أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راندا شوقى الحمامصى - -حين تصمت الحواس... تتكلم الروح-















المزيد.....


-حين تصمت الحواس... تتكلم الروح-


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 22:11
المحور: الادب والفن
    


نعم... هنا تحديدًا تقف أمام واحدة من أعجب أسرار الإنسان.
كيف يستطيع إنسان أن يصنع جمالًا هائلًا من نافذةٍ أُغلقت في وجهه؟

بيتهوفن لم يولد أصمًّا؛ فقد بدأ حياته الموسيقية وهو يسمع، ثم أخذ سمعه يتدهور تدريجيًا حتى فقده تقريبًا. والأعجب أنه، بعد أن صار عاجزًا عن سماع الموسيقى بأذنيه، ظل يسمعها في داخله؛ كان يقرأ النغم بعقله، ويتخيل العلاقات بين الأصوات والإيقاعات والتناغمات. بل إن بعض أعظم أعماله جاءت في سنوات فقدان السمع.

أما عمرو سليم، الكفيف منذ الولادة، فقصته تفتح بابًا آخر أكثر إدهاشًا:
هو لم يحتج إلى أن يرى اللون حتى يشعر بالجمال، ولا إلى أن يرى وجه الإنسان حتى يعبّر عن الإحساس، لأن الموسيقى لا تحتاج إلى العين أصلًا. لقد بنى عالمه من الصوت واللمس والخيال، ومن قدرة العقل على تحويل ما لا تراه العين إلى شيء محسوس في الروح.

وهنا تكمن المعجزة التي لمستها:
نحن نظن أن الإنسان يعرف العالم بحواسه... بينما الإنسان يعرف العالم أيضًا بما وراء الحواس.

المولود كفيف لا يعرف الأزرق كما نعرفه نحن بصريًا، ولا يحتاج أن يعرفه لكي يعيش الجمال.
قد لا يعرف شكل السماء بعينيه، لكنه يستطيع أن يعرف اتساعها من خلال وصف الآخرين وخياله وإحساسه بالفضاء والحرارة والنسيم.
وقد لا يعرف شكل الوردة، لكنه يستطيع أن يعرف عطرها، ونعومتها، وما تثيره في قلبه.

والأجمل من ذلك:
الإنسان لا يُعطى دائمًا الحاسة التي تمكّنه من معرفة الشيء؛ أحيانًا يُعطى قدرةً أعمق على إدراك معناه.

بيتهوفن فقد السمع، فلم تفقد الموسيقى طريقها إليه.
وعمرو سليم فقد البصر، فلم يُغلق الجمال أبوابه أمامه.

كأن الروح تقول للجسد:
"إن أُغلقت نافذة، سأفتح لك نافذة أخرى."

وربما لهذا استطاع بعض الذين حُرموا من حاسة أن يكتشفوا في داخلهم عوالم لا نكتشفها نحن الذين نملك الحواس كلها؛ لأننا أحيانًا نمتلك الحواس فنكتفي بها، بينما هم اضطروا إلى البحث عما وراءها.

وهنا يكمن سؤالي وتساؤلي واندهاشي:
كيف استطاعوا؟
سبحانك يا الله!
مَن الذي وضع في الإنسان هذه القدرة المدهشة على أن يصنع من النقص اكتمالًا، ومن الحرمان إبداعًا، ومن الظلام نورًا؟

وهنا فعلًا لا أملك إلا أن أقول:
سبحانك يا إله العالمين...
ما أعجب الإنسان، وما أوسع ما أودعتَ فيه من أسرار.
فربما العين ترى العالم... لكن الروح ترى ما وراء العالم.

مثلان توقفت عندهما...
بيتهوفن وعمرو سليم، هما ليسا مجرد قصتين عن الإعاقة والانتصار عليها؛ بل هما نافذة على سؤال أكبر بكثير: هل حواسنا هي حدود إدراكنا... أم أن وراء كل حاسة عالمًا آخر لا نراه؟
حاسّةٌ مفقودة... وما وراءها أعظم

هناك أناسٌ يولدون وقد أُغلقت في وجوههم نافذة من نوافذ العالم... ثم يفاجئون العالم بأنهم رأوا من خلالها أكثر مما رأى أصحاب النوافذ المفتوحة.

*بيتهوفن فقد السمع، الحاسة التي تبدو وكأنها الشرط الأول لمن يريد أن يكون موسيقيًا.
كيف يمكن لموسيقي أن يكتب موسيقى لا يستطيع سماعها؟
ومع ذلك، لم تصمت الموسيقى في داخله.
فحين أخذ العالم الخارجي يبتعد عن أذنيه، أخذ عالمه الداخلي يزداد حضورًا. لم تعد الموسيقى بالنسبة إليه مجرد أصوات تصل من الخارج؛ أصبحت بناءً داخليًا، لغةً تسكن العقل والروح. كان يستطيع أن يتصور النغم، وأن يبني الجملة الموسيقية، وأن يعرف العلاقات بين الأصوات حتى وهو لا يسمعها كما يسمعها الآخرون.
وكأن السمع حين انطفأ في أذنه، انتقل إلى مكان آخر.
انتقل من الأذن إلى الداخل.
ومن هنا خرجت عظمة لا تزال البشرية تسمعها حتى اليوم.

*أما عمرو سليم، الموسيقار المصري الكفيف منذ ولادته، فيضعنا أمام سؤال أكثر حيرة.
هو لم يرَ العالم أصلًا بعينيه.
لم يرَ السماء زرقاء، ولا البحر ممتدًا، ولا الوردة بألوانها، ولا وجه أمه، ولا وجه إنسان، ولا جسد حيوان، ولا شروق الشمس وغروبها.
لم يعرف الأحمر لأنه رآه، ولا الأبيض، ولا الأسود، ولا الأخضر.

ومع ذلك استطاع أن يدخل إلى عالم الموسيقى، وأن يصنع فيه جمالًا لا يحتاج إلى العين لكي تدركه.

وهنا نتوقف.
كيف يستطيع إنسان لم يرَ الألوان أن يصنع لونًا موسيقيًا؟

كيف يستطيع من لم يرَ وجهًا أن يترجم في موسيقاه الحزن والفرح والحنين والشوق؟

كيف يستطيع من لم يرَ السماء أن يشعر بالاتساع؟

لأن الإنسان، في حقيقته، ليس مجرد مجموع حواسه.
الحواس أبواب... وليست البيت كله.
العين باب.
الأذن باب.
اللمس باب.
الشم باب.
والتذوق باب.
لكن من الذي يعيش في الداخل؟
......الوعي.

ذلك السر الغامض الذي يأخذ ما يصل إليه من العالم، ثم يعيد تشكيله في صورة أخرى لا تخضع دائمًا لقوانين الحواس.
ولهذا قد يرى شخصٌ بعينيه ولا يرى.
وقد يسمع شخصٌ بأذنيه ولا ينصت.
وقد يمتلك الإنسان جميع حواسه، لكنه يعيش فقيرًا في الإحساس.
وفي المقابل، قد يُحرم إنسان من حاسة، فتستيقظ فيه قدرات أخرى، فيتعلم أن يعرف العالم بطريقة مختلفة.

ليس معنى ذلك أن فقدان الحاسة نعمة في ذاته، ولا أن الألم شيء ينبغي أن نتمناه أو نمجّده.
لكن الإنسان يملك قدرة عجيبة على إعادة بناء نفسه حول ما فقده.
وهذه ربما إحدى أعظم عجائب الخلق.

بيتهوفن لم يسترد سمعه.
وعمرو سليم لم يسترد بصره.
لكن كليهما أثبت أن فقدان نافذة لا يعني فقدان العالم.
بل أحيانًا...
حين تُغلق نافذة الخارج، يبدأ الإنسان في اكتشاف اتساع الداخل.
وهنا يصبح الفن شيئًا أعمق من الترف والجمال.

الموسيقى عند بيتهوفن لم تكن مجرد أصوات.
وعند عمرو سليم لم تكن مجرد عزف.
إنها كانت وسيلة للعبور.
من المحسوس إلى اللامحسوس.
من الخارج إلى الداخل.
من الجسد إلى الوعي.
ومن حدود الحواس إلى فضاء الروح.

ولعل أعجب ما في الأمر أن نحن الذين نرى ونسمع ونلمس ونشم ونتذوق، قد نظن أن امتلاك الحواس يعني أننا نملك العالم.

لكننا أحيانًا لا نفعل أكثر من النظر إليه.
بينما هناك من حُرم إحدى نوافذه، فاضطر إلى أن يبحث عن العالم في مكان أعمق.

بيتهوفن فقد السمع...فسمع ما لم يعد يسمعه الآخرون.
وعمرو سليم فقد البصر...فأبصر بالجمال الذي لا يحتاج إلى عين.

وهنا لا نقول ماذا فقدا؟
بل:
ماذا اكتشفا وراء ما فقداه؟

وربما هذه هي الرسالة الأعمق في حكايتهما:
إن الله لم يجعل الإنسان مجرد كائن يستقبل العالم بحواسه، بل كائنًا يستطيع أن يتجاوز الحاسة إلى المعنى، ويتجاوز الصورة إلى الحقيقة، ويتجاوز الجسد إلى الروح.

فالسماء ليست فقط ما تراه العين.
والجمال ليس فقط ما تراه العين.
والموسيقى ليست فقط ما تسمعه الأذن.
والحب ليس شيئًا تلمسه اليد.
والروح نفسها...لا تراها العين.

ومع ذلك، كم من الأشياء التي لا نراها هي أكثر الأشياء حضورًا في حياتنا!

لذلك ربما كان بيتهوفن وعمرو سليم يذكراننا بحقيقة ننساها كثيرًا:
ليست أعظم الأشياء هي التي تستطيع حواسنا الوصول إليها، بل تلك التي تستطيع أرواحنا إدراكها رغم عجز الحواس عنها.

حاسةٌ مفقودة...لكن وراءها وعي.
ووراء الوعي خيال....ووراء الخيال إبداع....ووراء الإبداع سر....ووراء كل ذلك...يدٌ إلهية تقول للإنسان:
"لم أعطك كل الأبواب...لأجعلك أسير الأبواب.
أعطيتك روحًا...لتعرف أن العالم أوسع من أن تسكنه الحواس وحدها."

"بيتهوفن وعمرو سليم... حين تصمت الحواس، تبدأ الروح في السماع والبصر".

فبيتهوفن لم يكن أصمَّ أمام الموسيقى، وعمرو سليم لم يكن أعمى أمام الجمال.

الصمم كان في الأذن... لا في الروح.
والعمى كان في العين... لا في البصيرة.

المفارقة العجيبة....
نحن نسمع بأذننا، لكننا لا نسمع دائمًا.
ونرى بأعيننا، لكننا لا نبصر دائمًا.
أما الروح... فقد تسمع ما لا صوت له، وترى ما لا صورة له.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية...
فبيتهوفن وعمرو سليم...
وحين تصمت الحواس، تبدأ الروح في السماع والبصر
ما أغرب الإنسان!
يعيش بين خمس حواس، فيظن أن العالم هو ما تلتقطه عيناه، وما تسمعه أذناه، وما تلمسه يداه...ثم يأتي إنسانٌ فتُغلق في وجهه إحدى هذه النوافذ، فإذا به يكتشف أن للوجود أبوابًا أخرى لم ننتبه إليها.

هنا يأتي بيتهوفن.
الموسيقي الذي كان السمع بالنسبة إليه ليس مجرد حاسة، بل كان طريق حياته، ولغته، وعالمه.
ثم بدأ السمع ينسحب منه شيئًا فشيئًا...صمتت الأصوات من حوله.
لكن الموسيقى لم تصمت.

وهنا يأتينا عجائب العلي القدير:
حين لم يعد يسمع الموسيقى بأذنيه، ظل يسمعها في داخله.
لم تعد النغمة شيئًا يأتيه من الخارج، بل أصبحت شيئًا يولد في أعماقه.
وكأن الموسيقى لم تكن في أذنه أصلًا...كانت فيه.
وكأن الله حين أخذ منه إحدى وسائل السماع، ترك له سماعًا آخر لا تستطيع الأذن أن تمنحه.
سماعًا من نوع مختلف....سماعًا لا يحتاج إلى صوت.

ثم يأتي عمرو سليم، الكفيف الذي لم تكن العين بالنسبة إليه نافذة مفتوحة على العالم منذ البداية.
لم يرَ السماء.....لم يرَ البحر.....لم يرَ وجهًا بشريًا....لم يرَ ألوان الزهور.......لم يرَ شروق الشمس....لم يرَ حتى صورته هو في المرآة.

ومع ذلك...
عاش في عالم الجمال.....وعزف.....وأبدع.....
ووصل إلى مناطق من الموسيقى لا تحتاج فيها إلى أن ترى شيئًا لكي تشعر بكل شيء.

وهنا توقف عقلي حائرًا:
كيف يصنع الكفيف جمالًا بصريًا في الموسيقى؟
كيف يترجم إحساسًا لم تره العين؟
وكيف يشعر إنسان لم يرَ الألوان بالانسجام والتباين والظلال التي يمكن أن نجد صداها في النغم؟

فلأن الإنسان، في أعمق تعريفاته، ليس عينًا وأذنًا ويدًا............الإنسان وعيٌ يسكن الجسد.
الحواس تستقبل...لكن الوعي يفسّر.
الحواس تنقل...لكن الروح تمنح المعنى.
العين ترى الوردة.....لكنها لا ترى الحب الذي نشعر به تجاهها.
الأذن تسمع الموسيقى.....لكنها لا تسمع الحنين الذي يوقظه لحنٌ قديم في أعماقنا.
العين ترى دمعة.....لكنها لا ترى القصة التي صنعتها.
والأذن تسمع كلمة "أحبك"...لكنها لا تستطيع وحدها أن تعرف هل خرجت من القلب أم من اللسان.
هناك دائمًا شيءٌ آخر...شيءٌ وراء الحاسة.
وهذا "الوراء" هو ما يجعل الإنسان إنسانًا.

نحن الذين نملك أعيننا، كم مرة نظرنا ولم نبصر؟
وكم مرة سمعنا ولم ننصت؟
وكم مرة لمسنا الأشياء ولم نشعر بها؟
كم إنسانٍ يعيش بعينين مفتوحتين...لكنه لا يرى جمال الحياة؟
وكم إنسانٍ يسمع كل الأصوات...لكنه لا يسمع صوت قلبه؟

ربما ليست المشكلة في الحواس.
ربما المشكلة أننا أحيانًا نستخدم الحواس وننسى الروح.
ولهذا فإن قصة بيتهوفن ليست قصة موسيقي أصيب بالصمم.
وقصة عمرو سليم ليست قصة موسيقار كفيف.
إنهما قصتان عن قدرة الإنسان على تجاوز حدود الجسد.
عن تلك الطاقة العجيبة التي تقول:
إذا أُغلق باب...فليس معنى ذلك أن الطريق انتهى....
فقد يكون هناك باب آخر.
وقد يكون هناك طريق لم نكن نعرفه أصلًا.
وقد يكون أعظم ما في الإنسان هو قدرته على أن يحوّل الحرمان إلى لغة، والألم إلى جمال، والصمت إلى موسيقى، والظلام إلى بصيرة.

ولعل هذا هو أحد أسرار الروح.
فالروح لا تحتاج إلى عين لكي تبصر.
ولا إلى أذن لكي تسمع.

ألا نشعر بالحب دون أن نراه؟
ألا نشعر بالحضور دون أن نلمسه؟
ألا نشتاق إلى شخصٍ غائب فنشعر به قريبًا من أرواحنا؟
ألا نستيقظ أحيانًا وفي داخلنا إحساس لا نعرف من أين جاء؟

هناك أشياء لا تدخل إلينا من الحواس أصلًا.
تأتي من مكان آخر.
مكان أعمق.
مكان لا تستطيع الأجهزة أن تقيسه، ولا العين أن تراه، ولا الأذن أن تسمعه.
مكان اسمه الوعي... وتلامسه الروح.

ولذلك ربما كان الصمت أحيانًا أكثر امتلاءً من الضجيج.
فحين تصمت الأذن...قد تبدأ الروح في السماع.
وحين تغيب الصورة...قد تبدأ البصيرة في الرؤية.
وحين يهدأ العالم الخارجي...قد نسمع لأول مرة ذلك الصوت الذي ظل معنا طوال العمر:
صوتنا الداخلي.
ذلك الصوت الذي يغطيه ضجيج الحياة عادةً.
صوت الحقيقة.
صوت الضمير.
صوت المحبة.
صوت الله في أعماق الإنسان...
أو ذلك النداء الخفي الذي يقود الروح نحو أصلها.

يا بيتهوفن...
ماذا كنت تسمع حين عجزت أذناك عن السماع؟
هل كنت تسمع الموسيقى فقط؟
أم كنت تسمع شيئًا أبعد من الموسيقى؟

ويا عمرو سليم...
ماذا كنت ترى حين لم تكن لك عينان ترى بهما العالم؟
هل كنت ترى ما نصفه نحن بالألوان؟
أم كنت ترى جمالًا لا يحتاج إلى لون؟
ربما لا نملك الإجابة.......لكننا نملك الدهشة.
والدهشة أحيانًا بداية المعرفة.

وهنا أصل إلى تلك الحقيقة التي تجعلني أقف طويلًا أمام حكمة الخالق:
لماذا يملك إنسانٌ حاسةً كاملة ولا يصنع بها شيئًا عظيمًا، بينما يفقد آخر حاسةً أساسية ثم يصنع ما يعجز عنه كثيرون؟

لأن العظمة ربما لا تسكن في الحاسة...بل في كيفية استخدام ما وراء الحاسة.
ليس المهم فقط ما أعطاك الله....بل ماذا فعلت بما أعطاك.
وليس المهم فقط ما فقدته.....بل ماذا اكتشفت بعد فقدانه.
قد يفقد الإنسان شيئًا من جسده...فيكتشف شيئًا من روحه.
قد يُحرم نافذة...فيكتشف سماءً كاملة بداخله.
وقد يصمت العالم حوله...فتبدأ داخله أعظم موسيقى.

لهذا أحب أن أتخيل بيتهوفن وعمرو سليم لا بوصفهما رجلين حُرما من السمع والبصر...
بل بوصفهما رجلين تعلّما درسًا عظيمًا:
أن الإنسان أكبر من حواسه.

بيتهوفن قال للعالم، دون أن يقول:
"قد لا أسمع ما تسمعونه... لكنني أستطيع أن أخلق ما ستسمعونه."

وعمرو سليم قال للعالم، دون أن يقول:
"قد لا أرى ما ترونه... لكنني أستطيع أن أجعلكم تشعرون بما لا ترونه."

وهنا تتبدل الصورة كلها..........
لم يعد الصمت عجزًا.
ولم يعد الظلام نهاية.
بل أصبحا، في تجربتهما، مساحتين جديدتين لاكتشاف الإنسان.

وربما نحن جميعًا بحاجة إلى لحظة نصمت فيها عن العالم...كي نسمع أنفسنا.
ولحظة نغمض فيها أعيننا...كي نرى بقلوبنا.
فربما كانت أعيننا ترى العالم...لكن بصيرتنا ترى معناه.
وربما كانت آذاننا تسمع الأصوات...لكن الروح تسمع الرسالة التي وراءها.
وحين تصل الروح إلى تلك المنطقة...لا يعود السؤال:
"ماذا أرى؟"
ولا:
"ماذا أسمع؟"
بل يصبح:

"ماذا أدرك؟"
وهنا...
تسقط حدود الحواس.
ويبدأ الإنسان في اكتشاف الإنسان.
وتبدأ الروح...في السماع والبصر.

فسبحان من أودع في الإنسان عالمًا كاملًا لا تراه العين، ولا تسمعه الأذن...ثم ترك لنا بيتهوفن وعمرو سليم...كي نتذكر.


بيتهوفن وعمرو سليم...

حين تصمت الحواس، تبدأ الروح في السماع والبصر

ما أغرب الإنسان حين يُحرم من نافذةٍ إلى العالم، فيكتشف أن العالم لم يكن خلف تلك النافذة وحدها.

بيتهوفن فقد سمعه، وعمرو سليم وُلد فاقدًا لبصره.

الأول كان موسيقيًا عاش بداية حياته وهو يسمع، ثم أخذ الصوت ينسحب من أذنيه شيئًا فشيئًا، حتى صار الصمت عالمه الخارجي.
والثاني لم يعرف العالم البصري أصلًا؛ لم يرَ وجهًا، ولا لونًا، ولا سماءً، ولا شروقًا، ولا صورته في المرآة.

ومع ذلك، جمعهما شيء أعمق من الموسيقى:

كلاهما أثبت أن الحاسة ليست مصدر الإدراك الوحيد، وأن ما يفقده الجسد قد يكشف للروح طريقًا آخر إلى المعرفة والجمال.

بيتهوفن كان يسمع قبل أن يصمت العالم حوله، ولذلك حمل في ذاكرته الموسيقية عالمًا كاملًا من الأصوات. لكن الأعجب أنه حين فقد السمع لم تتوقف الموسيقى؛ انتقلت من الأذن إلى الداخل. صار اللحن يُبنى في وعيه، وتتشكل الموسيقى في خياله قبل أن تصل إلى العالم.

أما عمرو سليم، فكان أمام تحدٍّ مختلف تمامًا.

بيتهوفن عرف الصوت ثم فقده؛
أما عمرو فلم يعرف الصورة البصرية أصلًا.
ومع ذلك، لم يحتج إلى أن يرى اللون كي يعرف الجمال، ولا إلى أن يرى الوجه كي يعبّر عن الإحساس، ولا إلى أن يرى الطبيعة كي يترجم في الموسيقى شيئًا من روحها.

وهنا تكمن روعة المقارنة:

بيتهوفن صنع الموسيقى بعد أن غاب الصوت عن أذنيه،
وعمرو سليم صنعها من دون أن تكون العين قد فتحت له أصلًا عالم الصور.

الأول واجه فقدان ما كان يعرفه.
والثاني بنى عالمه من مساحة لم يعرفها بصريًا قط.
لكن كليهما وصل إلى المكان نفسه:
إلى الموسيقى التي لا تحتاج إلى أذن، والجمال الذي لا يحتاج إلى عين.

وهنا........أصل بوعيي إلى .......
أننا نبالغ في الاعتقاد بأن الحواس هي التي تمنحنا العالم.....وهي تمنحنا المعلومات عنه، نعم؛ لكنها لا تمنحنا بالضرورة معناه.

العين تخبرنا أن السماء زرقاء، لكنها لا تخبرنا لماذا نشعر بالسكينة حين ننظر إليها.

الأذن تستقبل اللحن، لكنها لا تفسر وحدها لماذا يوقظ فينا حنينًا إلى شيء لا نعرف اسمه.

الحواس تفتح الباب...
لكن الذي يدخل منه هو الوعي.
ولهذا يستطيع إنسان أن يرى أكثر مما رأى أصحاب العيون، وأن يسمع أعمق مما سمع أصحاب الآذان.

فالمسألة ليست دائمًا فيما تصل إليه الحاسة، بل فيما يستطيع الوعي أن يفعله بما يصل إليه... أو بما حُرم منه.
وهنا يصبح فقدان الحاسة، في تجربة بعض البشر، ليس نهاية الإدراك، بل إعادة تشكيل له.
لا لأن الحرمان جميل، ولا لأن الألم نعمة في ذاته، وإنما لأن الإنسان يمتلك قدرة مدهشة على أن يبحث عن طريق آخر حين يُغلق أمامه الطريق المعتاد.

بيتهوفن لم يستطع أن يستعيد سمعه.
وعمرو سليم لم يستطع أن يرى.
لكن كليهما لم يسمح للحدود الجسدية أن تصبح حدودًا للروح.....وهذه هي العظمة.
أن تعرف أن الجسد قد يضع لك حدودًا...
لكن الوعي يستطيع أن يتجاوزها.

وهنا نرى بيتهوفن وعمرو سليم بطريقة مختلفة:
لم يكونا رجلين «تغلبا على الإعاقة» فحسب...بل كانا شاهدين على اتساع الإنسان من الداخل.
كأن كليهما يقول لنا:
لا تختصروا الإنسان في جسده.
ففي داخله عالم لا تستطيع الحواس وحدها أن تدخله.
وربما لهذا تبدو لي الموسيقى شيئًا صوفيًا في جوهرها.
فهي لا تحتاج إلى صورة كي تحدث أثرها، ولا إلى كلمات كي تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.

نغمة واحدة قد تحمل ذكرى.....ونغمة أخرى قد توقظ حنينًا....وصمتٌ بين نغمتين قد يقول أكثر مما قالته آلاف الكلمات.
وكأن الموسيقى هي اللغة التي تتحدث بها الروح حين تعجز اللغة عن الكلام.

ولذلك، حين أتأمل بيتهوفن وعمرو سليم، لا أرى رجلًا أصمّ وآخر كفيفًا.
أرى روحَين رفضتا أن تختصرا وجودهما فيما غاب عنهما.
أرى بيتهوفن يدخل إلى الموسيقى من باب الصمت.
وأرى عمرو يدخل إليها من باب الظلام.
ثم أراهما يلتقيان في منطقة لا صمت فيها ولا ظلام...منطقة الروح.
هناك لا تعود العين شرطًا للرؤية....ولا الأذن شرطًا للسماع.
هناك تصبح البصيرة عينًا...ويصبح الوعي أذنًا...ويصبح القلب مرآةً لعالم لا يُرى بالحواس.

وربما كانت هذه إحدى الإشارات الخفية في رحلة الإنسان كلها:
أننا نبدأ بالحواس...ثم نتعلم أن نتجاوزها.
نبدأ برؤية الأشياء، ثم نبحث عن معانيها.
نسمع الأصوات، ثم نبحث عما وراءها.
نعيش العالم الخارجي، ثم نكتشف عالمنا الداخلي.
حتى نصل يومًا إلى تلك اللحظة التي لا نعود فيها نسأل:
ماذا أرى؟ وماذا أسمع؟
بل:
ماذا تكشف لي الروح؟
هناك...
حين يهدأ ضجيج الحواس....وحين تتراجع الصور....وحين يصمت الخارج...قد نكتشف أن الصمت لم يكن فراغًا....وأن الظلام لم يكن عدمًا....وأن وراء كل حاسةٍ بابًا آخر...بابًا إلى الروح.

وربما كانت أعظم المفاجآت أن الله لم يخلق لنا الحواس كي نكتفي بها، بل جعلها بداياتٍ لرحلة أطول...
من العين إلى البصيرة... ......
ومن الأذن إلى السماع..... .....
ومن العقل إلى الوعي..... .......
ومن الوعي إلى القلب.... ......
ومن القلب...إليه.
فإذا صمتت الحواس يومًا، فلا تخف من الصمت.
ربما كان الله يطلب منك أن تُصغي إلى ما لم تسمعه من قبل.
وإذا أظلمت الدنيا في عينيك، فلا تظن أن النور غاب....ربما كان النور قد بدأ ينتقل إلى الداخل.
فثمّة نورٌ لا تراه العين...وسماعٌ لا تدركه الأذن...وحضورٌ لا يحتاج إلى صورة.

وهناك، في أعمق نقطة من صمت الإنسان، حيث تسقط الحواس واحدةً تلو الأخرى...
تبدأ الروح في السماع والبصر.
وحينها فقط...
لا يعود الإنسان يسأل:
أين النور؟
لأنه يكتشف...
أنه كان يسكنه منذ البداية.



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ازدراء الإنسان... جريمةٌ في حق الإنسانية، فحين يُزدَرى إنسان ...
- العنصرية... حين تصبح العدالة انتقائية
- قبل أن يُكتب التاريخ... أين كان الوحي؟
- كلما ارتفع وعي الإنسان... صغرت الحدود.
- جوع الروح
- سرطان الروح
- إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية
- مشكلة العالم اليوم
- “انعدام المنطق… أم عجزنا عن رؤية الحقيقة؟”
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (6) والأخ ...
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (5)
- إلى أين يتجه السلام العالمي؟
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (4)
- فضلا دعمكم لنا ...دعم إنساني لقضية إنسانية-
- دعمكم من فضلكم..يا أصدقائي… يا شركاء الأرض والإنسان،
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (3)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (1)
- النظام الإنساني والنظم الإلهي
- الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم


المزيد.....




- صديقته فقدت الاتصال به قبل يومين.. العثور على الفنان التركي ...
- سوريا.. سامر كحلاوي يهاجم روزينا لاذقاني ويشعل الجدل حول مجل ...
- التعليم العالي: الجامعات تواصل تقديم خدماتها لطلاب الشهادات ...
- أفلام الرعب حين يصبح الخوف متعة
- تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي National Geographic 2026 ...
- الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة الت ...
- التعليم العالي تنشر أماكن مراكز الحاسب الآلي بالجامعات الحكو ...
- غاليريتا.. كيف تعاملت السينما الأمريكية مع أحداث 11 سبتمبر؟ ...
- إيرادات شباك التذاكر في دور العرض السينمائية المصرية.. صراع ...
- تفاصيل فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان القاهرة السينمائي ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راندا شوقى الحمامصى - -حين تصمت الحواس... تتكلم الروح-