أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - هايدغر واستراتيجيات الالتفاف حول التعيين: من تقويض الميتافيزيقا إلى صلابة الامتناع















المزيد.....

هايدغر واستراتيجيات الالتفاف حول التعيين: من تقويض الميتافيزيقا إلى صلابة الامتناع


عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 20:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا أقرأ هايدغر لكي أتبعه، كما لا أقرأ هيغل أو غيره من كبار الفلاسفة لكي أستبدل صوتي بصوتهم. قد يقترب فيلسوف من أفق تفكيري حتى أكاد أراه يتحرك في الفضاء نفسه الذي أتحرك فيه، لكن هذا القرب لا يعفيني من مساءلته، بل ربما جعله أولى بالمساءلة. وما أزال، من جهتي، أخوض تجربة اكتمال صوتي الفلسفي، وأقبل الخطأ في العبارة وفي طرائق النظر والتفكير، لكنني أصدق اختلاجي وأتبع ما أراه صادقا إلى منتهاه.

تثير في نفسي كتابات هايدغر، وخصوصا نصا يفترض فيه أن يكون جوابا عن أسئلة محددة مثل «رسالة في النزعة الإنسانية»، شعورا مزدوجا: إعجابا بقوة التقويض وإعادة فتح السؤال، وتحفظا متزايدا تجاه الكيفية التي يلتف بها حول التعيين كلما أوشك السؤال أن يطالبه بتحديد مفهومي أكثر صراحة.

ولا أدعي هنا تقديم قراءة شاملة لفلسفة هايدغر، ولا اختزال تحولاتها في نص واحد أو مفهوم واحد. موضوعي أضيق من ذلك: اختبار الطريقة التي يعمل بها خطاب الوجود في «رسالة في النزعة الإنسانية»، والسؤال عما إذا كان الاحتراز من التعيين الميتافيزيقي قد تحول بدوره إلى موقف صلب يمنع الفكر من إحكام ما يقوله.

هذه إذن مقالة ذات بؤرة محددة، لا شرح لمذهب هايدغر كله. وسأستدعي بعض المفاهيم اللاحقة فقط بقدر ما توضح امتداد المشكلة، لا لكي أجعلها مفاتيح قسرية لنصوص لم تكن هي مركزها الاصطلاحي.

من نهج البحث إلى استراتيجيات الالتفاف حول التعيين

لا تختزل المشكلة عندي في غموض أسلوب هايدغر، فالغموض قد يكون نتيجة طبيعية لصعوبة الموضوع. ما يهمني أكثر هو انتقاله المتكرر من نهج البحث إلى استراتيجيات الالتفاف حول التعيين، خشية أن يقع الوجود في قبضة المفهوم، ومن ثم في قبضة الإحاطة الميتافيزيقية.

كلما اقترب السؤال من مطالبة الوجود بحد، أو مبدأ، أو رابط مفهومي صريح، انتقل الخطاب إلى الفسحة Lichtung، والتكشف الذي يعبر عنه الفعل sich lichten، والإرسال Schickung، والقدر أو المصير Geschick، والانتماء Zugehörigkeit، والحدوث الذي سيجد لاحقا إحدى صوره الأكثر كثافة في Ereignis.

هذه الحركة تحفظ السؤال مفتوحا، ولا شك في أن لها مبررا فلسفيا: هايدغر يريد ألا يتحول الوجود إلى موجود أعلى أو شيء حاضر أمام الفكر. لكن السؤال المضاد يبقى قائما:

هل نحن نمنع الميتافيزيقا من إغلاق الوجود داخل مفهوم، أم نمنع الفكر نفسه من أن يطالب بتعيين ما يفكر فيه؟

الوجود الذي يقاوم أن يصير مفهوما

في «رسالة في النزعة الإنسانية» يحاول هايدغر إخراج الإنسان من المركز الذي وضعته فيه النزعات الإنسانية المختلفة. ليست ماهية الإنسان، عنده، كونه «حيوانا عاقلا»، وليست اللغة مجرد أداة يستخدمها هذا الحيوان، بل الإنسان هو ذلك الموجود الذي يقوم في انفتاح حقيقة الوجود، واللغة هي «مسكن الوجود».

لكن ماذا يحدث حين نجمع بعض التعيينات التي يسوقها للوجود في الرسالة نفسها؟

ماهية الدازاين تقوم في وجوده، والإنسان يكون في ماهيته على نحو يكون معه هو الـDa، أي فسحة الوجود. والكيفية التي يكون بها الإنسان حاضرا لدى الوجود هي قيامه الانخطافي داخل حقيقة الوجود. والإنسان «ملقى من الوجود نفسه في حقيقة الوجود» لكي يصون هذه الحقيقة، فيظهر الموجود في نور الوجود بما هو الموجود الذي هو.

والوجود هو الأقرب إلى الإنسان، ومع ذلك يظل هذا القرب أبعد ما يكون عنه، لأن الإنسان يتعلق بدءا ودائما بالموجود. ويقيد هايدغر ذلك صراحة بقوله إن الوجود «ليس الله وليس أساس العالم».

ثم يجعل انعطاء الوجود في المنفتح ومع المنفتح نفسه هو الوجود ذاته. وهذه الـ«مع» مهمة، لأن الأصل الألماني لا يجعل المنفتح مجرد أداة يتوسط بها الوجود، وإنما يقرب العلاقة من بنية تلازم.

ويقول إن الوجود لا يسلم نفسه إلى الإنسان إلا ما دامت فسحة الوجود تحدث. ثم تظهر الصيغة Schickung des Seins، أي «إرسال الوجود»، بجوار حقل Geschick، أي القدر أو المصير. وليس اللفظان مترادفين: الأول يحتفظ بصلة الاشتقاق بالفعل schicken، أي يرسل، بينما الثاني يدل على القدر أو المصير الذي يتحدد تاريخيا.

ويستعيد هايدغر كذلك عبارته المعروفة:

Sein ist das transcendens schlechthin

أي:

«الوجود هو المتعالي على الإطلاق».

و«على الإطلاق» هنا أدق من ترجمة قد توحي بأن الوجود «خالص وبسيط»، إذ لا تحمل schlechthin معنى «البساطة» الميتافيزيقي.

هذه التحديدات لا تثير اعتراضا لأنها صعبة، بل لأنها تضع أمامنا سؤالا عن الوضع المفهومي للفظ «الوجود» وهو ينتقل بينها.

فالوجود يبدو تارة شرطا لتكشف الموجود، وتارة ما يتكشف، وتارة ما يمنح الفسحة، وتارة ما يلقي الإنسان في حقيقة الوجود، وتارة ما يرسل، وتارة يرد في حقل القدر التاريخي، وتارة يكون الفسحة نفسها.

إذا كانت هذه كلها تعيينات لمعنى واحد، وجب بيان الرابط بينها. وإذا كانت مستويات مختلفة من القول، وجب تمييزها حتى لا ينتقل الفكر من وظيفة إلى أخرى مستفيدا من وحدة اللفظ.

صلابة الامتناع

يريد هايدغر أن يمنع الوجود من أن يتحول إلى موجود أعلى، أو علة أولى، أو موضوع أمام ذات، أو ماهية مكتملة يمكن للمفهوم أن يحيط بها. وهذا الاحتراز مفهوم، بل كان ضروريا داخل مشروعه النقدي.

لكن الاحتراز ينتج بالتدريج مجموعة من المحظورات:

لا تجعل الوجود موجودا.

لا تختزل الحقيقة في المطابقة.

لا تجعل الإنسان مركزا.

لا تجعل المفهوم إحاطة.

لا تبحث عن علة عليا أو أساس نهائي.

لا تحول التكشف إلى شيء يمكن امتلاكه.

كل واحدة من هذه التحذيرات قابلة للدفاع عنها. لكن اجتماعها يحول الامتناع عن التأسيس نفسه إلى موقف تأسيسي سلبي.

فهايدغر لا يصرح بمبدأ إيجابي للوجود، لكنه يرسم بصرامة شديدة ما لا يجوز أن يكونه الوجود، وما لا يجوز للفكر أن يفعله به.

هنا تقع المفارقة: الموقف الذي يقدم نفسه مناهضا لتصلب الميتافيزيقا يمكن أن يبلغ هو نفسه درجة عالية من التصلب، لا بإيجاب أصل نهائي، بل بتحريم كل أصل قابل للتعين المفهومي.

إنها، إذا صح التعبير، صلابة الامتناع.

ولا يعني ذلك أن الفيلسوف مطالب بإغلاق السؤال أو تقديم جواب نهائي. يمكن للفكر أن يعلن صراحة أنه لم يحسم المسألة. لكن هناك فرقا بين سؤال نعرف أننا لم نحسمه، وبين مفهوم نستعمله لإنتاج أحكام كثيرة، ثم نمتنع عن ضبط دلالته وبيان الروابط التي تبرر الانتقال بين استعمالاته المختلفة.

وهنا تصبح حماية السؤال من الإغلاق قابلة لأن تنقلب إلى حماية القول نفسه من الإلزام.

Ereignis: أفق لاحق لا مفتاح قسري

يظهر لاحقا أن المشكلة التي نرصدها في الرسالة لم تكن عارضة. وسيحاول هايدغر أن يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والوجود خارج منطق التأسيس الأحادي، ويصبح Ereignis واحدا من أهم الأسماء التي يستخدمها لذلك.

لكن لا أريد أن أجعل Ereignis مفتاحا يختزل الرسالة، ولا أن أسقط المصطلح الناضج على كل المراحل السابقة من تفكير هايدغر. يكفيني هنا أن أشير إلى الاتجاه الذي تسلكه المسألة.

فإذا كان الوجود هو الذي يمنح الإنسان فسحة الانفتاح، بدا الوجود أصلا والإنسان تابعا. وإذا كان الوجود لا يتكشف إلا في فسحة الإنسان، بدا الإنسان شرطا لظهوره، فعدنا من طريق آخر إلى الذاتية التي يريد هايدغر مغادرتها.

يحاول التفكير في Ereignis تفكيك صورة الطرفين السابقين على علاقتهما: لا الوجود يؤسس الإنسان من طرف واحد، ولا الإنسان يؤسس الوجود، بل ينتمي كل منهما إلى بنية تخصيص وانتماء لا يكون فيها أحدهما علة للآخر.

وتزداد المسألة تعقيدا حين يظهر إلى جانب Ereignis لفظ Enteignis، الذي يمكن تقريب دلالته بـ«نزع التخصيص» أو «انسحاب التخصيص». فالتخصيص عند هايدغر لا يستقر في تملك مكتمل؛ بل يحمل في داخله حركة انسحاب تحفظه من أن يصير أساسا ميتافيزيقيا جديدا.

لكن هذا الحل يعيد إلينا السؤال نفسه في صورة أشد دقة:

إذا كان الحضور يحمل انسحابه، والتخصيص يحمل نزع تخصيصه، والانكشاف لا ينفصل عن الاحتجاب، فإلى أي حد يمكن للفكر أن يطالب هذه البنية بالتعيين من غير أن يقال له إن المطالبة نفسها عودة إلى الميتافيزيقا؟

لا أحتاج هنا إلى حسم قضية Ereignis كلها. يكفيني أن ألاحظ أن التوتر الذي ظهر في الرسالة يستمر: كلما اقترب التعيين من الاستقرار، أدخل هايدغر في بنيته عنصرا يمنع اكتماله.

وهذا ما يجعل السؤال عن صلابة الامتناع مشروعا.

هيغل: السلب الذي يبني

هنا يعود هيغل، في تقديري، إلى المشهد.

عرف هيغل السلب معرفة عميقة، بل جعله محرك الحركة، لكنه رفض التوقف عند السلب المجرد. السلب عنده سلب معين: ينتج تعينا جديدا، ثم يدخل هذا التعين نفسه في الحركة.

ولهذا استطاع هيغل أن يبني.

يمكن الاعتراض على تمامية هذا البناء، وعلى إمكان أن يرفع المفهوم في النهاية تناقضاته داخل مصالحة شاملة. ويمكن أيضا الاعتراض على أن صيرورة المفهوم عند هيغل توشك في النهاية أن تستوعب الفارق داخل وحدة أعلى.

لكن هيغل واجه سؤالا لا يزول بمجرد تقويض الميتافيزيقا:

ماذا يفعل العقل بعد أن يهدم صوره السابقة؟

أرى أن هايدغر بلغ قوة استثنائية في زعزعة الميتافيزيقا وإعادة فتح سؤال الوجود، لكنه لم يقدم بديلا يؤدي الوظيفة التي يؤديها المفهوم عند هيغل.

كيف ننتقل من التكشف إلى المعرفة؟

ومن الفرق إلى الحكم؟

ومن الفسحة إلى معنى يمكن التفكير فيه ومناقشته ونقده؟

ومن حدث الوجود إلى بناء عقل يستطيع أن يراجع نفسه؟

بلغ هايدغر قوة السلب، لكنه لم يحولها إلى صرح للعقل. وليس المقصود أن فكره خلا من الإيجاب أو أنه وقف عند مجرد النفي، بل أن الإيجاب عنده ظل حذرا من أن ينتظم في بناء مفهومي يؤدي وظيفة التأسيس من غير أن يدعي التمام.

وهنا أفترق عنه.

اللغة: من دحم المعنى إلى نسيج التعقل

يقول هايدغر إن «اللغة مسكن الوجود». ولا أريد أن أعارض هذه العبارة بإعادة اللغة إلى مجرد أداة يمتلكها عقل مكتمل قبلها. فتجربة التفكير نفسها تكشف أن العلاقة بين المعنى واللغة أشد تعقيدا من أن تختزل في معنى يتكون أولا، ثم يبحث بعد اكتماله عن ألفاظ تنقله إلى الخارج.

قد يدحم المتواجد معنى لا يجد له العبارة الكافية. يشعر أن شيئا قد عن له، وأن الألفاظ المتاحة لا تصيبه، فيجرب كلمة ثم يستبعدها، ويقرب بين ألفاظ، ويعود إلى استعمالات سابقة، وربما يقرأ طويلا حتى يعثر على لفظ يلابس ما وقع له.

وحين يجد الكلمة المناسبة لا يشعر فقط بأنه عثر على وسيلة أفضل للتعبير عما كان يعرفه، بل كثيرا ما يكتشف أنه صار يعرف، بفضلها، على نحو أدق ما الذي كان يدحمه منذ البداية.

وهذا يقتضي التمييز بين سبق المعنى على العبارة وبين استقلال المعنى عن اللغة.

قد يسبق الدحم القول، لكن ما يسبق القول ليس بالضرورة مفهوما مكتملا ينتظر اسمه. إنه ضغط دلالي، أو فرق انكشف ولم يتعين بعد، أو معنى لا يزال في طور التشكل. لذلك لا تأتي اللغة في النهاية لتكسوه، وإنما تدخل في صيرورته إلى معنى محدد.

المعنى بلا لغة أعجم.

ليس معدوما، لكنه لم يبلغ بعد مرتبة الإفصاح التي يمكن عندها التمييز بين ما أصبناه وما أخطأناه، وبين ما أردنا قوله وما قلناه بالفعل.

والكلمة المناسبة ليست لباسا يضاف إلى المعنى بعد اكتماله؛ فالمعنى لا يرتدي اللغة، بل يتجسد فيها.

ومن هنا لا يمكن، في تقديري، أن يكون هناك إنصات فلسفي بلا لغة. يمكن أن يسبق القول وقع، أو دحم، أو انفعال، لكن الإنصات لا يصير فكرا إلا حين يدخل ما وقع لنا في بنية الفرق والنفي والنسبة والعلاقة.

فحتى الفرق الأنطولوجي، الذي يميز به هايدغر بين الوجود والموجود، لا يحضر إلى التفكير بمجرد التكشف؛ إنما يصير فرقا مفكرا فيه حين نستطيع أن نقول:

الوجود ليس الموجود.

وفي هذه الجملة القصيرة نكون قد دخلنا بالفعل في عمل اللوغوس.

لذلك لا أقول إن اللغة، قبل أن تكون مسكن الوجود، هي مسكن عقل قائم مستقل عنها. الأدق عندي أن اللغة، إن كانت مسكنا للوجود، فهي أيضا نسيج التعقل الذي يتعين فيه ما يدحم المتواجد إلى معنى.

فالعقل لا يقف خارج اللغة ليملي عليها معانيه، كما أن اللغة لا تنصت إلى الوجود من غير عمل التمييز والتحديد. التعقل يحدث في قلب حركة واحدة: دحم يتلمس القول، ومحاولة في التعيين، ومقاومة للألفاظ غير الملائمة، واستجلاء متجدد للمعنى.

ولأن هايدغر يرى في التعيين المفهومي خطر تحويل الوجود إلى موضوع قابل للإحاطة، فإنه يشدد على الإنصات والفسحة والترك. لكن التعيين لا يلزم أن يكون استنفادا، كما أن المفهوم لا يلزم أن يكون سجنا.

ربما يكون المطلوب ألا نضع التكشف في جهة والمفهوم في جهة أخرى، بل أن نفكر في المفهوم بوصفه إحدى لحظات استجلاء ما انكشف: يعينه من غير أن يستنفده، ويمنحه جسدا لغويا من غير أن يدعي أن ذلك الجسد هو تمام حقيقته.

بعد وهم تجاوز الميتافيزيقا

إذا أمكن للمفهوم أن يعين من غير أن يستنفد، فقد سقط أحد أهم الأسباب التي تجعل البناء نفسه موضع ريبة.

لماذا يلزم من التحديد الإغلاق؟

ولماذا يكون كل تأسيس ادعاء بالإحاطة؟

يمكن للنظرية أن تبني وهي تعرف أن بناءها قابل للمراجعة. ويمكن للفكر أن يضع مبادئ من غير أن يزعم أن الوجود قد انطوى بكامله داخلها.

إذا صح ذلك، فقد لا يكون المطلوب تجاوز الميتافيزيقا، بل ربما كان علينا تجاوز فكرة تجاوز الميتافيزيقا نفسها.

فكل فلسفة تتحدث عن الوجود، والحقيقة، والفرق، والتكشف، واللغة، والحدث، تكون قد بدأت في رسم هندسة أنطولوجية ما. ورفض تسمية هذه الهندسة «ميتافيزيقا» لا يلغي وظيفتها.

حتى هايدغر أقام شبكة كثيفة من التعيينات: الوجود والموجود، والتكشف والاحتجاب، والفسحة، واللغة، والإرسال، والقدر، والانتماء، ثم لاحقا Ereignis وما يتصل بها.

لم يخرج الفكر من البناء؛ وإنما غير شروط البناء ولغته.

لذلك لا أرى المشكلة في الميتافيزيقا من حيث هي محاولة للبناء، وإنما تبرز المشكلة حين تنسى المسافة بين بنائها والوجود، فتتوهم أن ما شيدته قد استنفد ما حاولت التفكير فيه.

ليس المطلوب إذن العودة إلى ميتافيزيقا ما قبل النقد، ولا بناء أصل نهائي يبتلع الفروق. وإنما المطلوب استعادة حق العقل في البناء مع الاحتفاظ داخل البناء نفسه بشرط عدم التمام.

يمكن أن نحتفظ من هيغل بحق المفهوم في التعيين والبناء، ومن هايدغر باليقظة تجاه وهم الاستنفاد، من غير أن نقبل النهاية القصوى عند أي منهما.

لا تمامية تطوي الفارق في مصالحة نهائية.

ولا امتناع يجعل كل تعيين موضع اتهام.

بل عقل يبني ولا يغلق.

ومفهوم يعين ولا يستنفد.

وبناء يحتفظ في صميمه بإمكان مراجعته وتجاوزه.

ربما كانت عظمة هايدغر أنه أعاد إلينا سؤال الوجود بعد أن كادت الميتافيزيقا تنسى غرابته.

لكن إعادة السؤال ليست نهاية الفلسفة.

بعد أن زعزع هايدغر صرح الميتافيزيقا، يبقى علينا أن نسأل: بأي عقل سنفكر في الأنقاض؟

وأي بناء يمكن، أو يجب، أن نقيمه؟

وكيف نقيم بناء لا يتحول هو نفسه إلى سجن جديد؟

المراجع النصية المعتمدة

الأصل الألماني

Martin Heidegger, Über den Humanismus, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.

ويراجع النص أيضا ضمن:

Martin Heidegger, Wegmarken, Gesamtausgabe, Band 9, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.

الترجمة الفرنسية

Martin Heidegger, Lettre sur l humanisme, traduit et présenté par Roger Munier, Paris: Aubier-Montaigne.

الترجمة الإنجليزية

Martin Heidegger, “Letter on Humanism,” trans. Frank A. Capuzzi, in Pathmarks, ed. William McNeill, Cambridge: Cambridge University Press.

ملاحظة منهجية: اعتمدت في العبارات الهايدغرية الحاسمة مقابلة الترجمة العربية بالأصل الألماني، مع الاستئناس بالترجمتين الفرنسية والإنجليزية عند مواضع الاحتمال الدلالي. لذلك ميزت بين Schickung، أي الإرسال، وGeschick، أي القدر أو المصير، وبين Lichtung وsich lichten، واستعملت «المتعالي على الإطلاق» في مقابل transcendens schlechthin، وتجنبت تحميل النص تعيينات لا يسندها الأصل الألماني.



#عزالدين_جباري (هاشتاغ)       Azeddine_Jabbary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما الذي نحمّله حين نحمّل العقل؟ من الفاهمة إلى الوعي والهوية ...
- هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟
- الصراع العالمي المعاصر بين اقتصاد الذاكرة وبنية المسافة: قرا ...
- في الصيرورة الأصيلة
- ما الذي يجعل الشيء مفهوما؟
- بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري
- من فقه النكاح إلى فلسفة الزواح: دفاع تأويلي عن اجتهادات الحا ...
- من الاستئلاف إلى الرباط مراجعة تأويلية لكتاب -كيف تنقلب سبع ...
- ليس كرهًا للعلم، بل خنقًا لمجراه: مناقشة في تأويل ثقافوي لحك ...
- عتاب إلى خصيم المسيح: من قلب النبض إلى صدى العدم
- ابن تيمية ونقد الكيانات المجردة: من الاسمية التوصيفية إلى ال ...
- من هيوم إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة: في نقد الاستقراء وبناء ا ...
- حين يغيب الرباط: سقوط المعنى في أثينا وروما
- في فضاء الغيبة المصنوعة: نقد لمقال مشير باسيل عون عن -الغيبة ...
- من مأزق التسلسل إلى إمكان التعيّن: في تأويل الخلق وفق فلسفة ...
- المتواجِد والدازاين: تأصيلٌ دلاليّ لفارق أنطولوجي بين فلسفة ...
- الإمكان الترددي وشبكة النبض: نحو تجاوز المفهوم الماهوي
- ما بعد القطيعة: نحو صيرورة أصيلة في العلاقات الجزائرية الفرن ...
- ما بعد القطيعة
- فَرْقُ ما بين الأخلاق والأخلاقيات


المزيد.....




- ترامب مهاجمًا إيران: قادة الحرس الثوري يهربون ونسيطر على مضي ...
- الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي لا يملك صلاحية تفتيش سفن ...
- جهاز إليزاروف بأيدي الجراحين الجزائريين
- -سفن شبحية- ـ ناقلات نفط سعودية تلجأ للتخفي لتجنب هجوم حوثي ...
- -الفخ التركي-.. -صفقة- ترامب السرية مع أردوغان ضد إسرائيل وا ...
- ليتوانيا تنوي حفر خنادق بعرض 150 مترا بقيمة 50 مليون يورو عل ...
- 18 جثمانا.. النيابة المصرية تكشف سبب فاجعة الإسماعيلية
- الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي يستغل عملية -إيريني- البح ...
- موجة حر شديدة قد تكلف فرنسا 15 مليار يورو
- ترامب: نسيطر بشكل كامل على مضيق هرمز وإيران لم تعد -المتنمر- ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - هايدغر واستراتيجيات الالتفاف حول التعيين: من تقويض الميتافيزيقا إلى صلابة الامتناع