|
|
الغباء البشري عبر العصور... حين يتقدّم العقل وتتخلّف البصيرة، ويضلّ الإنسان طريقه إلى الوعي الكوني
راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 18:13
المحور:
قضايا ثقافية
ليست مأساة الإنسان الكبرى أنه لم يعرف، بل أنه كثيرًا ما توهّم أنه عرف؛ وليست مشكلته أنه محدود المعرفة، فالمحدودية جزء من طبيعته، وإنما مأساته الحقيقية أنه جعل من حدود معرفته حدودًا للحقيقة، ومن تصوّراته الضيقة موازين يحاكم بها الوجود، ومن يقينه بما يجهل سجنًا يحبس فيه عقله وروحه والعالم من حوله. فالغباء البشري ليس دائمًا عجزًا عن التفكير، بل قد يكون قدرة هائلة على التفكير في الاتجاه الخطأ، وتسخير المعرفة لخدمة الوهم، واستخدام العقل في تبرير ما كان ينبغي للضمير أن يرفضه.
منذ فجر التاريخ، والإنسان يمشي على أرض واسعة، تحت سماء لا تحدّها عين، وفي كون تتجاوز أبعاده تصوّراته، لكنه كثيرًا ما تصرّف كما لو أن العالم خُلق ليكون امتدادًا لأناه، وأن الحقيقة لا تتجاوز ما أدركه، وأن المختلف عنه خطر ينبغي إخضاعه، أو عدو ينبغي إقصاؤه، أو جاهل ينبغي إسكات صوته. فلنتأمّل : كائن صغير في كون هائل، محدود العمر والمعرفة، لا يملك السيطرة على نبضة واحدة من نبضات قلبه إلا في حدود، ولا يستطيع ضمان شهيق الغد، ومع ذلك قد ينتفخ غرورًا حتى يتوهّم أنه مالك الحقيقة المطلقة، وأن من حقه أن يقرّر من يستحق الحياة، ومن يستحق الحرية، ومن يجوز أن يُحرم من كرامته، بل ومن ينبغي أن يموت كي يحيا هو في وهم المجد والانتصار! أيُّ خلل في الوعي يجعل الكائن المحدود يتصرّف بوصفه مركز الوجود؟ وأيُّ عمى يصيب البصيرة حتى يصبح الإنسان، الذي يحمل في داخله إمكانات المحبة والمعرفة والإبداع، قادرًا على بناء أدوات فنائه بعبقرية، ثم يعجز عن بناء سلام يحفظ به حياته؟
هنا تبدأ حكاية الغباء البشري، لا باعتباره نقصًا في الذكاء وحده، بل بوصفه أزمةً في فهم الذات، وفي إدراك العلاقة بين الإنسان والآخر والحياة والكون.
*حين كان الجهل يعبد نفسه في صورة يقين. عبر العصور، لم يكن الجهل دائمًا غيابًا للمعلومة؛ فكثيرًا ما ارتدى ثياب الحقيقة المقدسة، وتحصّن خلف السلطة، واستمدّ قوته من الخوف، ثم أقنع الإنسان بأن السؤال خطيئة، وأن الاختلاف تهديد، وأن التمسك بالموروث أهم من اكتشاف الحقيقة. فكم من فكرة ظنّها البشر أبدية، ثم انكشف قصورها أمام اتساع المعرفة! وكم من حكمٍ صدر باسم الحقيقة، ثم أثبت الزمن أنه كان ابن عصره، أسير مخاوفه ومصالحه وتحيّزاته!
لقد اضطهد الإنسان الإنسان لأنه اختلف عنه في اللون أو الأصل أو المعتقد، وحارب أفكارًا لم يفهمها، وحاصر عقولًا سبقت عصرها، وأشعل حروبًا دفاعًا عن تصوّرات ظنّ أصحابها أنهم يحرسون بها العالم، بينما كانوا في كثير من الأحيان يحرسون امتيازاتهم أو مخاوفهم من التغيير. ولم يكن الخطر في اختلاف البشر، فالاختلاف أحد وجوه ثراء الحياة، وإنما كان في عجزهم عن احتمال الاختلاف دون أن يحوّلوه إلى خصومة، وفي عجزهم عن رؤية الحقيقة بوصفها أفقًا يستحق البحث، لا غنيمةً يحتكرها فريق ويمنعها عن الآخرين.
إن الإنسان الذي يرفض مراجعة أفكاره لا يحمي الحقيقة؛ إنه يحمي صورته عن نفسه. والذي يخشى السؤال لا يخشى ضياع الإجابة فحسب، بل قد يخشى انهيار البناء الذي شيّده حول هويته، حتى أصبح عاجزًا عن التمييز بين ذاته وبين أفكاره. وهكذا يتحوّل العقل، الذي كان ينبغي أن يكون نافذةً على العالم، إلى حارسٍ على باب معتقداته القديمة.
* من كهف الجهل إلى ناطحات السحاب... هل تغيّر الإنسان حقًا؟ قطع الإنسان أشواطًا مذهلة في العلم؛ فكّ شفرات الحياة، وأرسل مركبات إلى الفضاء، واكتشف قوانين دقيقة تحكم المادة والطاقة، وابتكر وسائل اتصال جعلت المسافات تتقلّص حتى أصبح البعيد حاضرًا في لحظة. لكنه، في الوقت نفسه، لم ينجح بالقدر ذاته في اختصار المسافة بينه وبين إنسانيته. لقد تعلّم كيف يطير، لكنه لم يتعلّم دائمًا كيف يسمو فوق أحقاده. واخترع وسائل لتسريع انتقال المعلومات، لكنه لم يضمن أن تنتقل معها الحكمة. وامتلك أدوات تكشف أسرار المجرّات، بينما ظلّت أسرار نفسه، ودوافع عدوانه، وآليات خوفه من الآخر، عصيّةً على الفهم والتجاوز. إنه يستطيع أن يحسب مسارات الأجرام السماوية بدقة مذهلة، لكنه قد يفشل في حساب الثمن الإنساني لكلمة تحريض، أو قرار حرب، أو سياسة تجوّع شعبًا كاملًا. يستطيع أن يبني ذكاءً اصطناعيًا يعالج كميات هائلة من المعلومات، لكنه قد يعجز عن إقناع إنسان بألا يكره أخاه لمجرد أنه مختلف عنه. وهنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة بالغة الأهمية: التقدّم العلمي لا يعني بالضرورة التقدّم الإنساني، وازدياد القدرة لا يعني ازدياد الحكمة، وتراكم المعلومات لا يعني اتساع الوعي. فالعلم يمنحنا قدرةً أكبر على معرفة ما نستطيع فعله، أما الحكمة فتسألنا عمّا ينبغي أن نفعله، والضمير يذكّرنا بمن قد يتألم نتيجة ما نفعله. وحين تنفصل هذه الأبعاد الثلاثة، يصبح التقدّم نفسه قابلًا لأن يتحوّل إلى خطر؛ إذ قد تمنح المعرفةُ عقلًا أسيرًا للتعصّب وسائلَ أكثر فاعليةً لنشر التعصّب، وقد تمنح التقنيةُ سلطةً بلا رحمة قدرةً أكبر على الإيذاء. لم تعد المشكلة إذن في أن الإنسان لا يعرف كيف يفعل، بل في أنه قد يعرف كيف يفعل كل شيء تقريبًا، دون أن يمتلك من النضج ما يكفي ليدرك لماذا ينبغي له أن يفعل، ومتى ينبغي أن يمتنع.
* الغباء حين يرتدي تاج السلطة لعلّ أخطر صور الغباء البشري ليست تلك التي تصدر عن فرد محدود المعرفة، بل تلك التي تتسلّح بالسلطة، وتحتمي بالمؤسسات، وتفرض نتائجها على ملايين البشر. فالجهل الفردي قد يؤذي صاحبه ومن حوله، أما الجهل حين يصبح سياسةً عامة، أو عقيدةً قومية متعصّبة، أو أيديولوجيا تبرّر سحق الإنسان، فإنه يتحوّل إلى مأساة تاريخية. فكم من حاكمٍ ظنّ أن القوة تمنحه الحق، وأن إخضاع الشعوب دليل على عظمته، وأن صمت المظلومين برهان على رضائهم! وكم من سلطةٍ خلطت بين استقرار المجتمع وغياب الأصوات المعارضة، وبين الولاء والخضوع، وبين هيبة الدولة وحرمة مساءلتها!
إن العقل الذي لا يقبل النقد يفقد إحدى أهم وسائل تصحيح أخطائه. والسلطة التي لا تسمع إلا المصفّقين لها تشبه إنسانًا يختار أن يعيش في غرفة مرايا، يرى فيها صورته تتكرر في كل اتجاه، ثم يظن أن العالم كله يشبه صورته. وهذا أحد أسرار سقوط الحضارات: ليس بالضرورة أن تنهار لأن أبناءها فقدوا الذكاء أو المهارة، بل قد تنهار حين تعجز مؤسساتها عن التعلّم، وحين تصبح المصالح الضيقة أقوى من المصلحة العامة، وحين يُعامل التحذير بوصفه خيانة، ويُكافأ التملّق، وتُقصى العقول التي ترى ما لا يريد أصحاب القرار رؤيته. وليس كل سقوطٍ نتيجة غباء، ولا كل انتصار دليل حكمة؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من الأحكام السهلة. لكن التاريخ يعلّمنا أن القوة التي لا تراجع نفسها تحمل في داخلها بذور عطبها، وأن الحضارة التي تتضخم أدواتها بينما تضمر قدرتها على النقد والمحاسبة تصبح مهددةً من داخلها، حتى لو بدت في أوج مجدها.
* الحروب... حين ينتصر الغباء ويُهزم الإنسان انظروا إلى عالمنا، وتأمّلوا المفارقة التي تكاد تكون عبثية. نحن نعرف، أكثر من أي وقت مضى، أن الحروب تحصد أرواح الأبرياء، وتدمّر المدن، وتترك الأطفال أسرى الخوف والحرمان، وتستنزف الموارد التي كان يمكن أن تُنفق على التعليم والعلاج والبحث العلمي وحماية البيئة. ونعرف أن آثارها لا تنتهي عند توقف المدافع، بل تستمر في ذاكرة الناجين، وفي جراح الأجساد، وفي أرواح الأجيال التي ترث الخوف والكراهية. ومع ذلك، ما زال الإنسان يراكم أدوات القتل، ويبتكر وسائل أكثر تدميرًا، ثم يتحدث عن الأمن والسلام وكأنهما يمكن أن ينبتا من أرضٍ تُسقى باستمرار بدماء الأبرياء. أيُّ تناقض هذا الذي يجعل البشرية قادرةً على فهم عواقب الحرب، ثم عاجزةً عن التحرّر من منطقها؟ إننا لا نستطيع أن نختزل كل حرب في الغباء وحده؛ فهناك مصالح اقتصادية، وصراعات على النفوذ، ومخاوف أمنية، وحسابات سياسية، وتاريخ من المظالم. لكن الغباء الأخلاقي يظهر حين يعرف الإنسان أن المدنيين سيدفعون الثمن، ثم يتعامل مع موتهم باعتباره رقمًا في تقرير، أو خسارةً جانبية، أو مادةً للدعاية، أو مناسبةً للشماتة.
إن أخطر ما تفعله الحرب ليس أنها تقتل الأجساد فحسب، بل إنها قد تقتل في الوعي القدرة على رؤية الإنسان في وجه الخصم. حين يصبح موت الآخر انتصارًا، وجوعه وسيلة ضغط، ودموع أطفاله تفصيلًا غير مهم، تكون الإنسانية قد خسرت شيئًا أعمق من معركة؛ تكون قد خسرت جزءًا من قدرتها على التعاطف مع نفسها. فما قيمة أن ينتصر طرفٌ عسكريًا إذا كان انتصاره يوسّع دائرة الكراهية، ويزرع في نفوس أطفال اليوم أسباب حروب الغد؟ وما معنى أن نرفع رايات النصر فوق الأنقاض، بينما يفتّش طفلٌ تحتها عن أمّه، أو تبحث أمٌّ بين الركام عن طفلها؟ إن العقل الذي يحسب مكاسب الحرب ولا يحسب خسائر الإنسان عقلٌ ناقص في ميزان الحكمة، مهما بلغت دقته في الحسابات العسكرية والسياسية. ليست كل قدرة على الانتصار دليلًا على القدرة على الحياة، وليست كل هزيمة عسكرية نهاية الخسارة؛ فهناك انتصارات تُهزم فيها الإنسانية، وهزائم تحفظ في الوعي بذرةً لسلامٍ آتٍ.
*الابتعاد عن الوعي الكوني... وهم الانفصال عن الوجود وهنا نصل إلى الجذر الأعمق للمسألة: علاقة الإنسان بالكون الذي ينتمي إليه. ماذا يعني أن يكون الإنسان واعيًا كونيًا؟ لا أعني بذلك امتلاك أسرار غيبية، أو ادّعاء معرفة ما وراء حدود العقل، ولا أن يذوب الفرد في تصوّرات مبهمة عن الكون. إنما أعني أن يتّسع إدراكه ليرى نفسه جزءًا من شبكة مترابطة من الحياة والعلاقات والتأثيرات، وأن يدرك أن وجوده ليس معزولًا عن وجود الآخرين، وأن أفعاله لا تقف بالضرورة عند حدود نيّاته أو مصالحه المباشرة.
الوعي الكوني، بهذا المعنى، هو الانتقال من رؤية الذات مركزًا لكل شيء إلى رؤية الذات جزءًا مسؤولًا من كلٍّ أوسع. أن يدرك الإنسان أن الأرض ليست ملكًا حصريًا لجيلٍ واحد، وأن الهواء لا يعرف الحدود السياسية، وأن الأوبئة والأزمات البيئية لا تحترم الخرائط، وأن الفقر والحروب والنزوح قد تتجاوز آثارها البلدان التي نشأت فيها. وأن يفهم أن البشرية، على الرغم من اختلاف لغاتها وثقافاتها ومعتقداتها، تتقاسم مصيرًا متشابكًا؛ فما يُدمَّر في مكان قد يمتد أثره إلى أماكن أخرى، وما يُزرع من كراهية في جيل قد يحصد ثماره جيل لم يولد بعد.
إننا لا نعيش خارج الكون لنحاكمه، بل نعيش داخله ونتأثر بقوانينه وحدوده. ولسنا غرباء عن الطبيعة، بل جزء منها؛ ولسنا جزرًا بشرية مستقلة، بل كائنات تتشابك حياتها بآلاف الروابط المرئية وغير المرئية. ومع ذلك، يتصرف الإنسان أحيانًا كما لو أنه منفصل عن كل شيء: يستنزف الطبيعة كأنها لا تنضب، ويستغل الإنسان كأنه لا يشعر، ويهدر موارد الأرض كأن الأجيال القادمة لا حق لها فيها، ثم يتعجب من الأزمات التي صنعتها قراراته المتراكمة. ذلك هو وهم الانفصال: أن يظن الجزء أنه يستطيع تدمير الكل دون أن يصيبه شيء من نتائج التدمير. ومن هنا، فإن الابتعاد عن الوعي الكوني ليس مجرد جهل بمكان الأرض في الفضاء، بل قد يكون جهلًا بمكان الإنسان في شبكة الحياة، وبمسؤوليته تجاه الكائنات الأخرى، وبالحدود الأخلاقية التي ينبغي أن تضبط قوته. قد يعرف المرء أسماء المجرّات، ويحفظ نظريات الفيزياء، ويتابع أخبار الفضاء، لكنه يظل بعيدًا عن هذا الوعي إذا لم يتعلّم أن يرى في الإنسان الآخر كرامةً لا تقل عن كرامته، وفي الطبيعة أمانةً لا مجرد مخزنٍ للاستهلاك. فليس الوعي الكوني أن تعرف كم يبدو الإنسان صغيرًا أمام اتساع الكون فحسب، بل أن تفهم كيف يمكن لهذا الكائن الصغير أن يكون مسؤولًا عن مقدار هائل من الخير أو الشر داخل عالمه المحدود.
الأنا المتضخّمة... السجن الذي لا يرى الإنسان قضبانه إذا أردنا أن نفهم لماذا يكرر البشر أخطاءهم، فعلينا أن ننظر إلى الأنا حين تتحوّل من مركزٍ ضروري للشعور بالذات إلى سلطانٍ يريد إخضاع كل شيء. الأنا تقول: أنا أعرف، إذن لا حاجة إلى أن أستمع. وأنا على حق، إذن لا بد أن يكون الآخر مخطئًا. وأنا أملك القوة، إذن يحق لي أن أفرض إرادتي. وأنا أنتمي إلى جماعةٍ بعينها، إذن تصبح جماعتـي أرفع شأنًا من سائر البشر. وحين تتضخم هذه الأنا، لا تعود ترى العالم كما هو، بل كما تحتاج إليه لتبرير وجودها ومصالحها ومخاوفها. قد تتحوّل الحقيقة عندئذٍ إلى خصم، لأن الحقيقة لا تتعهد بمجاملة أحد. وقد يصبح الاعتراف بالخطأ إهانةً، لأن الإنسان يخلط بين قيمة ذاته وصواب أفكاره. وقد يصبح الاعتذار ضعفًا، والتسامح تنازلًا، والتواضع انتقاصًا من المكانة. لكن ما الذي يجعل الإنسان عظيمًا حقًا؟ أهو أن يظل متمسكًا بخطئه كيلا تهتز صورته أمام الآخرين، أم أن يمتلك الشجاعة ليقول: لقد أخطأت، وأحتاج إلى أن أتعلّم؟ إن الاعتراف بالخطأ ليس سقوطًا للذات، بل تحريرٌ لها من عبودية الوهم. والمتواضع معرفيًا ليس إنسانًا ضعيفًا أو مترددًا في كل شيء، بل إنسان يعرف ما يعرفه، ويميّز بين الدليل والظن، ويقبل أن تكون الحقيقة أوسع من حدود تجربته، وأن يأتيه الصواب من شخصٍ لم يكن يتوقع منه شيئًا. هنا يبدأ العقل بالنضج: حين لا يعود السؤال تهديدًا، ولا يصبح الاختلاف إهانة، ولا يُقاس الإنسان بمدى انتصاره في الجدل، بل بمدى استعداده لأن يرى ما لم يكن يراه.
*هل الإنسان غبي بطبيعته؟ ليس من الإنصاف أن نحكم على الإنسان كله بالغباء، كما ليس من الحكمة أن نمنحه شهادة براءة لمجرد أنه يمتلك عقلًا. فالإنسان يحمل إمكانات متعارضة: القدرة على الرحمة والقسوة، وعلى الإبداع والتدمير، وعلى التعلّم والتعصّب، وعلى التضحية من أجل غريب لا يعرفه، أو إيذاء قريبٍ لمجرد اختلافه معه. ولا يصدر السلوك البشري عن العقل وحده؛ إذ تتداخل فيه العواطف والمصالح والخوف والتربية والبيئة الاجتماعية والضغوط النفسية والبنى السياسية والاقتصادية. وقد يرتكب الإنسان خطأً لأنه لم يتعلم، أو لأنه خائف، أو لأنه أسير جماعةٍ تضغط عليه، أو لأنه يعرف الصواب لكنه يخشى ثمن الالتزام به. ولهذا لا يكفي أن نطالب البشر بأن يكونوا أذكى؛ بل ينبغي أن نبني مجتمعات تساعدهم على التفكير الحر، وتعلّمهم التمييز بين المعلومة والتضليل، وتحمي حقهم في السؤال، وتكافئ الصدق بدل التملّق، وتمنحهم فرصة مراجعة أفكارهم دون إذلال. فالتعليم الذي يحشو الذاكرة ولا يحرّر العقل قد يصنع متعلمين بارعين في استظهار الإجابات، عاجزين عن فحص الأسئلة. والثقافة التي تقدّس أصحاب السلطة الفكرية دون مساءلة قد تصنع أتباعًا أكثر مما تصنع عقولًا مستقلة. والخطاب الذي يغذّي الخوف من المختلف قد يحوّل الإنسان العادي إلى أداةٍ في يد من يعرف كيف يستثمر مخاوفه. إن مواجهة الغباء البشري تبدأ من فهم أسبابه، لا من شتم البشر ووصفهم بالحمقى. فالسخرية من الجهل قد تمنحنا شعورًا بالتفوّق، لكنها لا تعلّم الجاهل، ولا تصلح المؤسسات، ولا تفكك آليات التضليل. والأهم من ذلك أن علينا أن نحذر من الغرور المعاكس: أن نرى أخطاء الآخرين بوضوح، بينما نعجز عن رؤية أخطائنا نحن. فكم من إنسانٍ يحارب التعصّب بتعصّب، ويدافع عن الحرية بإسكات المخالف، ويرفع راية التسامح بينما يحتقر من لا يشبهه! أليست هذه إحدى أكثر مفارقات الوعي إيلامًا؟ أن يتحوّل الإنسان، وهو يقاوم خطأً، إلى نسخةٍ أخرى منه.
*من ذكاء العقل إلى حكمة الروح ثمة مسافةٌ دقيقة بين أن يكون الإنسان ذكيًا وأن يكون حكيمًا. الذكاء يمكّنه من اكتشاف الوسائل، أما الحكمة فتساعده على اختيار الغايات. والذكاء قد يجعله أسرع في الوصول إلى هدفه، أما الحكمة فتسأله إن كان الهدف يستحق الوصول إليه أصلًا. والروح، في الرؤية العرفانية، ليست زينةً تُضاف إلى العقل، ولا ادّعاءً بأن الإنسان يملك معرفةً غيبيةً تفوق كل دليل؛ إنها اسمٌ لذلك العمق الداخلي الذي يتصل فيه المعنى بالضمير، والمعرفة بالمسؤولية، والمحبة بطريقة رؤيتنا للوجود. قد يمتلك الإنسان عقلًا حادًا، لكنه يظل فقيرًا في البصيرة إن لم يتعلّم أن يرى ألم الآخرين. وقد يتسع علمه، بينما تضيق نفسه عن الاعتراف بحقوق من يخالفونه. وقد يتحدث عن الله والحقيقة والنور، ثم يعجز عن أن يمنح إنسانًا مختلفًا عنه أبسط حقوق الكرامة.
وهنا يصبح السؤال الروحي بالغ الأهمية: ما جدوى المعرفة إذا لم تُهذّب صاحبها؟ وما قيمة الحديث عن الحقيقة إذا لم يجعلنا أكثر استعدادًا لمراجعة أوهامنا؟ وما معنى الاقتراب من النور إذا ظللنا نغلق نوافذ قلوبنا أمام آلام البشر؟ ليس النضج الروحي أن يدّعي المرء أنه تجاوز الآخرين، بل أن يصبح أقل ميلًا إلى احتقارهم، وأكثر قدرةً على فهم أسباب ضلالهم دون تبرير أذاهم، وأكثر شجاعةً في مواجهة ظلامه الداخلي قبل أن يطالب العالم بالتخلّص من ظلامه. فالروح التي تنمو في المعرفة لا تتضخم بالأنا، بل تتسع بالمسؤولية. وكلما ازداد الإنسان إدراكًا لتعقيد الوجود، ازداد تواضعًا أمام ما لا يعرفه، وحرصًا على ألا يحوّل جهله إلى حكمٍ نهائي على الآخرين. إن علامة الارتقاء ليست أن يعتقد الإنسان أنه صار فوق البشر، بل أن يصبح أكثر إنسانيةً بين البشر.
*هل يستطيع الإنسان أن يتحرّر من غبائه التاريخي؟ نعم، لكن ليس بمجرد أن تتراكم المعلومات، ولا بأن تتقدم التكنولوجيا وحدها، ولا بأن ينتصر تيار فكري على آخر. يبدأ التحرّر حين يتعلّم الإنسان أن يشكّ في يقينه بالقدر الذي يسمح له بفحصه، لا بالقدر الذي يشلّ قدرته على اتخاذ القرار. وحين يفهم أن مراجعة الفكرة لا تعني خيانة الهوية، وأن تغيير الرأي أمام الدليل ليس هزيمة، بل انتصار للحقيقة على الرغبة في الانتصار للنفس. ويبدأ حين يصبح التعليم تدريبًا على التفكير، لا مجرد تلقين؛ وحين تكون حرية التعبير مقرونةً بالمسؤولية؛ وحين تُحمى كرامة الإنسان بصرف النظر عن أصله أو معتقده؛ وحين تُحاسَب السلطة، وتُراجع السياسات، وتُقاس النجاحات بما تحققه من أمنٍ وعدالةٍ وكرامة، لا بما تفرضه من صمتٍ وخضوع. ويبدأ أيضًا حين يتجاوز الإنسان حدود جماعته الضيقة دون أن يضطر إلى محو خصوصيته؛ فيحب وطنه دون أن يحتقر الأوطان الأخرى، ويعتز بثقافته دون أن يدّعي تفوقها المطلق، ويتمسك بقناعاته دون أن يسلب الآخرين حقهم في قناعات مختلفة. إن الإنسانية الواحدة لا تعني أن نصبح نسخًا متشابهة، بل أن نتعلّم كيف نختلف دون أن نتوحش، وكيف نحمي الخصوصية دون أن نبني جدران الكراهية، وكيف نجعل تنوعنا مصدرًا للمعرفة بدل أن نجعله ذريعةً للصراع.
ولعل أهم ما يحتاج إليه عالمنا هو الانتقال من عقلية الامتلاك إلى عقلية الأمانة: ألا نسأل فقط ماذا نستطيع أن نأخذ من الأرض، بل ماذا يجب أن نحفظ فيها؛ وألا نسأل فقط كيف ننتصر على خصومنا، بل كيف نمنع الخصومة من تحويل الجميع إلى خاسرين؛ وألا نسأل فقط ما الذي يضمن مصالحنا الآن، بل ما الذي يضمن للبشرية مستقبلًا يستحق أن تعيش من أجله. فالوعي ليس لحظة إشراق فردية تنتهي بانتهاء التأمل، بل ممارسة يومية تظهر في قراراتنا، وفي طريقة حديثنا عن المختلفين، وفي ما نرفض أن نفعله حتى لو كان في وسعنا فعله، وفي استعدادنا لتحمّل مسؤولية آثار اختياراتنا.
* متى يكبر الإنسان بقدر الكون الذي يسكنه؟ أيها الإنسان... لقد قطعت رحلةً طويلة منذ أن رفعت عينيك إلى السماء متسائلًا عمّا وراء النجوم، حتى أصبحت ترسل أدواتك إلى أعماق الفضاء. واكتشفت أن الأرض ليست مركز الكون، وأن ما تراه بعينيك ليس سوى جزءٍ ضئيل من واقع أوسع بكثير. فهل آن الأوان لتكتشف أنك لست مركز الحقيقة أيضًا؟ هل آن الأوان لتفهم أن ما ورثته من أفكار، مهما كانت عزيزةً عليك، ليس بمنأى عن الفحص، وأن ما تجهله قد يكون أوسع بكثير مما تعرفه، وأن الإنسان المختلف عنك ليس بالضرورة عدوًا لحقيقتك، بل قد يكون مرآةً تكشف لك جانبًا لم تره من نفسك؟
لقد آن الأوان أن تدرك أن عظمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من سلاح، ولا بما يفرضه من نفوذ، ولا بما يراكمه من ثروات، ولا حتى بما يبلغه من معرفةٍ تقنية؛ بل بما يستطيع أن يفعله بهذه القوة والمعرفة دون أن يسحق كرامة إنسان، أو يدمّر مستقبل جيل، أو يفسد التوازن الذي تقوم عليه الحياة. ليس المطلوب أن يعرف الإنسان كل شيء، فهذا مستحيل؛ بل أن يعرف حدود معرفته، ويظل مفتوحًا للتعلّم. وليس المطلوب أن يتخلّى عن ذاته، بل أن يتحرّر من وهم أن ذاته أهم من كل ذات. وليس المطلوب أن يتوقف عن التنافس أو الاختلاف، بل أن يتعلّم أن هناك قيمًا لا يجوز التضحية بها في سبيل أي انتصار، وفي مقدمتها حياة الإنسان وكرامته وحقه في أن يعيش آمنًا حرًا. إن الكون لا يحتاج إلى غرورنا كي يظل واسعًا، ولا إلى أوهامنا كي تستمر قوانينه، ولا إلى حروبنا كي تثبت البشرية وجودها. نحن الذين نحتاج إلى أن نتعلّم كيف نعيش في هذا الاتساع دون أن نحوّل محدوديتنا إلى سلاحٍ ضد بعضنا بعضًا. وإذا كان العقل البشري قد استطاع أن يفتح أبوابًا كثيرةً على أسرار الكون، فإن التحدي الأكبر هو أن يفتح أبوابه على أسرار نفسه؛ أن يتعرّف إلى جذور خوفه، وأنانيته، وتعصّبه، وشهوته للهيمنة، ثم يبدأ رحلة التحرّر منها. فربما لا تكون مأساة الإنسان أنه كائن صغير في كونٍ هائل، بل أنه يستطيع أن يظل صغيرًا من الداخل، مهما اتسعت عوالمه من الخارج. وربما لا تكون عظمة الرحلة البشرية في أن نصل إلى يومٍ نعرف فيه كل شيء، بل في أن نبلغ من النضج ما يجعلنا أكثر تواضعًا أمام الحقيقة، وأكثر رحمةً بالكائنات، وأكثر مسؤوليةً عن مستقبل الأرض. فحين يتقدّم العقل دون أن تتقدّم البصيرة، تصبح المعرفة سلاحًا في يد الجهل. وحين يتقدّم العقل وتستنير البصيرة معًا، تبدأ الحضارة في اكتساب معناها الإنساني الحقيقي. وحين يدرك الإنسان أن الآخر ليس خارج إنسانيته، وأن الأرض ليست ملكًا لجشعه، وأن الحقيقة أكبر من غروره، وأن الحياة أمانة لا غنيمة، يكون قد بدأ أولى خطواته نحو الوعي الكوني. عندها فقط، لن يكون الإنسان قد غادر ظلام الجهل إلى نور المعرفة فحسب، بل سيكون قد بدأ رحلته الأصعب والأجمل: من ذكاءٍ يعرف كيف يسيطر، إلى حكمةٍ تعرف متى ترحم؛ ومن أنا تتوهّم أنها مركز الوجود، إلى روحٍ تدرك أنها جزءٌ من نسيج الحياة؛ ومن بشرٍ يتنازعون على امتلاك الحقيقة، إلى إنسانيةٍ تتعاون في البحث عنها.
فيا ابن الأرض... لا تجعل عقلك أداةً لتبرير أوهامك، ولا تجعل معرفتك جدارًا يعزلك عن الآخرين، ولا تجعل قوتك دليلًا على أنك على حق. تعلّم، واسأل، وراجع، وأصغِ، وارحم. فليس أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجهل بعض أسرار الكون، بل أن يجهل نفسه، ثم يظن أنه عرف كل شيء. وليس أسمى ما يمكن أن يبلغه أن يرى أبعد النجوم فحسب، بل أن يرى الإنسان القريب منه بوضوحٍ أكبر، وأن يدرك أن وراء كل وجهٍ حياةً لها قيمتها، وأحلامًا تستحق الاحترام، وآلامًا لا ينبغي أن تكون ثمنًا لغرور أحد.
فلعلّ ارتقاء البشرية الحقيقي يبدأ يوم تكفّ عن السؤال: كيف أصبح أقوى من الآخر؟ وتبدأ في السؤال: كيف أصبح أكثر وعيًا، وأكثر عدلًا، وأكثر محبةً، وأكثر استحقاقًا للانتماء إلى هذا الكون الفسيح؟ ذلك هو الانتقال الذي نحتاج إليه: ليس من عصرٍ قديم إلى عصرٍ حديث فحسب، بل من وعيٍ تحكمه الأنا إلى وعيٍ تتسع فيه دائرة المسؤولية، ومن حضارةٍ تقيس عظمتها بما تملك إلى حضارةٍ تقيسها بما تحميه من حياة وكرامة ومعنى. فما جدوى أن يبلغ الإنسان النجوم، إذا ظلّ عاجزًا عن بلوغ إنسانيته؟
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يموت التعاطف في الإنسان… مَن ينقذ الإنسانية؟
-
العلم والتعليم وأطفالنا والشباب والأهالي في معاناة رهيبة لا
...
-
السلام يا أهل السلام!
-
رؤيتي... من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية... حين تتسع
...
-
فلسفة منتسوري التعليمية: حين نحرّر قدرات الطفل بدلًا من أن ن
...
-
الطائفية في مصر... إلى متى، وإلى أين؟
-
-حين تصمت الحواس... تتكلم الروح-
-
ازدراء الإنسان... جريمةٌ في حق الإنسانية، فحين يُزدَرى إنسان
...
-
العنصرية... حين تصبح العدالة انتقائية
-
قبل أن يُكتب التاريخ... أين كان الوحي؟
-
كلما ارتفع وعي الإنسان... صغرت الحدود.
-
جوع الروح
-
سرطان الروح
-
إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية
-
مشكلة العالم اليوم
-
“انعدام المنطق… أم عجزنا عن رؤية الحقيقة؟”
-
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (6) والأخ
...
-
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (5)
-
إلى أين يتجه السلام العالمي؟
-
القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (4)
المزيد.....
-
مغامر يعود إلى منزله بعد 28 عاماً من السير حول العالم لمسافة
...
-
ترامب يعلن وقف مساعدات أمريكية سنوية لإسرائيل بقيمة 4 مليارا
...
-
رضائي: الرد الأمريكي على مطالب إيران -لم يكن مُرضياً-.. والد
...
-
ترامب يتحدث عن إيران -القوية جدا- وخشية دول الشرق الأوسط منه
...
-
هل تحولت بولندا إلى جمهورية موز؟
-
لافروف: مستعدون حال نشوب حرب مع أوروبا
-
أول رد لـ-حزب الله- على اتهام دمشق بمحاولة استهداف أهم مصفاة
...
-
زلزال جديد شمال مصر.. أين وقع وكم بلغ عمقه؟
-
ترامب: إذا سئم الناس مني في الولايات المتحدة فسأنتقل إلى إسر
...
-
صدمة في إسرائيل بعد إعلان ترامب وقف المساعدات الأمنية والمال
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|