راندا شوقى الحمامصى
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 16:15
المحور:
قضايا ثقافية
الطائفية في مصر ليست جرحًا جديدًا في جسد الوطن، لكنها جرحٌ طال بقاؤه حتى كاد البعض يتعامل معه كأنه جزء طبيعي من تكوين المجتمع.
والمصيبة ليست في أن يختلف المصريون في العقيدة؛ فالاختلاف سنة من سنن الحياة، ولا يمكن لإنسان أن يكون نسخة من إنسان آخر في فكره وضميره وإيمانه.
المصيبة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تصنيف، والتصنيف إلى تمييز، والتمييز إلى خوف، والخوف إلى كراهية، والكراهية إلى ظلم.
هنا لا يعود الدين دينًا.
ولا يعود الوطن وطنًا.
ويصبح الإنسان أسير خانة لم يخترها، يُحاسَب فيها على اسم عائلته، أو ديانته، أو طائفته، بدل أن يُحاسَب على أخلاقه وعمله وإنسانيته.
الطائفية لا تبدأ في الشارع... بل تبدأ في العقل
الطائفية أخطر من أن تكون مشاجرة بين شخصين.
إنها تبدأ في اللحظة التي نعلّم فيها الطفل أن هناك "نحن" وهناك "هم".
أن "نحن" أصحاب الحق، و"هم" أصحاب الخطأ.
أن الآخر ليس إنسانًا كامل الإنسانية، وإنما هو أولًا "مختلف في الدين".
ومن هنا يبدأ بناء الجدار....يكبر الطفل، ويكبر معه الجدار.
ثم يأتي "التعليم" وآه من تعليم اليوم....يأتي ليؤكده ، والخطاب الديني المتعصب ليمنحه شرعية، وبعض وسائل الإعلام لتغذيه بالخوف، والمجتمع ليورثه جيلاً بعد جيل.
وهكذا يصبح الإنسان قادرًا على أن يرى عقيدة الآخر قبل أن يرى وجهه.
يرى الطائفة قبل أن يرى القلب.
يرى الاسم قبل أن يرى الإنسان.
وهذه واحدة من أخطر صور تعطيل العقل.
لأن العقل الذي يستطيع أن يسأل عن الكون والوجود والحقيقة، ثم يعجز عن رؤية إنسان أمامه إلا من خلال " شكل اسمه" وبطاقة هويته الدينية، هو عقل لم يتحرر بعد.
[ومصر أكبر من الطائفية]
مصر ليست مجموعة جزر دينية متجاورة.
مصر تاريخ طويل من التداخل الإنساني، عاش فيه المصري بجوار المصري، وشارك المصري المصريَّ أفراحه وأحزانه، وسكن معه الحي نفسه، وعمل معه في المكان نفسه، ووقف إلى جواره في المرض والموت والحياة.
المصري قبل أن يكون مسلمًا أو مسيحيًا أو بهائيًا أو من أي معتقد آخر، هو إنسان مصري.
وهذه ليست جملة شاعرية.....إنها قاعدة يجب أن يقوم عليها الوطن الحديث.
فالدولة التي تجعل المواطنة درجات، أو تجعل بعض المواطنين يشعرون أن عليهم أن يثبتوا أولًا أنهم يستحقون الانتماء، لا تبني وطنًا متماسكًا؛ بل تبني وطنًا يعيش فيه الناس تحت سقف واحد، لكن بقلوب متباعدة.
والوطن الحقيقي ليس المكان الذي نتشابه فيه.
الوطن الحقيقي هو المكان الذي نختلف فيه دون أن نخاف من بعضنا.
أين يبدأ الخطر الحقيقي؟
الخطر ليس فقط في حادث طائفي هنا أو اعتداء هناك.....هذه أحداث مؤلمة، نعم، لكنها أعراض.
أما المرض الأعمق فهو أن تتسلل الطائفية إلى تفاصيل الحياة اليومية:
في التعليم...
في الوظائف...
في الزواج...
في الأوراق الرسمية...
في بناء دور العبادة...
في المقابر...
في الخطاب العام...
وفي نظرة المجتمع إلى من يختلف في معتقده.
عندما يشعر الإنسان أن عقيدته يمكن أن تصبح سببًا في نقص حق من حقوقه، فإن المشكلة لم تعد مشكلة دينية....لقد أصبحت مشكلة مواطنة....." مشكلة وطن يا مصر".
وهنا يجب أن نكون واضحين:
لا يمكن بناء دولة حديثة بمواطن كامل المواطنة ومواطن آخر "مقبول على مضض"😢.
ولا يمكن أن تكون المواطنة الحقيقية قابلة للتجزئة.
إما أن يكون الإنسان مواطنًا كامل الحقوق والكرامة، أو أن فكرة المواطنة نفسها قد أصابها الخلل.... بل "خلل يجب جثّه"!
ولكن... هل الدين هو المشكلة؟
لا.
الدين في جوهره لا يحتاج إلى طائفية لكي ينتصر.
الحقيقة لا تحتاج إلى عصا.... والإيمان لا يحتاج إلى تخويف.
والإنسان الذي يثق في إيمانه لا يشعر أن وجود المختلف يهدد وجوده.
الطائفية تظهر عندما يتحول الدين من طريق إلى الله إلى سلاح ضد الإنسان.
وعندما يصبح السؤال:
"أنت ماذا تعتقد؟"
أهم من السؤال:
"أنت ماذا تفعل بالإنسان الذي لا يعتقد مثلك؟"
هنا نكتشف حقيقة التدين.
فليس الاختبار الحقيقي لإيمان الإنسان أن يحب من يشبهه.
الاختبار الحقيقي أن يستطيع أن يحفظ كرامة من يختلف معه.
نحن لا نحتاج إلى تعليم الناس كيف يتشابهون... نحتاج إلى تعليمهم كيف يختلفون....وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالسلام ليس أن أجعل الجميع يؤمنون بما أؤمن به.
السلام أن أستطيع أن أقول:
"أنت مختلف عني... ومع ذلك أنت أخي في الإنسانية، وشريك لي في الوطن، وحقك في الكرامة لا يتوقف على موافقتي على عقيدتك."
هذه هي التربية التي نحتاج إليها.
أن يتعلم الطفل أن الاختلاف ليس خطرًا.
أن يتعلم أن السؤال ليس جريمة.
أن يتعلم أن التفكير ليس خروجًا على الأخلاق.
أن يتعلم أن الإنسان لا يصبح أفضل لأنه وُلد في دين معين، وإنما يصبح أفضل بما يصنعه من خير وعدل ورحمة.
وأن أسوأ ما يمكن أن يحدث للدين هو أن "يتحول إلى مادة للحفظ والنجاح والرسوب، بينما تفشل الأخلاق في الامتحان الحقيقي للحياة".
}فإلى متى؟{!
إلى متى نظل نسأل:
"متى تنتهي الطائفية؟"
ربما السؤال الأصح هو:
متى نبدأ نحن في إنهائها؟
لأن الطائفية لا تسقط بقرار إداري فقط...ولا تنتهي بخطاب احتفالي عن الوحدة الوطنية....ولا بصورة تجمع رجال الدين أمام الكاميرات ثم يعود المجتمع إلى عاداته القديمة.
الطائفية تُهزم..........
عندما يتغير الوعي.
عندما يصبح القانون فوق الانتماء.
وعندما تصبح المواطنة فوق الطائفة.
وعندما يصبح الإنسان أغلى من الخانة التي كُتبت بجوار اسمه.
وعندما نتوقف عن تربية أطفالنا على الخوف من المختلف.
وعندما يصبح احترام عقيدة الآخر جزءًا من أخلاقنا، لا مجرد شعار سياسي.
وإلى أين؟
إذا استمررنا في ترك الطائفية تنمو داخل العقول، فإنها لن تبقى خلافًا دينيًا....ستتحول إلى تفكك اجتماعي.[ وللأسف يعز علي أن أقول أنه حالنا اليوم😢]
لأن المجتمع الذي يتعلم أن يصنف أبناءه إلى "نحن" و"هم" يستطيع أن يكرر الآلية نفسها في كل شيء:
دينًا...
وطبقةً...
وفكرًا...
وجنسًا...
ومنطقةً...
ومذهبًا...
وحينها يصبح الإنسان مشروعًا دائمًا للتصنيف [ وقد اصبحنا😢].
وفي النهاية نخسر الوطن قبل أن نخسر التعايش.
أما إذا اخترنا طريق العقل والإنسانية، فإن الاختلاف يمكن أن يتحول من لعنة إلى ثراء....فما أجمل وطنًا لا يسأل الإنسان فيه أولًا:
"أنت من أي طائفة؟"
بل يسأله:
"ماذا تستطيع أن تضيف إلى هذا الوطن؟"
مصر لا تحتاج إلى مواطنين متشابهين... بل إلى مواطنين أحرار.
وبالفعل آن الأوان أن نفهم أن الوحدة الوطنية لا تعني أن نذيب الاختلاف.
الوحدة الوطنية تعني أن نحمي الاختلاف من أن يتحول إلى عداء.
أن نجعل التنوع مصدر قوة، لا ذريعة للإقصاء.
أن نربي أبناءنا على أن الله لا يحتاج منا أن نحرسه من عباده.
فالله "في أسمى معنى للإيمان" ليس ضعيفًا حتى نخوض الحروب باسمه، وليس محتاجًا إلى كراهية إنسان لكي نثبت محبتنا له.
إنما الذي يحتاج إلى الحماية هو الإنسان.
كرامته.
حريته.
ضميره.
حقه في أن يبحث عن الحقيقة.
وحقه في أن يعيش آمنًا دون أن يخاف من المختلف.
وربما تكون المأساة الأكبر أن الطائفية، وهي تزعم الدفاع عن الدين، تستطيع أحيانًا أن تجعل الإنسان يكره الإنسان باسم الله.
وهنا ينبغي أن نتوقف جميعًا.....ونعيد السؤال من البداية:
هل نحن ندافع عن الدين... أم عن خوفنا من الآخر؟
هل نبحث عن الحقيقة...أم نبحث عن انتصار جماعتنا؟
هل نريد أن نقرّب الإنسان من الله...أم نستخدم الله لإبعاد الإنسان عن أخيه الإنسان؟
فالطريق إلى الله لا يمكن أن يمر فوق كرامة إنسان آخر.
ومن أراد أن يبني وطنًا يسكنه السلام، فليبدأ من المكان الذي تبدأ منه كل الحروب:
من داخل الإنسان.
فإذا تحرر العقل من التعصب،
وتحرر القلب من الخوف،
وتحرر الدين من الاستغلال،
وأصبحت المواطنة حقًا لا مِنّة،
والاختلاف حقًا لا جريمة،
عندها فقط يمكن أن نقول: لقد بدأنا نداوي جرح مصر.
أما أن نغطي الجرح بالأعلام والشعارات، ثم نتركه ينزف في أعماق النفوس...فذلك ليس علاجًا....إنه فقط تأجيل للألم.....ومصر تستحق أكثر من ذلك.....والإنسان المصري يستحق أكثر من ذلك.
والدين ــ أيًّا كان ــ يستحق أن يُرى في أخلاق أتباعه، لا في خوفهم من بعضهم.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن نحمله جميعًا من اليوم:
أيّ مصر نريد أن نورثها لأبنائنا؟
مصر الخائفين من بعضهم...أم مصر التي يستطيع فيها الإنسان أن يختلف، ويؤمن، ويسأل، ويحب، ويعيش كريمًا... دون أن يخاف من إنسان؟
هذه ليست قضية طائفة...هذه قضية وطن.
وهذه ليست معركة بين أديان...إنها معركة الإنسان ضد التعصب.
وفي النهاية، لن ينتصر دين على دين.
الذي يجب أن ينتصر هو الإنسان.
سأظل أكتب، أحاول أن أزرع النور حيث يكثر الضجيج، والمحبة حيث ينمو الخوف، والعقل حيث يُراد للإنسان أن يتوقف عن التفكير.
سأظل أكتب للإنسان طوال ما حييت...لا لأنتصر على أحد، بل لأوقظ في الإنسان أجمل ما فيه.
ربما من يقرأ ما وراء الكلمات؛ يرى الفكرة، والوجع، والرجاء المختبئ بين السطور.
فربما كلمة صادقة لا تغيّر العالم كله... لكنها قد تغيّر عالم إنسان واحد.
وهذا وحده يستحق أن أكتب من أجله.
#راندا_شوقى_الحمامصى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟