمال السمعية البصرية، ومن السينما والمسرح إلى الفنون التشكيلية والموسيقى وغيرها من أشكال التعبير الإبداعي.
إن بناء ثقافة نقدية مسؤولة لا يقتصر على النقاد والباحثين والمتخصصين، بل يشمل القراء والمشاهدين والمستمعين، وكل من يتفاعل مع الإنتاج الثقافي والإعلامي. فالمتلقي الواعي لا يكتفي باستهلاك المحتوى أو الانفعال به، وإنما يحاول فهم كيفية إنتاجه، والرسائل التي يحملها، والأساليب التي يستخدمها للتأثير في الجمهور، ومدى اتساق أحكامه ومضامينه مع الأدلة والمعايير التي يستند إليها. ومن هنا، يصبح النقد وسيلة لتطوير الذائقة، وتنمية التفكير المستقل، وتعزيز قدرة الجمهور على التمييز بين المعرفة والدعاية، وبين التحليل الرصين والانطباع العابر، وبين التقييم المهني والمجاملة.
تتمثل إحدى أهم إيجابيات النقد في أنه يساعد المتلقي على الانتقال من الاستجابة الأولية إلى الفهم الأعمق. فعندما يقرأ المرء مقالًا في صحيفة أو مجلة، أو يشاهد فيلمًا سينمائيًا أو مسلسلًا تلفزيونيًا، أو يحضر عرضًا مسرحيًا، قد يتكون لديه انطباع سريع بالقبول أو الرفض. وهذا الانطباع حق مشروع، لكنه لا يكفي وحده لتكوين حكم نقدي متكامل. فالسؤال الأهم هو: لماذا أعجبنا هذا العمل أو لم يعجبنا؟ وما العناصر التي أسهمت في نجاحه أو أضعفت أثره؟ وهل يرتبط موقفنا بالمضمون، أم بطريقة تقديمه، أم بخياراته الفنية، أم بتوقعاتنا الشخصية؟ إن طرح هذه الأسئلة يحوّل التلقي من موقف انفعالي إلى عملية واعية تقوم على الملاحظة والتحليل والتفسير.
وفي مجال الجرائد والمجلات، لا تقتصر القراءة النقدية على مضمون المقال أو الخبر، بل تشمل أيضًا طريقة صياغته، وبناء حججه، وانتقاء معلوماته، واستخدام مصادره، والعلاقة بين عنوانه ومحتواه. فقد يكون العنوان مثيرًا لكنه لا يعكس مضمون المادة بدقة، وقد يتضمن المقال معلومات صحيحة، لكنه يقدمها بطريقة انتقائية تؤدي إلى استنتاج مضلل. لذلك يحتاج القارئ إلى التمييز بين الخبر والرأي والتحليل والإعلان، وأن يتساءل عن الأدلة التي يستند إليها الكاتب، ومدى وضوح مصادره، وما إذا كان يعرض وجهات النظر ذات الصلة بإنصاف، أم ينتقي منها ما يخدم موقفًا محددًا.
ويمكن تطبيق ذلك عمليًا عند قراءة مقال صحفي يتناول قضية ثقافية أو اجتماعية. فبدلًا من تبني رأي الكاتب مباشرة، يستطيع القارئ تحديد الفكرة الأساسية، واستخراج الحجج المستخدمة للدفاع عنها، والتحقق من المعلومات القابلة للتثبت، ثم التمييز بين الوقائع والتفسيرات والأحكام القيمية. كما يمكنه مقارنة معالجة القضية نفسها في أكثر من صحيفة أو مجلة، وملاحظة الاختلاف في اختيار المعلومات والعناوين والزوايا التحليلية. ولا يعني هذا افتراض وجود تحيز في كل مادة صحفية، بل اعتماد منهج في القراءة يجعل الثقة نتيجة للفحص، لا مجرد استجابة لاسم الصحيفة أو شهرة الكاتب.
أما المقالات الأدبية، فتحتاج إلى قراءة تراعي اللغة والبناء والأسلوب والصورة والرمز والحجة، بحسب طبيعة النص وغايته. فالمقالة الأدبية قد تستمد قيمتها من جمال التعبير وعمق الفكرة وقدرتها على إثارة الأسئلة، لكنها قد تتضمن أيضًا تعميمات أو تناقضات أو أحكامًا تحتاج إلى مراجعة. ويمكن للقارئ أن يلاحظ كيف يبني الكاتب فكرته، وكيف ينتقل بين الفقرات، وما مدى ترابط الاستنتاجات، وكيف يستخدم الاستعارة والمقارنة والوصف والإقناع. وإذا وجد نفسه متأثرًا بنص ما، فمن المفيد أن يسأل إن كان هذا التأثر ناتجًا عن قوة الحجة، أم عن جمال اللغة، أم عن استثارة العاطفة، أم عن اجتماع هذه العناصر. فالفهم النقدي لا ينتقص من جمال النص، بل يساعد على إدراك الوسائل التي صنعت أثره.
ويكتسب النقد أهمية خاصة في المجال السمعي البصري، لأن الرسالة فيه لا تُقدَّم بالكلمات وحدها، بل تتشكل من تفاعل الصورة والصوت والحركة والمونتاج والإضاءة والأداء والإيقاع. ولهذا لا يكفي تقييم البرنامج التلفزيوني أو الفيلم أو العمل الوثائقي استنادًا إلى موضوعه فقط؛ إذ ينبغي الانتباه أيضًا إلى كيفية بناء الصورة، واختيار اللقطات، وترتيب المشاهد، واستخدام الموسيقى والمؤثرات الصوتية، وطريقة توظيف التعليق، والعلاقة بين ما يُقال وما يُعرض. فقد يكون المضمون مهمًا، لكن المعالجة ضعيفة أو مبتسرة، وقد تكون الصورة مؤثرة، لكنها لا تقدم وحدها دليلًا كافيًا على صحة الادعاء المصاحب لها.
وعند مشاهدة برنامج تلفزيوني حواري، مثلًا، يستطيع المتلقي أن يتساءل عن طبيعة الأسئلة المطروحة، ومدى توازن إدارة الحوار، والوقت الممنوح للضيوف، وطريقة التعامل مع المعلومات المتعارضة، وما إذا كان مقدم البرنامج يميز بين المعلومة المؤكدة والرأي الشخصي. كما يمكنه ملاحظة أثر الموسيقى والمؤثرات البصرية وطريقة المونتاج في تشكيل الانطباع عن الضيف أو القضية. وفي البرامج الإخبارية والوثائقية، من المهم التحقق من مصادر المعلومات، والتمييز بين الصورة الأصلية والصورة الأرشيفية، والانتباه إلى السياق الذي عُرض فيه المشهد. فالصورة قد تكون حقيقية، لكن اجتزاءها أو تقديمها خارج سياقها قد يغير معناها بصورة جوهرية.
وفي السينما، يتطلب النقد الجمع بين فهم الموضوع وتحليل الأدوات الفنية التي تنقله. ويمكن للمشاهد أن يدرس بناء القصة، وتطور الشخصيات، والإيقاع، والحوار، والتصوير، والإضاءة، والمونتاج، والموسيقى، ومدى الانسجام بين هذه العناصر. فإذا بدا الفيلم ضعيفًا، فمن المفيد تحديد موضع الخلل: هل تكمن المشكلة في منطق الأحداث، أم في سطحية الشخصيات، أم في إطالة المشاهد، أم في افتعال الحوار، أم في عدم انسجام الصورة مع الحالة الدرامية؟ وإذا بدا ناجحًا، فمن المهم توضيح العناصر التي أسهمت في نجاحه بدلًا من الاكتفاء بوصفه بأنه رائع أو مؤثر.
ولا ينبغي أن يتحول النقد السينمائي إلى البحث عن أخطاء تقنية فقط، أو إلى اختزال الفيلم في رسالته السياسية أو الاجتماعية. فالفيلم تجربة فنية متكاملة قد تتعدد دلالاتها، وقد تنشأ قيمته من أسلوبه البصري أو من معالجته الزمن أو الذاكرة أو العلاقات الإنسانية، حتى عندما لا يقدم موقفًا مباشرًا. كما أن اختلاف المشاهد مع رؤية الفيلم لا يعني بالضرورة ضعف قيمته الفنية، تمامًا كما أن الاتفاق مع رسالته لا يثبت وحده جودة تنفيذه. ومن ثم، يحتاج التقييم إلى التمييز بين الموقف من الفكرة والحكم على الطريقة الفنية التي صيغت بها.
وينطبق الأمر نفسه على المسلسلات التلفزيونية، مع مراعاة خصوصية البناء الدرامي الممتد. فالمشاهد يستطيع أن يلاحظ تطور الشخصيات عبر الحلقات، وتماسك الحبكة، ومدى منطقية التحولات، وتوازن الإيقاع، وقدرة العمل على تجنب التكرار والمبالغة والمصادفات المصطنعة. كما يمكنه التمييز بين معالجة درامية تتناول قضية اجتماعية بعمق، وأخرى تستخدم القضية وسيلة لجذب الانتباه دون تطوير حقيقي للشخصيات أو الأفكار. ومن المهم أيضًا ألا تُعمَّم جودة حلقة واحدة أو ضعفها على العمل كله من دون النظر إلى بنيته العامة ومساره الدرامي.
أما في المسرح، فإن النقد يحتاج إلى الانتباه إلى العلاقة الحية بين النص والممثل والمخرج والفضاء المسرحي والجمهور. فالعرض لا يقوم على الحوار وحده، وإنما يتشكل أيضًا من الحركة والإيماءة والصوت والإضاءة والديكور والأزياء والإيقاع واستخدام الخشبة. ويمكن للمتلقي أن يسأل عن مدى انسجام الأداء مع طبيعة الشخصيات، وعن قدرة الإخراج على تحويل النص إلى تجربة بصرية وسمعية، وعن وظيفة الديكور والإضاءة في بناء المعنى، وعن طبيعة العلاقة التي ينشئها العرض مع الجمهور. وقد يكون النص الأدبي قويًا، بينما لا ينجح التنفيذ المسرحي في إبراز إمكاناته؛ وقد يقدم العرض قراءة جديدة للنص تمنحه دلالات لم تكن واضحة في القراءة الأولى. لذلك ينبغي التمييز بين نقد النص المسرحي ونقد العرض بوصفه إنجازًا فنيًا مستقلًا، مع إدراك العلاقة بينهما.
وفي الفنون التشكيلية والموسيقى وسائر المجالات الإبداعية، تتطلب الممارسة النقدية احترام خصوصية كل فن وأدواته. ففي اللوحة يمكن ملاحظة التكوين والألوان والخامات والفضاء والعلاقة بين العناصر، بينما يستدعي العمل الموسيقي الانتباه إلى اللحن والإيقاع والتوزيع والأداء والتعبير الصوتي. ولا ينبغي أن يكون غياب المعرفة المتخصصة سببًا لإطلاق أحكام قاطعة، بل يمكن للمتلقي أن يبدأ بوصف ما يلاحظه، ثم يطرح الأسئلة ويبحث عن المفاهيم التي تساعده على فهم التجربة. فالتواضع المعرفي ليس نقصًا في النقد، بل شرط من شروط تطوره.
ومن أهم مبادئ النقد الفني والإعلامي التمييز بين الرأي الشخصي والحجة القائمة على الشواهد. فإذا رأى القارئ أن مقالًا صحفيًا ضعيف، فمن الأفضل أن يوضح هل يعود ذلك إلى غياب المصادر، أم إلى ضعف الترابط، أم إلى الخلط بين الوقائع والتفسيرات. وإذا اعتقد أن أداء ممثل كان مقنعًا، يمكنه الإشارة إلى طبيعية التعبير أو انسجام الحركة مع الشخصية أو القدرة على نقل التحولات النفسية. وإذا وجد أن برنامجًا تلفزيونيًا منحاز، فعليه أن يحدد المؤشرات التي لاحظها، مثل انتقاء الضيوف أو تجاهل معلومات أساسية أو التعامل غير المتكافئ مع الآراء المختلفة. إن تقديم الشواهد لا يجعل الحكم نهائيًا، لكنه يجعله أكثر وضوحًا وقابلية للمراجعة والحوار.
وتتطلب هذه الممارسة قدرًا من الموضوعية والمنهجية. فالموضوعية لا تعني إلغاء الذائقة الشخصية أو الادعاء بأن جميع الناس سيصلون إلى الحكم نفسه، وإنما تعني أن يوضح الناقد الأسس التي استند إليها، وأن يفرق بين ما شاهده أو قرأه فعلًا وبين ما استنتجه منه، وأن يراعي طبيعة العمل وسياقه وهدفه. ولا يصح أن يُحاكم فيلم تجريبي بالمعايير نفسها التي يُحاكم بها فيلم تجاري تقليدي من دون مراعاة اختلاف المقاصد والاختيارات، كما لا ينبغي تقييم مقال بحثي بالمعايير نفسها التي تُستخدم في تقييم مقالة أدبية ذات غاية تعبيرية. فالمعايير النقدية تحتاج إلى وضوح، لكنها تحتاج أيضًا إلى ملاءمة موضوعها.
ويؤدي التخصص دورًا أساسيًا في تحسين النقد؛ فالنقد الصحفي يختلف عن النقد الأدبي، والنقد السينمائي عن النقد المسرحي، وتحليل البرامج التلفزيونية عن دراسة الفنون التشكيلية. ولكل مجال مفاهيمه وأدواته وتاريخه، ومعرفة هذه الخصائص تساعد الناقد على تجنب الأحكام العامة والسطحية. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول التخصص إلى انغلاق يمنع الاستفادة من الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ ودراسات الإعلام. فالتداخل المعرفي قد يثري التحليل، بشرط أن يقوم على فهم حقيقي للمجال، وألا يُستخدم لإضفاء مظهر أكاديمي على أحكام لا تسندها الأدلة.
وتبرز نزاهة الناقد واستقلاليته بوصفهما شرطين أساسيين لبناء الثقة. فعندما تتداخل المصالح الشخصية مع الأحكام المهنية، أو تتحول التغطيات الثقافية إلى مجاملات متبادلة، تتراجع قدرة الجمهور على التمييز بين التقييم والترويج. وقد تنشأ هذه المشكلة في الصحافة والمجلات الثقافية، كما قد تظهر في تغطية المهرجانات والبرامج التلفزيونية والعروض الفنية. ولا يعني ذلك أن التعاون مع المؤسسات أو حضور الفعاليات أمر سلبي في ذاته، فهذه الأنشطة قد تتيح الاطلاع المباشر وتبادل الخبرات. لكن ينبغي أن تظل العلاقة المهنية منفصلة عن واجب التقييم، وألا تتحول الدعوات أو الصداقات أو المصالح المشتركة إلى التزام بالمديح أو سبب لتجنب الملاحظات الضرورية.
كما ينبغي التمييز بين النقد والانتقاد الشخصي. فالنقد الجاد يناقش العمل ومكوناته وأدلته وخياراته، بينما قد ينصرف الانتقاد غير المسؤول إلى السخرية من صاحبه أو التشكيك في نواياه أو التقليل من قيمته. ولا تُقاس قوة الناقد بحدة لغته أو قسوة أحكامه، بل بقدرته على بناء تحليل متماسك، وتحديد نقاط القوة والضعف، واحترام الأشخاص مع الاحتفاظ بحقه في الاختلاف. وفي المقابل، فإن احترام الفنان أو الكاتب أو الصحفي لا يعني إعفاء أعماله من التقييم، كما أن تقبل النقد لا يقتضي موافقة صاحبه على كل ما يُقال؛ فالحوار الثقافي يقوم على حق الاختلاف المتبادل.
ويمكن للقراء تنمية مهاراتهم النقدية من خلال ممارسات بسيطة ومتكررة. فمن المفيد، بعد قراءة مقال أو مشاهدة فيلم أو برنامج تلفزيوني أو حضور عرض مسرحي، تدوين الانطباع الأول، ثم تحديد العناصر التي أدت إليه، ثم اختيار شاهد واضح يدعم الرأي. وبعد ذلك يمكن الاطلاع على قراءة نقدية متخصصة ومقارنة الحجج، لا بهدف تبني رأي الناقد تلقائيًا، بل لمعرفة ما إذا كانت القراءة الجديدة قد كشفت جوانب لم ينتبه إليها المتلقي. ويساعد هذا التمرين على مراجعة الأحكام وتطوير الذائقة بمرور الوقت.
ويمكن اعتماد بطاقة نقدية موجزة تتكون من خمسة أسئلة تصلح لمعظم أشكال الإنتاج الثقافي والإعلامي: ما طبيعة العمل وما غايته الظاهرة؟ ما أبرز عناصره ومكوناته؟ ما نقاط القوة والضعف التي ألاحظها؟ ما الشواهد التي تدعم تقييمي؟ وما المعلومات أو الجوانب التي أحتاج إلى فهمها بصورة أفضل؟ وفي حالة المواد الصحفية والإعلامية، يمكن إضافة أسئلة عن المصادر والسياق ودقة العنوان وتوازن العرض. أما في السينما والتلفزيون والمسرح، فيمكن توجيه الانتباه إلى الأداء والبناء والإيقاع والصورة والصوت والعلاقة بين الشكل والمضمون. وبهذه الطريقة تصبح القراءة النقدية عادة عملية لا تتطلب من الجميع أن يكونوا متخصصين، لكنها تشجعهم على التفكير المنظم وتجنب الأحكام الاعتباطية.
وفي البيئة الرقمية، تزداد أهمية التحقق قبل نشر التعليقات أو تداول المقاطع والأحكام. فقد ينتشر رأي مبني على مشهد مجتزأ، أو تُنقل عبارة من مقال من دون سياقها، أو يتحول الجدل حول شخصية عامة إلى بديل عن مناقشة عملها. ولذلك ينبغي مراجعة المصدر الأصلي متى أمكن، والتمييز بين المعلومة المؤكدة والتأويل، وتجنب تعميم الحكم على عمل كامل استنادًا إلى مقتطف محدود. كما أن عدد المشاهدات والإعجابات لا يثبت وحده الجودة الفنية أو صدق المعلومات، مثلما أن قلة الانتشار لا تعني بالضرورة ضعف القيمة. فالتفاعل الجماهيري مؤشر على الانتشار، وليس معيارًا كافيًا للحكم على الجودة.
ومن الناحية الفلسفية، يقوم النقد المسؤول على إدراك أن الأحكام الجمالية والإعلامية تجمع بين عناصر ذاتية وأخرى يمكن تحليلها وفحصها. فقد تختلف الأذواق وتتعدد التأويلات، لكن هذا لا يعني أن جميع الآراء متساوية في قوتها؛ إذ يمكن التمييز بين رأي يوضح مبرراته ويستند إلى شواهد، ورأي يقوم على تعميم أو تحيز أو انطباع غير مفسر. كما أن النقد لا يهدف إلى فرض معنى نهائي على العمل، بل إلى توسيع دائرة الفهم وإتاحة الفرصة لحوار يتقبل الاختلاف. وكلما كان المتلقي أكثر استعدادًا لمراجعة رأيه، أصبح قادرًا على الاستفادة من النقد من دون أن يفقد استقلاله.
ولا تكتمل الثقافة النقدية من دون دور فاعل للمؤسسات الصحفية والثقافية والتعليمية والإعلامية. فالمطلوب هو إتاحة مساحة حقيقية للنقد المتخصص والمستقل، وتشجيع المراجعات التي تشرح أحكامها، والفصل الواضح بين المحتوى التحريري والمحتوى الإعلاني، ودعم الدراسات التي تساعد الجمهور على فهم اللغة البصرية والسمعية وطرائق التأثير الإعلامي. كما يمكن للمؤسسات التعليمية والمكتبات والمراكز الثقافية تنظيم ورشات في قراءة المقالات وتحليل الأفلام والبرامج والعروض المسرحية، بما يتيح للقراء والمشاهدين ممارسة النقد جماعيًا في بيئة تقوم على الاحترام وتبادل المعرفة.
إن النقد الفني والإعلامي ليس خصومة مع الإبداع، ولا سلطة مطلقة يمتلكها الناقد، ولا مجرد مساحة لتبادل الثناء والرفض. إنه ممارسة معرفية وجمالية وأخلاقية تساعد على فهم الأعمال والخطابات، وتطوير أدوات التعبير، ورفع مستوى التلقي، وتعزيز استقلال الجمهور. وتنبع قيمته من الجمع بين الحس الجمالي والانضباط المنهجي، وبين حرية الرأي والمسؤولية، وبين احترام التجربة الإبداعية والجرأة في مساءلتها.
إن ازدهار الحياة الثقافية لا يتحقق بالمديح الدائم ولا بالهدم المستمر، بل بنقد يقدّر الإنجاز، ويشرح مواضع الضعف، ويستند إلى الشواهد، ويحترم اختلاف القراءات، ويظل مستعدًا لمراجعة أحكامه. فالقارئ الذي يفحص المقال قبل تبني فكرته، والمشاهد الذي ينتبه إلى الصورة والصوت والسياق، والناقد الذي يبرر رأيه ويحافظ على استقلاله، جميعهم يشاركون في بناء فضاء ثقافي أكثر وعيًا وشفافية. ومن هنا، فإن تنمية الثقافة النقدية مسؤولية مشتركة بين الصحفيين والكتاب والفنانين والنقاد والمؤسسات والقراء، وضرورة أساسية لمجتمع لا يكتفي باستهلاك ما يُقدَّم إليه، بل يسعى إلى فهمه ومناقشته وتقييمه بوعي ومسؤولية.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة تأملية في قصيدة
- الأدب ينجح عندما يمتلك المادة الواقعية ويعيد خلقها -ربيعة جل ...
- المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبرى -أمين الزاوي -
- حين خاف ابن خلدون من العقل على الفلسفة
- حين يطغى المديح على النقد: قراءة نقدية في دراسة «أغاني الريح ...
- «من يوميات امرأةٍ مرّت من هنا».
- الاندماج الاجتماعي وبناء العلاقات لدى الأطفال ذوي التوحد،
- «المرأة في مسيرة الإنسانية: من الهامش إلى استعادة الحضور وصن ...
- من ردّ الفعل إلى الاستجابة الواعية
- قراءة في قصيدة «هي الحرب» للشاعر سليمان جوادي
- «حين يرحل الزمن: من غنائية الحب إلى سؤال الفناء في قصيدة سار ...
- الفلسفة في المدرسة الجزائرية: بين الدفاع عن العقل وضرورة الا ...
- •وكيفَ للمحبِّينَ يا العارفونَ أنْ يكونوا دونَ لوعاتِهمْ وال ...
- السلوكيات النمطية والتحديات السلوكية لدى الأطفال ذوي التوحد،
- التواصل واللغة لدى الأطفال ذوي التوحد،
- رسالة من هناك
- التعليم والدمج المدرسي للأطفال ذوي التوحد،
- أساليب التربية المناسبة لطفل التوحد
- دور الأسرة في رعاية طفل مصاب بالتوحد
- طرق العلاج والتدخل المبكر للتوحد.


المزيد.....




- أزمة فرنسا تبدو مألوفة.. هل أمريكا التالية؟
- فيديو منسوب لـ-جنود وطائرات نقل قبل إرسال قوات مصرية إلى الس ...
- -مثير للشفقة-.. انتقادات لاذعة في الشارع الفرنسي تسلط الضوء ...
- البيت الأبيض يعلن إلغاء أكثر من 300 ألف تأشيرة أمريكية للأجا ...
- لافروف: اختطاف مادورو وزوجته مغامرة غربية غير مسبوقة
- مصر.. محكمة الإرهاب تبرئ سيد مشاغب قائد جمهور الزمالك
- -جيروزاليم بوست-: واشنطن تقترب -بدرجة كبيرة- من شن ضربة على ...
- توم باراك يوضح خطورة نشاط إسرائيل العسكري في سوريا ويلمح لتد ...
- خريطة طريق روسية عمانية لتعزيز العلاقات
- أنقرة تبدأ مسار التصديق على حلف مكة


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - النقد الفني والإعلامي بوصفه ممارسة معرفية وجمالية: نحو ثقافة نقدية مسؤولة لدى القراء والمتلقين