أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري














المزيد.....

بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري


عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)


الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 03:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هل يمكن للوحدة أن تكون نتيجة لا أصلًا؟ وهل تُحرِّر الصيرورة الوجود أم تتركه بلا تأسيس؟ قراءة في جملة وايتهيد الأكثر كثافة.
يَرِد مبدأ “The many become one, and are increased by one” في كتاب Process and Reality، وهو الصيغة الأكثر تكثيفًا لمشروع Alfred North Whitehead الأنطولوجي. ليست الجملة وصفًا جزئيا للصيرورة، بل مفتاحا بنيويا لفهم الوجود بوصفه حدثا لا جوهرا، وتكوّنا لا اكتمالا.
حين يقول وايتهيد “The many become one” فهو لا يتحدث عن كثرة عددية محايدة، بل عن معطيات العالم السابق كلّها: الأحداث المنقضية، والعلائق الفعلية، وما يرثه الحدث الجديد من تاريخ كوني قبله. الكثرة هنا لا تُلغى ولا تُصهَر في وحدة عليا، بل تُستدخل في بنية الحدث نفسه. فالوحدة ليست معطى سابقا، بل إنجاز صيروري، وكل كيان فعلي لا يكون واحدا إلا بقدر ما ينجح في استيعاب كثرة سابقة داخله. بهذا المعنى، الوحدة نتيجة لا أصل، وتحصيل لا مبدأ.
لكن الجملة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ يضيف وايتهيد: “and are increased by one” . وهنا يظهر الثقل الأنطولوجي الحقيقي للصيغة. فالحدث الجديد لا يُغلق الدائرة، ولا يُنهي السلسلة، ولا يحقّق نوعا من التمامية، بل يضيف نفسه إلى العالم بوصفه واقعة جديدة. العالم بعد الحدث ليس هو نفسه قبله، ليس لأنه بلغ كمالا أعلى، بل لأنه أصبح أكثر ثراء بواقعة إضافية. بهذا المعنى، لا تتحرك الصيرورة نحو غاية نهائية محددة، ولا تهدف إلى اكتمال، بل تقوم على الزيادة الدائمة.
ويمكن تلخيص هذا المنطق في معادلة أنطولوجية بسيطة: تعدّد موروث يتحقّق في وحدة، ثم ينفتح من جديد على تعدّد موسَّع.
ليس هناك وحدة أصلية تسبق الحركة، ولا كثرة خام بلا تشكّل، بل توتّر دائم بين الاثنين. ولهذا السبب ينسف هذا الشاهد الميتافيزيقا الجوهرية التي تجعل الوحدة أصلا ثابتا، كما ينسف الميتافيزيقا الغائية التي تفترض اكتمالا نهائيا. فالوجود لا يُفهم هنا بوصفه ما هو ( what it is)، بل بوصفه ما يُضاف باستمرار إلى العالم. فهي ليست مجرد تعاقب زمني، بل بنية حدثية تكوينية.
غير أنّ قوة هذه الصيغة تكشف، في الوقت نفسه، حدّها الداخلي. فإذا كانت الزيادة دائمة، فمن أين يأتي الضبط؟ وكيف لا تنقلب الصيرورة إلى فوضى مطلقة؟ وهو السؤال الذي سيدفع وايتهيد إلى استدعاء مفهوم الإمكانات الأبدية (Eternal Objects)، ثم إدخال مبدأ إلهي لضبط التعيّن. وعند هذا المفصل بالضبط تظهر حدود النسق، حيث يتحوّل الانفتاح الصيروري إلى محاولة تأمين بنيوي.
والأهم من ذلك أن هذه الصيغة، على كثافتها، تفترض منذ البداية وجود many . فهي لا تسأل من أين جاءت الكثرة، ولا ما إذا كان هناك واحد سابق عليها. وبعبارة صريحة: يبدأ وايتهيد من الكثرة ولكنه لا يؤسّسها أنطولوجيا. وهذا ليس سهوا، بل هو خيارٌ منهجي واع. إذ بالنسبة إليه، فإن سؤال «ما قبل الكثرة» يعيد إدخال الجوهر الأول، أو الواحد السابق، أو المبدأ التأسيسي المتعالي، وكلها مفاهيم تعيد الميتافيزيقا إلى السكون والأسبقية والاكتمال. ولذلك يختار تعليق السؤال بدل حله.
بهذا المعنى، تقول الصيغة في عمقها: "الوجود ليس ما هو، بل ما يصير واحدا من كثرة، ثم يضيف نفسه إلى العالم". ولهذا استُخدمت بحق بوصفها الجملة التي تختزل كوسمولوجيا وايتهيد.
وإذا انتقلنا إلى الفلسفة الإسلامية فإننا نلفي أن هذا الخيار المنهجي سوف يضعنا مباشرة أمام مقارنة حاسمة مع النسق الفارابي. ففي كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة يؤسِّس أبو نصر الفارابي التعدّد انطلاقا من الواحد السابق والمكتفي بذاته حين يقول: «الأول هو الذي عنه وُجِد».
في هذا الأفق، تكون الكثرة مشتقة سببيا، والوحدة أصلا سابقا، والمعنى مضمونا سلفا بحكم الانتساب إلى الواحد الأول.
أمّا وايتهيد، فيقلب المعادلة رأسا على عقب: يرفض الواحد السابق، ويجعل الوحدة حدثا متأخرا، لكنه يفعل ذلك بثمن واضح، هو ترك الكثرة غير مُؤسَّسة أنطولوجيا.
وهكذا نجد أنفسنا بين نموذجين متقابلين: الفيض الواحدي عند الفارابي الذي يفسّر التعدّد بثمن الغلق الميتافيزيقي، والصيرورة الوايتهيدية التي تحرّر الوحدة بثمن تعليق سؤال الأصل.
مثل هذا التوتر ليس عرضيا، بل كاشفٌ. وهو ما يفتح أفقا ثالثا سنُفصح عنه لاحقا، في منشور قادم، نقترح فيه تجاوز المنطق الجبري للواحد السابق دون السقوط في تعدّد بلا شرط، والحفاظ على الصيرورة دون تحويلها إلى خضوع بلا معنى متعال أو كرامة



#عزالدين_جباري (هاشتاغ)       Azeddine_Jabbary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من فقه النكاح إلى فلسفة الزواح: دفاع تأويلي عن اجتهادات الحا ...
- من الاستئلاف إلى الرباط مراجعة تأويلية لكتاب -كيف تنقلب سبع ...
- ليس كرهًا للعلم، بل خنقًا لمجراه: مناقشة في تأويل ثقافوي لحك ...
- عتاب إلى خصيم المسيح: من قلب النبض إلى صدى العدم
- ابن تيمية ونقد الكيانات المجردة: من الاسمية التوصيفية إلى ال ...
- من هيوم إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة: في نقد الاستقراء وبناء ا ...
- حين يغيب الرباط: سقوط المعنى في أثينا وروما
- في فضاء الغيبة المصنوعة: نقد لمقال مشير باسيل عون عن -الغيبة ...
- من مأزق التسلسل إلى إمكان التعيّن: في تأويل الخلق وفق فلسفة ...
- المتواجِد والدازاين: تأصيلٌ دلاليّ لفارق أنطولوجي بين فلسفة ...
- الإمكان الترددي وشبكة النبض: نحو تجاوز المفهوم الماهوي
- ما بعد القطيعة: نحو صيرورة أصيلة في العلاقات الجزائرية الفرن ...
- ما بعد القطيعة
- فَرْقُ ما بين الأخلاق والأخلاقيات
- لغم الوجود
- منطق الفقهاء
- الحداثة وفراغ الوجود .
- الظاهر والباطن، أو محنة الوجود.
- الحرية نداء الوجود
- مساواة أم تماثل ؟ بحث في الرؤيا الكونية.


المزيد.....




- العليمي يطلب من السعودية استضافة مؤتمر بشأن -القضية الجنوبية ...
- كمبوديا تتهم تايلند بـ-ضم- قرية حدودية
- إعلام إسرائيلي: تل أبيب تعتزم تحديد مهلة لنزع سلاح حماس
- أزمة اليمن تتصاعد: غارات وتحركات ميدانية وإعلان مرحلة انتقال ...
- بعد أسبوع من وقف القتال.. كمبوديا تتهم تايلاند بفرض السيطرة ...
- -اليونيفيل- تطالب إسرائيل بوقف -السلوك العدواني- عقب إطلاق ن ...
- أنجلينا جولي تزور رفح لمتابعة أوضاع الجرحى والمساعدات لغزة
- وزارة الدفاع الإماراتية تعلن عودة جميع قواتها من اليمن
- نائب وزير خارجية اليمن: نستغرب حديث الزبيدي عن الحوار بعد ال ...
- في أول يوم له كعمدة.. ممداني يلغي أوامر -داعمة لإسرائيل-


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري