أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عزالدين جباري - اللغة أيضاً سيادة














المزيد.....

اللغة أيضاً سيادة


عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)


الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 18:53
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


أثار إلقاء فاطمة الزهراء المنصوري كلمتها في القمة الروسية الإفريقية باللغة الفرنسية نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد انصب جانب كبير من الانتقادات على اختيارها لغة المستعمر السابق في مناسبة تجمع دولاً إفريقية، بعضها اختار التعبير عن مواقفه باللغة العربية.
أعتقد أن المسألة تستحق نقاشا يتجاوز الموقف من مسؤولة بعينها، أو المفاضلة بين الفرنسية والعربية، لتمتد إلى سؤال أكثر عمقا:
ما موقع اللغة في ممارسة السيادة الوطنية؟
اللغة ليست مجرد أداة محايدة لنقل الأفكار والمعلومات؛ اللغة وعاء لإنتاج المعنى، ووسيلة لتمثيل الذات، وعنصر من عناصر الحضور الرمزي للدولة.
ولذلك، فإن اختيار لغة الخطاب في المحافل الدولية ليس تفصيلا تقنيا، وإنما هو سلوك قد يحمل دلالات تتجاوز مضمون الكلام نفسه.
ليس الاعتراض على إتقان المسؤولين للفرنسية أو الإنجليزية أو غيرهما من اللغات؛ فالتعدد اللغوي مكسب، والانفتاح على الثقافات الأخرى ضرورة في عالم تتشابك فيه المصالح والمعارف. إنما الإشكال يبدأ عندما تتحول اللغة الأجنبية، بفعل التراكم المؤسساتي والثقافي، إلى لغة افتراضية للنخب في التعبير عن مواقفها السياسية والفكرية، بينما تُحصر اللغة الوطنية في مجالات التواصل الداخلي والخطاب الموجه إلى الجمهور.
هنا نكون أمام شكل من أشكال التراتبية اللغوية التي قد لا تُفرض بقرار سياسي أو إداري، وإنما يعيد إنتاجها الفاعلون أنفسهم، حتى تصير أمرا طبيعيا لا يتطلب أي تبرير.
وربما كان أهم ما يشكل خطرا في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بتقليص مجالات استعمال اللغة العربية، بل قد تسهم في تحجيم قدرتها المستقبلية على استيعاب المفاهيم السياسية والدبلوماسية والعلمية الحديثة. فاللغة التي لا تُستعمل في إنتاج المعرفة وتداول الأفكار وصياغة القرار، تتراجع مكانتها تدريجيا، مهما احتفظت بحضورها الرسمي والدستوري.
ومن هذه الزاوية، كان يمكن أن يحمل إلقاء الكلمة باللغة العربية، مع توفير الترجمة الفورية إلى الروسية والإنجليزية والفرنسية، رسالة رمزية واضحة: أن المغرب منفتح على العالم، لكنه لا يحتاج إلى التخلي عن لغته ليثبت قدرته على التواصل معه.
وكان يمكن في أضعف الأحوال، أن يكون اختيار الإنجليزية تعبيرا عن تنويع المجال اللغوي والدبلوماسي، وإن كان ذلك لا يعالج المسألة من جذورها.
إن السيادة اللغوية لا تعني الانغلاق أو رفض اللغات الأجنبية، كما لا تعني فرض لغة على الآخرين، وإنما تعني امتلاك القدرة على تمثيل الذات وإنتاج المعرفة والتعبير عن المصالح الوطنية باللغة التي تشكل جزءا من هويتها الدستورية والحضارية.
وليس من المعقول أن نطالب باستقلال القرار السياسي والاقتصادي، ثم نتعامل مع الاستقلال اللغوي والثقافي باعتباره مسألة ثانوية أو مجرد ترف هوياتي.
لقد تجاوز النقاش في العالم اليوم مسألة عدد المتحدثين بلغة معينة إلى مسألة القوة التي تنتجها هذه اللغة: من يفكر بها؟ من ينتج بها المعرفة؟ من يصوغ بها المفاهيم؟ ومن يستطيع أن يجعلها حاضرة في المؤسسات الدولية؟
لذلك، لا أرى أن السؤال الحقيقي هو لماذا يتحدث مسؤول في منصب رفيع بالفرنسية، وإنما لماذا ما زالت قطاعات من النخب العربية تتعامل مع العربية باعتبارها لغة الهوية والانتماء، ومع اللغات الأجنبية باعتبارها لغات المعرفة والجدية والتمثيل الدولي؟
إنها مشكلة تتعلق أساسا بتكوين النخب، وسياسات التعليم، وإنتاج المعرفة، قبل أن تكون مشكلة اختيار لغوي في مناسبة عابرة.
فالسيادة اللغوية ليست مجرد اعتراف دستوري بلغة ما، وإنما تتجلى في قدرتها على الحضور الفعلي في إنتاج الفكر وصناعة القرار وتمثيل الذات والتعبير عن المصالح؛ إذ لا يمكن الحديث عن سيادة مكتملة ما دامت اللغة الوطنية غائبة عن المجالات التي يُنتج فيها المعنى وتُصاغ فيها القرارات المصيرية وتُحدد بها ملامح الحضور في العالم.



#عزالدين_جباري (هاشتاغ)       Azeddine_Jabbary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القول الفلسفي قولٌ في البدايات
- تحديث التكنولوجيا أم تحديث العقل؟ في تغيّر الأدوات وعلاقتنا ...
- من يضع قواعد اللعبة؟ الفلسفة والعلم وسؤال شروط الإمكان
- الكوجيتو بين القياس والتأسيس
- حين ماتت النقيضة: الغزالي وابن رشد ومسارٌ لم يكتمل
- هايدغر واستراتيجيات الالتفاف حول التعيين: من تقويض الميتافيز ...
- ما الذي نحمّله حين نحمّل العقل؟ من الفاهمة إلى الوعي والهوية ...
- هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟
- الصراع العالمي المعاصر بين اقتصاد الذاكرة وبنية المسافة: قرا ...
- في الصيرورة الأصيلة
- ما الذي يجعل الشيء مفهوما؟
- بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري
- من فقه النكاح إلى فلسفة الزواح: دفاع تأويلي عن اجتهادات الحا ...
- من الاستئلاف إلى الرباط مراجعة تأويلية لكتاب -كيف تنقلب سبع ...
- ليس كرهًا للعلم، بل خنقًا لمجراه: مناقشة في تأويل ثقافوي لحك ...
- عتاب إلى خصيم المسيح: من قلب النبض إلى صدى العدم
- ابن تيمية ونقد الكيانات المجردة: من الاسمية التوصيفية إلى ال ...
- من هيوم إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة: في نقد الاستقراء وبناء ا ...
- حين يغيب الرباط: سقوط المعنى في أثينا وروما
- في فضاء الغيبة المصنوعة: نقد لمقال مشير باسيل عون عن -الغيبة ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-استيلاء الحوثيين على مدرعات للقوات الحكومية ...
- -ضرب من الجنون-.. البرادعي يحذّر من أي هجوم أمريكي جديد ضد إ ...
- أنور قرقاش يتحدث عن العلاقة بين الإمارات والسعودية ويحذر من ...
- -فزاعة الاتحاد الأوروبي-.. زاخاروفا تسخر من اعتراض كالاس على ...
- موسكو تدعو إلى توافق ليبي
- على امتداد 1600 كيلومتر.. كيف تحولت الحدود المغربية الجزائري ...
- الجيش الإيراني: لو بدأ ترامب حربا جديدة ضد إيران لن تتحكم ال ...
- الاستخبارات السورية تحبط مخططا إرهابيا لاستهداف مصفاة بانياس ...
- نجيب ساويرس يمازح باحثا إماراتيا حول طبق الفول المصري ويثير ...
- فرنسا.. استئناف إغلاق المدارس الثانوية اعتبارا من الاثنين


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عزالدين جباري - اللغة أيضاً سيادة