أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - راندا شوقى الحمامصى - رؤيتي... من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية... حين تتسع هوية الإنسان حتى تشمل الإنسانية كلها















المزيد.....


رؤيتي... من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية... حين تتسع هوية الإنسان حتى تشمل الإنسانية كلها


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 15:51
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


رؤيتي...
من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية... حين تتسع هوية الإنسان حتى تشمل الإنسانية كلها

قراءة إنسانية وأخلاقية وفكرية في ضوء تاريخ البشرية، وصراعاتها، وأحلامها المؤجلة.

إن عبارة «يجب تحويل الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية» ليست مجرد اقتراح لتغيير اسم مؤسسة سياسية، بل هي دعوة إلى إعادة النظر في الفكرة التي قامت عليها العلاقات بين البشر، وفي الحدود التي رسمها التاريخ بين الشعوب، وفي قدرة الإنسان على الانتقال من الانتماء الضيق إلى الوعي الإنساني الشامل.
إنها، في جوهرها، سؤال عن مستقبل البشرية: هل سنظل ننظم عالمنا وفق ما يفرقنا، أم سنبدأ في تنظيمه وفق ما يجمعنا؟
ولعل السؤال الأعمق من ذلك هو: هل تستطيع الإنسانية أن تنضج أخلاقيًّا وفكريًّا بما يكفي لتدرك أن اختلاف الأوطان والثقافات واللغات لا ينبغي أن يحول دون وحدتها في المصير؟

* من جراح التاريخ إلى حكمة الوعي
حين نقرأ تاريخ البشرية، لا نقرأ فقط تاريخ الحضارات التي قامت، والعلوم التي ازدهرت، والفنون التي أبدعت، بل نقرأ أيضًا تاريخ الخوف الذي تحول إلى عداوة، والاختلاف الذي تحول إلى خصومة، والحدود التي تحولت أحيانًا إلى متاريس، والهويات التي تحولت من منابع للانتماء إلى أدوات للإقصاء.

حاربت الشعوب بعضها بعضًا باسم الأرض، وتنازعت الإمبراطوريات باسم المجد، واندلعت الحروب باسم العقيدة، وتصارعت القوى باسم الأمن والمصالح، وكثيرًا ما دفع الإنسان البسيط ثمن قرارات لم يشارك في صنعها، ولم يكن يملك منعها.
ومع كل حرب، كانت البشرية تخسر أكثر من الأرواح التي تُزهق؛ كانت تخسر شيئًا من ثقتها بنفسها، ومن إيمانها بقدرتها على الاحتكام إلى العقل، ومن احترامها لقدسية الحياة.
ومع ذلك، لم يكن تاريخ الإنسان تاريخًا للحرب وحدها. فقد عرف أيضًا المصالحة، والتعاون، وتبادل المعرفة، والتضامن في مواجهة الكوارث، ونشوء المؤسسات التي حاولت أن تجعل الحوار بديلًا من السلاح.
ومن عصارة هذه التجارب نشأت فكرة أن السلام لا يمكن أن يقوم طويلًا على توازن الخوف وحده، وأن الأمن لا يتحقق ببناء الجدران فقط، بل ببناء الثقة، وأن حماية الإنسان تحتاج إلى منظومة تتجاوز حدود الدولة الواحدة حين تصبح الأخطار والمصالح والمصائر مشتركة.
هنا تحديدًا تكتسب فكرة «الجامعة العالمية» معناها.
فهي ليست هروبًا من التاريخ، بل محاولة للتعلم منه. وليست إنكارًا لاختلاف البشر، بل بحث عن صيغة تحمي اختلافهم من أن يتحول إلى صراع دائم.

* هل المشكلة في الجامعة العربية أم في حدود الفكرة التي قامت عليها؟
الجامعة العربية، منذ تأسيسها عام 1945، عبّرت عن فكرة التضامن بين الدول العربية، وعن الرغبة في تنسيق مواقفها وحماية مصالحها المشتركة. وهذه الفكرة في أصلها ليست خطأ؛ فالتعاون الإقليمي ضرورة، والتقارب بين الشعوب التي تجمعها اللغة والتاريخ والثقافة يمكن أن يكون قوة للسلام والتنمية.
لكن التجربة التاريخية تضع أمامنا سؤالًا صعبًا: هل يكفي الاشتراك في اللغة والتاريخ لتحقيق وحدة الإرادة؟ وهل تستطيع الشعوب المتقاربة ثقافيًّا أن تتجاوز تناقضاتها السياسية ومصالحها المتعارضة لمجرد أنها تنتمي إلى محيط واحد؟

لقد أظهرت التجارب أن التشابه لا يضمن الاتفاق، كما أن الاختلاف لا يفرض العداء.
فقد تتنازع دول يجمعها الدين واللغة والجغرافيا، بينما تتعاون دول تختلف في ثقافاتها وتقاليدها حين تجد مصالح مشتركة، ومؤسسات فعالة، وقواعد عادلة تنظم علاقاتها.
إذن، ليست المسألة في أن تصبح الجامعة العربية أقل عربية، ولا في أن تتخلى الشعوب عن خصوصياتها، وإنما في أن ندرك أن الانتماء العربي، شأنه شأن أي انتماء ثقافي أو حضاري، يمكن أن يكون جسرًا نحو الإنسانية، لا سقفًا نهائيًّا للوعي السياسي والأخلاقي.

إن الهوية التي تنضج لا تفقد جذورها حين تتسع أغصانها.
والإنسان الذي يحب وطنه ليس مطالبًا بأن يقلل من محبته للإنسان في وطن آخر.
بل إن المحبة التي لا تستطيع تجاوز حدود جماعتها تظل محبة ناقصة القدرة على مواجهة عالم متشابك المصالح والمصائر.

* الجامعة العالمية: من تضامن الجوار إلى تضامن المصير
حين نقول «الجامعة العالمية»، فإننا ننتقل من مفهوم يجمع دولًا تنتمي إلى إقليم واحد، إلى أفق يبحث عن إطار للتعاون بين شعوب العالم جميعًا.
لكن علينا أن نكون دقيقين: هل نعني مؤسسة دولية جديدة تحل محل الجامعة العربية؟ أم اتحادًا عالميًّا أوسع تتعاون داخله التجمعات الإقليمية؟ أم تطوير المؤسسات الدولية القائمة حتى تصبح أكثر عدلًا وفاعلية وقدرة على منع الحروب؟
هذه تصورات مختلفة، ولا ينبغي الخلط بينها.

فالعالم يمتلك بالفعل منظمة دولية عالمية هي الأمم المتحدة، إلى جانب مؤسسات إقليمية ودولية أخرى. ولذلك فإن الدعوة إلى «الجامعة العالمية» لا تصبح ذات معنى بمجرد تغيير الاسم، بل حين تقدم تصورًا مؤسسيًّا جديدًا يعالج أوجه القصور في التعاون الدولي.

والسؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس: كيف نجمع دول العالم تحت عنوان واحد فحسب؟ بل: كيف نجعل هذا الاجتماع قادرًا على حماية الإنسان، مهما كانت جنسيته، ومهما كان دينه، ومهما كانت لغته أو خلفيته الثقافية؟

كيف نمنع أن تتحول القوة العسكرية أو الاقتصادية إلى حق في فرض الإرادة على الآخرين؟

كيف نضمن ألا تكون حياة الإنسان في بلد ما أثمن من حياة إنسان في بلد آخر؟

وكيف تصبح القرارات التي تمس السلام العالمي خاضعة لقواعد واضحة، لا لموازين القوة وحدها؟
هنا تتحول الفكرة من أمنية أخلاقية إلى مشروع سياسي وحضاري قابل للنقاش والتطوير.

* منطق القوة أم أخلاق المسؤولية؟
من أكبر الدروس التي يقدمها التاريخ أن القوة تستطيع أن تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع السلام.
قد تتوقف الحرب لأن أحد الأطراف هُزم، أو لأن الطرفين استنزفا مواردهما، أو لأن توازن القوى فرض هدنة. لكن انتهاء القتال لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب العداء.
فالسلام الأعمق يحتاج إلى عدالة يشعر بها الناس، وإلى ضمانات تحمي الحقوق، وإلى مؤسسات يستطيع المتنازعون الاحتكام إليها، وإلى ثقافة تعترف بإنسانية الخصم دون أن تتنازل عن الحق في مقاومة الظلم.
ومن هنا، فإن أي جامعة عالمية تستحق هذا الاسم ينبغي ألا تكون مجرد تجمع للدول الأقوى، ولا منصة تتبادل فيها الحكومات الخطب، بينما تستمر الشعوب في دفع ثمن النزاعات.
بل يجب أن تقوم على مبدأ أخلاقي واضح: لا يجوز أن يصبح ضعف الإنسان سببًا في انتقاص حقوقه، ولا أن تصبح قوة الدولة مبررًا لإهدار كرامة البشر.
غير أن تحقيق هذا المبدأ ليس أمرًا بسيطًا؛ فالدول تختلف في مصالحها، وفي فهمها للأمن والسيادة، وفي أنظمتها السياسية، وفي رؤيتها للعدالة. ولهذا تحتاج أي منظومة عالمية إلى قواعد متفق عليها، وآليات للمساءلة، ووسائل سلمية لحل النزاعات، وتوازن بين استقلال الدول ومسؤوليتها تجاه المجتمع الإنساني.

إن الأخلاق من دون مؤسسات قد تبقى أمنية جميلة، والمؤسسات من دون أخلاق قد تتحول إلى أدوات لخدمة الأقوى.
وما تحتاج إليه البشرية هو التقاء الضمير بالقانون، والمبدأ بالتطبيق، والرحمة بالمسؤولية.

* هل تتعارض العالمية مع السيادة الوطنية؟
قد يعترض البعض بأن فكرة الجامعة العالمية تهدد استقلال الدول، وتمهد لهيمنة قوة واحدة على العالم، أو تذيب الثقافات والهويات في قالب موحد.
وهذه مخاوف لا يصح تجاهلها، بل ينبغي أن تكون في صميم أي نقاش جاد حول مستقبل الحوكمة العالمية.

فليس كل ما يحمل اسم العالمية إنسانيًّا بالضرورة، وليس كل اتحاد عادلًا لمجرد أنه واسع النطاق. وقد تتحول المركزية العالمية، إذا غابت عنها الضمانات، إلى صورة أكبر من الهيمنة التي تسعى إلى تجاوزها.
لذلك، لا ينبغي أن تعني العالمية حكومة تفرض ثقافة واحدة، أو تلغي خصوصية الشعوب، أو تنتزع من المجتمعات حقها في إدارة شؤونها.

العالمية التي أقصدها هنا هي وحدة في المبادئ المشتركة، وتنوع في الثقافات، وتعاون في المصالح، وعدالة في الحقوق والمسؤوليات.
أن يبقى المصري مصريًّا، والعربي عربيًّا، والأفريقي أفريقيًّا، والآسيوي آسيويًّا، والأوروبي أوروبيًّا، دون أن يتعارض أي من هذه الانتماءات مع الاعتراف بأن الإنسان الآخر شريك في الكرامة الإنسانية، وإن اختلفت عنه الجذور والمعتقدات والتجارب.
فالوحدة ليست أن نتشابه، بل أن نتعلم كيف نعيش اختلافنا من دون أن نتقاتل بسببه.
وليس المطلوب أن يفقد العالم ألوانه، بل أن يتوقف عن تحويل اختلاف الألوان إلى درجات متفاوتة من القيمة الإنسانية.

* " فحين تتسع الروح من الأنا إلى النحن"
أرى أن فكرة الجامعة العالمية تفتح بابًا يتجاوز السياسة إلى سؤال الوعي نفسه.
فالإنسان يبدأ غالبًا من دائرة ذاته: أنا، ثم أسرتي، ثم جماعتي، ثم وطني. وهذه الدوائر ضرورية للحياة، وليست عيبًا في ذاتها. لكن النضج يبدأ حين لا تعود الدائرة الأقرب إلينا هي الحد الأقصى لقدرتنا على المحبة والإنصاف.

حين يدرك الإنسان أن الآخر، على اختلافه، ليس مجرد غريب عن عالمه، بل كائن يحمل من القابلية للألم والأمل والخوف والحنين ما يحمله هو، يبدأ شيء في داخله بالتغير.
لا يعود السؤال: كيف أنتصر على الآخر؟
بل: كيف نمنع أن نخسر إنسانيتنا معًا؟
ولا يعود السلام مجرد غياب للرصاص، بل يصبح حالة من الوعي تدرك أن كرامة الإنسان ليست ملكية حصرية لجماعة، وأن الحياة لا تكتسب قيمتها من الحدود التي تفصل أصحابها.

ففي رؤيتي الصوفية العرفانية، لا يعني تجاوز الأنا محو الذات، بل تحريرها من الوهم الذي يجعلها مركز الوجود، ويجعل كل ما عداها هامشًا لا يستحق الإنصاف.
وإذا انتقلنا بهذه الرؤية إلى المجال الإنساني، أمكننا أن نفهم أن الوطنية حين تتحرر من التعصب تصبح محبة، وأن العقيدة حين تتحرر من الإكراه تصبح هداية، وأن القوة حين تتحرر من الغرور تصبح مسؤولية.
وأن الروح حين تتسع، لا تسأل عن هوية الإنسان قبل أن تعترف بإنسانيته.

وهنا أجد المعنى الأعمق للجامعة العالمية: إنها ليست فقط اجتماع الدول حول طاولة، بل اختبار لقدرتنا على توسيع معنى «نحن».
من «نحن» التي تستبعد الآخر، إلى «نحن» التي تتسع له دون أن تفقد خصوصيتها.
ومن عقل يرى العالم ساحة للتنافس الأبدي، إلى عقل يدرك أن بعض المشكلات لا يستطيع أي وطن حلها منفردًا، وأن مصير الإنسان بات متشابكًا مع مصير الإنسان الآخر، سواء اعترف بذلك أم أنكره.

* البشرية اليوم: مصير مشترك لا تلغيه الحدود
إن عالمنا المعاصر يضع هذه الفكرة أمامنا بإلحاح متزايد.
فالمناخ لا يعترف بالحدود السياسية، والأوبئة لا تتوقف عند جوازات السفر، والتقنيات الجديدة تعيد تشكيل حياة البشر في جميع القارات، والأزمات الاقتصادية تنتقل آثارها بين المجتمعات، والحروب تترك وراءها موجات من النزوح والخوف والحرمان تتجاوز حدود الدول التي اندلعت فيها.
لا يعني هذا أن العالم أصبح كتلة واحدة متجانسة، أو أن مصالح الدول قد تلاشت؛ فالتفاوت في الثروة والقوة، وتضارب المصالح، والصراعات على الموارد والنفوذ، كلها حقائق مستمرة.
لكنه يعني أن العزلة لم تعد ضمانًا كافيًا للأمان، وأن تجاهل معاناة الشعوب الأخرى قد يرتد على الجميع بطرق مختلفة.

إننا نعيش مفارقة كبرى: تقدمت قدرتنا على الاتصال إلى حد مذهل، لكن قدرتنا على التفاهم لم تتقدم بالسرعة نفسها. صرنا نرى ما يحدث في أقصى الأرض خلال لحظات، لكننا لم نتعلم دائمًا كيف نحول المعرفة إلى تضامن، أو التعاطف إلى فعل، أو الاتفاق على المبادئ إلى التزام عملي.
وهذا هو التحدي الحضاري الحقيقي: أن نجعل تقدم وسائلنا مصحوبًا بتقدم ضمائرنا.

فما قيمة أن يصل الإنسان إلى الفضاء، إذا ظل عاجزًا عن بناء الثقة بين جيرانه؟

وما قيمة أن يمتلك أدوات هائلة للاتصال، إذا استخدمها لتوسيع الكراهية؟

وما قيمة أن تتحدث الدول عن الأمن، إذا بقي ملايين البشر يعيشون تحت الخوف من الحرب والجوع والاضطهاد؟

إن الجامعة العالمية، في صورتها المنشودة، ينبغي أن تكون استجابة لهذا التناقض: أن تنقل التعاون من كونه خيارًا دبلوماسيًّا متقطعًا إلى كونه مسؤولية مؤسسية مستمرة.

* ما الذي ينبغي أن يتغير فعلًا؟
إذا أردنا أن تتحول الفكرة إلى مشروع واقعي، فلا يكفي أن نرفع شعار الوحدة العالمية، بل ينبغي أن نحدد ما الذي سيجعلها مختلفة عن المؤسسات القائمة.

أولًا، أن يكون منع الحروب وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية في صميم عملها، مع آليات واضحة وفاعلة للوساطة والتحكيم والالتزام بالاتفاقات.

ثانيًا، أن تخضع قواعدها لمبدأ المساواة في الكرامة والحقوق، وألا تصبح مصالح الشعوب الصغيرة أو الفقيرة أقل وزنًا لمجرد أن قدرتها العسكرية أو الاقتصادية محدودة.

ثالثًا، أن تتعامل مع الأمن باعتباره أوسع من القوة المسلحة؛ فهو يشمل الغذاء والماء والصحة والتعليم والبيئة والقدرة على العيش بكرامة.

رابعًا، أن تتيح للشعوب صوتًا حقيقيًّا في القضايا التي تمس مستقبلها، من خلال آليات تمثيل ومساءلة شفافة، مع احترام استقلال المجتمعات وتنوعها.

خامسًا، أن تقاوم التمييز والتعصب، وتحمي حرية الاعتقاد والتعبير والضمير، وتؤكد أن الاختلاف لا يسقط عن الإنسان حقه في الأمان والعدالة.

وسادسًا، أن تكون قادرة على محاسبة منتهكي القواعد المشتركة، لا أن تكتفي بإصدار البيانات، أو تطبق المعايير على الضعفاء وتتغاضى عنها حين يتعلق الأمر بالأقوياء.
وهنا تظهر صعوبة المشروع: كيف نصنع مؤسسة عالمية لا تعيد إنتاج اختلالات القوة القائمة؟ وكيف نضمن أن يكون القانون فوق المصالح الآنية، وأن تكون العدالة قابلة للتطبيق على الجميع؟

هذه أسئلة لا تقدم لها الشعارات إجابات جاهزة. إنها تحتاج إلى حوار عالمي واسع، وتصميم مؤسسي دقيق، وتدرج في التنفيذ، وإرادة سياسية، وثقافة شعبية تؤمن بأن التعاون لا ينتقص من الكرامة الوطنية.
وقد يكون الطريق الأكثر واقعية هو تطوير المؤسسات العالمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الاتحادات الإقليمية، ومنحها قدرة أكبر على التنسيق والمساءلة، بدلًا من افتراض أن استبدال مؤسسة بأخرى سيحل وحده مشكلات العالم.

* الجامعة العربية داخل الجامعة العالمية: من الانغلاق إلى المشاركة
ولعل التصور الأجدى ليس إلغاء الجامعة العربية، بل إعادة التفكير في موقعها ضمن منظومة عالمية أكثر ترابطًا.

فبدلًا من أن يكون انتماؤها العربي حدًّا نهائيًّا لحركتها، يمكن أن تصبح قاعدة لتعاون إقليمي أعمق، ومختبرًا لحلول مشتركة في مجالات التنمية والتعليم والمياه والطاقة وحقوق الإنسان وتسوية النزاعات.

وبدلًا من أن تنحصر رسالتها في إدارة الخلافات بين أعضائها، يمكن أن تسهم في بناء الجسور مع التجمعات الأفريقية والآسيوية والأوروبية وغيرها.
فالعالم لا يحتاج إلى محو الدوائر الإقليمية، بل إلى ربطها بروابط تمنع تحولها إلى جزر متنافسة.

إن الجامعة العربية التي تتعاون بفاعلية مع غيرها لا تفقد عروبتها؛ بل تمنح انتماءها قدرة أكبر على الإسهام في الحضارة الإنسانية.

وهكذا لا يكون الانتقال من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية انتقالًا من هوية إلى هوية، بل من مستوى من التعاون إلى مستوى أوسع، ومن معالجة المشكلات داخل الإقليم إلى المشاركة في معالجة القضايا التي تمس البشرية كلها.

* هل حان الوقت لكي تنضج البشرية؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي يختبئ وراء العبارة كلها.

لقد امتلك الإنسان المعرفة التي مكنته من تغيير وجه الأرض، لكنه لم ينجح دائمًا في تحويل هذه المعرفة إلى حكمة. وامتلك أدوات هائلة لتدمير الحياة، قبل أن ينجح في بناء ضمانات كافية لحمايتها. وتعلم كيف يقيس المسافات بين الكواكب، لكنه ما زال يتعثر أحيانًا في عبور المسافة النفسية والأخلاقية بينه وبين أخيه الإنسان.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذا التناقض ليس دعوة إلى اليأس، بل بداية لتجاوزه.

فالتاريخ لا يقدم ضمانًا بأن البشرية تتقدم أخلاقيًّا في خط مستقيم، ولا بأن كل جيل يصبح أكثر حكمة من سابقه. لكنه يتيح لنا أن نتعلم من الكوارث، وأن نراجع المؤسسات، وأن نوسع دوائر الاعتراف بالحقوق، وأن نعيد النظر في الأفكار التي اعتدنا اعتبارها حقائق نهائية.
ولذلك، فإن العالمية ليست نتيجة حتمية للتاريخ، بل اختيار أخلاقي وسياسي يحتاج إلى عمل متواصل.

وقد تكون البداية الحقيقية حين نتوقف عن سؤال: ماذا سأربح إذا تعاونت مع الآخر؟ ونبدأ في سؤال أكثر عمقًا: ما الذي سنخسره جميعًا إذا استمررنا في تحويل الاختلاف إلى عداوة؟

إن مستقبل الإنسانية لن تصنعه مؤسسة واحدة، مهما اتسعت صلاحياتها، بل تصنعه أيضًا التربية، والثقافة، والعدالة، والإرادة الشعبية، وقدرة الإنسان على مقاومة التعصب داخل نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالتخلي عنه.

فالجامعة العالمية لا تبدأ فقط في قاعات المؤتمرات، بل تبدأ في العقل الذي يرفض احتقار المختلف، وفي القلب الذي لا يتلذذ بمعاناة الخصم، وفي القانون الذي يحمي الضعيف، وفي المدرسة التي تربي الطفل على أن انتماءه إلى وطنه لا يتناقض مع مسؤوليته تجاه العالم.
وتبدأ حين يصبح الإنسان مواطنًا مسؤولًا في وطنه، وشريكًا واعيًا في عالمه، دون أن يُطلب منه التخلي عن جذوره أو ذاكرته أو ثقافته.

كلمة أخيرة... من إنسان إلى إنسان
أتصور أن أعظم ما يمكن أن تتعلمه البشرية من تاريخها ليس أن الأقوى هو من يبقى، ولا أن المنتصر هو من يكتب رواية التاريخ، بل أن الحضارة التي لا تحمي إنسانية الإنسان تظل، مهما بلغت من القوة، مهددة بالانهيار من داخلها.

إن العالم لا يحتاج إلى إمبراطورية جديدة ترتدي ثوب الوحدة، ولا إلى سلطة واحدة تمحو الفروق بين البشر، بل يحتاج إلى نظام تعاوني عادل، يحد من الحروب، ويحمي الحقوق، ويمنح الشعوب فرصة لتقرير مصائرها، ويجعل القوة خاضعة للمسؤولية المشتركة.

ومن هنا، فإنني أرى في فكرة «الجامعة العالمية» أفقًا يستحق التفكير الجاد، بشرط ألا تكون مجرد تغيير في الاسم، أو حلمًا يتجاهل تعقيدات الواقع، بل مشروعًا لتطوير التعاون الدولي على أساس العدالة والمساواة واحترام التنوع.
أما الجامعة العربية، فبإمكانها أن تكون جزءًا فاعلًا من هذا الأفق، لا نقيضًا له.

فالعالمية الحقيقية لا تطلب من العربي أن يتوقف عن كونه عربيًّا، ولا من المصري أن يتخلى عن حبه لمصر، بل تدعوهما إلى إدراك أن محبتهما لوطنهما لا تستلزم إغلاق قلبيهما أمام بقية العالم.

يا إنسان، إن وطنك هو الأرض التي تنتمي إليها، لكن إنسانيتك هي الدائرة التي لا ينبغي أن تستثني أحدًا.
وإذا كانت الحدود تنظم الجغرافيا، فلا ينبغي أن تتحول إلى حدود للضمير.

وإذا كانت الأمم تحفظ ذاكرتها وهويتها، فلا ينبغي أن تجعل من هذه الهوية مبررًا لحرمان الآخرين من حقوقهم.

وإذا كان التاريخ قد ورثنا صراعات لم نختر بداياتها، فإن مسؤوليتنا الأخلاقية أن نرفض توريثها للأجيال القادمة بوصفها قدرًا لا مفر منه.

لعل اللحظة التي تنضج فيها البشرية حقًّا هي اللحظة التي تدرك فيها أن وحدة المصير لا تعني تطابق البشر، وأن السلام لا يعني غياب الاختلاف، وأن المحبة ليست ضعفًا أمام القوة، بل قوة أخلاقية تمنع القوة من التحول إلى طغيان.

من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية... ليست القضية أن نوسّع حدود المؤسسة فحسب، بل أن نوسّع حدود الوعي، وأن ننتقل من عالم تتجاور فيه الأمم وهي تخشى بعضها بعضًا، إلى عالم تتعاون فيه الأمم لأنها أدركت أن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأن سلام الأرض مسؤولية يشترك فيها الجميع.

فهل نجرؤ على أن نكون الجيل الذي يبدأ هذا التحول؟
ليس جيلًا يلغي الاختلاف، بل جيلًا يتعلم كيف يحوله إلى ثراء.

وليس جيلًا يَعِد بعالم بلا مشكلات، بل جيلًا يرفض أن تكون الحرب هي اللغة الأخيرة بين البشر.

وليس جيلًا يكتفي بترديد كلمة السلام، بل جيلًا يعمل كي يصبح السلام ممكنًا، عادلًا، ومستدامًا.
لأن البشرية، في نهاية المطاف، ليست مجموعة من الأمم تعيش فوق أرض واحدة فحسب؛ إنها عائلة إنسانية تتعدد لغاتها وثقافاتها، لكن الحياة التي تحملها واحدة، والمصير الذي تتقاسمه مشترك، والأمل الذي يستحق أن تناضل من أجله هو أن تتسع الأرض للجميع، وأن يتسع وعي الإنسان لأخيه الإنسان.🌿🌍



#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة منتسوري التعليمية: حين نحرّر قدرات الطفل بدلًا من أن ن ...
- الطائفية في مصر... إلى متى، وإلى أين؟
- -حين تصمت الحواس... تتكلم الروح-
- ازدراء الإنسان... جريمةٌ في حق الإنسانية، فحين يُزدَرى إنسان ...
- العنصرية... حين تصبح العدالة انتقائية
- قبل أن يُكتب التاريخ... أين كان الوحي؟
- كلما ارتفع وعي الإنسان... صغرت الحدود.
- جوع الروح
- سرطان الروح
- إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية
- مشكلة العالم اليوم
- “انعدام المنطق… أم عجزنا عن رؤية الحقيقة؟”
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (6) والأخ ...
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (5)
- إلى أين يتجه السلام العالمي؟
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (4)
- فضلا دعمكم لنا ...دعم إنساني لقضية إنسانية-
- دعمكم من فضلكم..يا أصدقائي… يا شركاء الأرض والإنسان،
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (3)
- القرب الإلهي...تأمل في سر المسافة بين الإنسان وربه (2)


المزيد.....




- لست بحاجة إلى الصراخ..ما المقصود تحديدًا بحانة الاستماع عالي ...
- مبعوث ترامب يلتقي بوتين في روسيا.. هذا ما كل ما نعرفه عما يج ...
- كيف يساعد الماء على تحويل بروتين تاو إلى مدمر للدماغ في ألزه ...
- الأمن الروسي يعتقل مرتزقا ألمانيا قاتل إلى جانب قوات كييف
- كوريا الشمالية: شقيقة كيم تتفقد أعمال تحصين الحدود مع الجنوب ...
- استدعاء نتنياهو ومسؤولين سابقين للإدلاء بشهاداتهم أمام لجنة ...
- مصر.. الداخلية تنشر مقطعا من الفديو -الخادش- لسائحتين بعد ال ...
- احتجاجات فرنسا: انقسام حول المسؤولية عن أعمال الشغب والدروس ...
- بعد أعمال الشغب في ميلانو.. الحكومة الإيطالية تستعين بالجيش ...
- استطلاعات متقاربة وغموض سياسي.. من يشكل الحكومة المقبلة في إ ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - راندا شوقى الحمامصى - رؤيتي... من الجامعة العربية إلى الجامعة العالمية... حين تتسع هوية الإنسان حتى تشمل الإنسانية كلها