أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - راندا شوقى الحمامصى - كلما ارتفع وعي الإنسان... صغرت الحدود.















المزيد.....

كلما ارتفع وعي الإنسان... صغرت الحدود.


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 18:49
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


فالجبال لا تعرف الحدود...والبحار لا تعرف الحدود...والنجوم لا تعرف الحدود...

فكيف عرفتها القلوب؟
إن الروح حين تستيقظ، لا ترى أمامها شعوبًا متناحرة، بل ترى أسرةً إنسانيةً واحدة، اختلفت ألسنتها، ولم تختلف حاجتها إلى الحب.
ولعل أسمى مراتب المعرفة، أن تدرك أن الآخر ليس تهديدًا لوجودك...
بل امتدادٌ لإنسانيتك.
فإذا فرح، اتسعت الحياة.
وإذا تألم، نقص شيء من العالم كله.

عندها لا يعود السؤال:
إلى أي وطن أنتمي؟
بل يصبح السؤال:
أيُّ إنسانٍ سأكون وأنا أسير فوق هذه الأرض؟

فالإنسان لا يُقاس بمساحة الأرض التي امتلكها...
بل بمساحة الرحمة التي حملها في قلبه.

حين رسم الإنسان حدودًا على الأرض... هل انقسمت الأرض فعلًا؟
من أعجب ما في الإنسان أنه يقف على حفنة تراب، ثم يقول: هذه لي.
ثم يقف آخر على حفنة أخرى، ويقول: بل هي لي.
وتبدأ الحروب... بينما الأرض صامتة، لا تعرف أسماءنا، ولا أعلامنا، ولا جوازات سفرنا.

الأرض لم تقل يومًا: هذا وطني، ولا ذاك غريب.
السماء لم تُقسِّم هواءها بين الشعوب.
الشمس لم تمنح نورها لأمة، وتحجبه عن أخرى.
والمطر لا يسأل قبل أن ينزل: من أي دين أنت؟ ومن أي وطن؟
كلها تعطي... لأنها تعرف أن العطاء هو قانون الوجود.

أما الإنسان، فقد نسي أحيانًا أنه ضيفٌ على الأرض، لا مالكٌ لها.
جاء إليها بقبضة يد فارغة، وسيغادرها بقبضة يد فارغة.

فما الذي نحمله معنا؟
الأرض... أم أعمالنا؟
الحدود... أم المحبة؟
الصراع على الأرض هو في حقيقته صراع على وهم البقاء.
فالروح العارفة لا تسعى لامتلاك الأرض، لأنها تعلم أن الأرض هي التي ستحتضن الجسد في النهاية.

من عرف نفسه، لم يعد يرى الآخر منافسًا، بل رفيق رحلة.
ومن عرف الله، اتسع قلبه حتى صار وطنًا للبشر جميعًا.

لعل الحدود كانت ضرورة لتنظيم حياة الناس، لكن المصيبة تبدأ حين تتحول الحدود من خطوط على الخرائط... إلى جدران في القلوب.
فالوطن الحقيقي ليس قطعة أرض فحسب...الوطن الحقيقي هو كل مكان يشعر فيه الإنسان أنه آمن، ومحبوب، ومكرَّم.
وربما يأتي يوم يرتقي فيه وعي البشر، فيدركون أن الأرض لم تُخلق لتكون ميدانًا للتنازع، بل مائدةً واسعة يجلس حولها الجميع.

عندها لن يكون السؤال:
من يملك الأرض؟
بل سيكون:
من يستحق أن يعيش عليها بالرحمة والعدل والمحبة؟

فجميعنا لسنا أبناء التراب...بل أبناء الروح.
والروح لا تعرف الحدود...لأن موطنها الأول كان عند الله، وغايتها الأخيرة هي الرجوع إليه.

إذا علم الإنسان أن الأرض واحدة، وأننا نعيش في عالم واحد... سيكون السلام بين بني البشر.
فالانقسام يبدأ أولًا في العقل، قبل أن يظهر على الخرائط.

حين يظن الإنسان أن هناك "نحن" و"هم"، يبدأ الخوف.
ومن الخوف يولد الشك......ومن الشك تولد الكراهية......ومن الكراهية تولد الحروب.
لكن الروح ترى ما لا تراه العين.
ترى أن البشر، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، ليسوا إلا أغصانًا لشجرة واحدة، تتغذى من تربة واحدة، وتستنشق هواءً واحدًا، وتستظل بسماء واحدة.

إن البحر الذي يفصل بين القارات...هو نفسه الماء.
والهواء الذي يمر فوق جميع الحدود...هو نفسه الهواء.
والقلب الذي يخفق في صدر طفل في أقصى الشرق...هو ذاته الذي يخفق في صدر طفل في أقصى الغرب.
فمن الذي أقنعنا أننا منفصلون؟
لقد قسّم الإنسان الأرض، لكنه لم يستطع أن يقسم الشمس.
ورسم الحدود، لكنه لم يستطع أن يمنع الطيور من عبورها.
واخترع الجوازات، لكن الأرواح ما زالت تتلاقى دون تأشيرة.

إن السلام الحقيقي لن يبدأ بتوقيع معاهدة...بل يبدأ عندما يدرك الإنسان أن كل ألم يصيب أخاه، ينقص شيئًا من إنسانيته هو أيضًا.
وعندما يجوع إنسان في مكان ما، فإن الإنسانية كلها تجوع.
وعندما تُراق دمعة بريء، فإن الرحمة في العالم كله تنادي من يوقظها.

ما أجمل اليوم الذي يقول فيه الإنسان:
هذه الأرض ليست ميراثًا نتقاتل عليه... بل أمانة نتشارك في رعايتها.

عندها لن يكون الانتماء إلى قطعة من الأرض هو أعظم الهويات...بل سيكون الانتماء إلى الإنسانية، وإلى الله، هو الهوية الكبرى.
فكلما اتسعت روحك...ضاقت حدودك.
وكلما اقتربت من الله...اتسعت محبتك حتى تشمل كل من يمشي على هذه الأرض.
وحين يبلغ الإنسان هذا المقام، لن يسأل:
من أي وطن أنت؟
بل سيسأل:
كيف حال روحك... يا أخي في الإنسانية؟
ربما لم يُخلق الإنسان ليملك الأرض... بل ليحبها.
ولم يُخلق ليغلب أخاه الإنسان...بل ليكتشف أن أخاه هو وجه آخر لرحلته.
فكلما ارتفعت الروح، سقطت منها الألقاب.
لا يعود هناك شرق وغرب...ولا أبيض وأسود...ولا غالب ومغلوب...يبقى شيء واحد فقط...
إنسانٌ عرف الله، فأحبَّ كل ما خلقه الله.

وعندما يصل البشر إلى هذه الحقيقة، لن يصبح السلام حلمًا بعيدًا، بل نتيجةً طبيعية لوعيٍ جديد.
فلا سلام يصنعه السلاح...ولا سلام تفرضه الحدود...إنما السلام يولد في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن كل روح هي نفحة من نفحات الله، وأن إيذاء إنسان واحد هو إساءة إلى هذه النفحة الإلهية.

يومها ستصبح الأرض بيتًا واحدًا...وتصبح الإنسانية عائلةً واحدة...ويصبح الحب هو اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة.

ليس أعظم الفتوحات أن تفتح مدينة...بل أن تفتح قلبًا.
وليس أقوى المنتصرين من يرفع رايته فوق الأرض...بل من يرفع الرحمة في قلبه.
فالأرض لا تحتاج إلى مزيد من الفاتحين...بل إلى مزيد من العارفين.
عارفين أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الأوطان جميلة...لكن الإنسانية أجمل، وأن الله وسعت رحمته العالمين، فكيف يضيق قلبٌ خُلق ليكون مرآةً لتلك الرحمة؟

إذا صلحت القلوب...تصالحت الحدود.
وإذا استيقظت الأرواح...نامت الحروب.
فما دام الجميع عابرين في هذه الدنيا، فلنجعل أثر عبورنا...محبةً لا ندبة، وسلامًا لا صراعًا، ودعاءً لا لعنة.

فالروح التي جاءت من عند الله...لا يليق بها إلا أن تعود إليه، وقد حملت معها قلبًا لم يكره أحدًا.

سيأتي يوم...
لن يسأل الله الإنسان:
كم أرضًا امتلكت؟
ولا:
كم حدودًا وسَّعت؟
بل لعل السؤال الأقرب إلى الروح يكون:
كم قلبًا طمأننت؟
كم دمعةً مسحت؟
كم إنسانًا رأيت فيه أخًا لك، رغم اختلافه عنك؟
فالأرض ستبقى هنا...والحدود ستتبدل...والدول ستقوم ثم تزول...أما المحبة الصادقة، فهي وحدها التي تعبر معنا إلى الأبد.

فازرع في كل طريق سلامًا، وفي كل لقاء رحمة، وفي كل كلمة نورًا.
فلعل أعظم أثر يتركه الإنسان على الأرض...ليس مدينةً بناها، ولا رايةً رفعها، بل قلبًا أيقظه إلى حقيقة أنه خُلق للمحبة.
فحين يستيقظ قلبٌ واحد...يصبح العالم كله أكثر نورًا.
حين ينظر الإنسان إلى الأرض من السماء...لا يرى حدودًا.
وحين تنظر الروح إلى البشر بعين الله...لا ترى أعداءً.
ترى قلوبًا...بعضها عرف طريق النور، وبعضها ما زال يبحث عنه.
فلا تُطفئ نورك لأن العالم مضطرب...بل كن أنت المصباح.
فقد لا تستطيع أن تمنع حربًا...لكنك تستطيع أن تمنع كلمة كراهية.
وقد لا تغيّر العالم كله...لكنك تستطيع أن تجعل عالم إنسانٍ واحد أكثر سلامًا.

وهكذا تبدأ كل الرسالات...وكل الحضارات...وكل النهضات...من قلبٍ آمن أن المحبة أقوى من الخوف، وأن الرحمة أبقى من القوة، وأن الإنسان، قبل كل شيء...هو أخٌ للإنسان.



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوع الروح
- سرطان الروح
- إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية
- مشكلة العالم اليوم
- “انعدام المنطق… أم عجزنا عن رؤية الحقيقة؟”
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (6) والأخ ...
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (5)
- إلى أين يتجه السلام العالمي؟
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (4)
- فضلا دعمكم لنا ...دعم إنساني لقضية إنسانية-
- دعمكم من فضلكم..يا أصدقائي… يا شركاء الأرض والإنسان،
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (3)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (1)
- النظام الإنساني والنظم الإلهي
- الإنسان بين وعي الأمس ووعي اليوم
- تحرّي الحقيقة: فريضة الوعي ومسار الروح في كل مناحي الحياة
- -العدالة وبني الإنسان-
- الغيب… أفق العقل المفتوح
- نبذ التعصّبات بكافة أنواعها: وصمة لا تليق بإنسان هذا العصر


المزيد.....




- ظنها قطعة مهملة.. لعبة نارية تنفجر في يد رجل وتؤدي إلى بترها ...
- ترامب: سنضرب إيران بقوة ونحمي مضيق هرمز بمقابل مادي
- بريطانيا تعتزم حظر الحرس الثوري الإيراني، فما أبرز أدواره دا ...
- بيسكوف: عسكريونا يعرفون مسارات المسيرات الأوكرانية
- بلومبيرغ: أوروبا تدرس سيناريو صدام مع الولايات المتحدة على خ ...
- ماكرون يدعو الجيش الفرنسي إلى الاستعداد للحروب
- كالاس: الاتحاد الأوروبي مستعد للعمل مع أي قيادة أوكرانية
- بعد 10 سنوات على محاولة الانقلاب.. آلاف الإدانات وملاحقات مس ...
- تركيا تتصدر أوروبا ديموغرافيا بـ 12.7 مليون شاب يتجاوزون سكا ...
- الخارجية الروسية تستدعي السفير الألماني لدى موسكو (فيديو)


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - راندا شوقى الحمامصى - كلما ارتفع وعي الإنسان... صغرت الحدود.