أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - القول الفلسفي قولٌ في البدايات














المزيد.....

القول الفلسفي قولٌ في البدايات


عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 22:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تعددت المداخل إلى تكوين الفكرة الفلسفية. فهناك المدخل التاريخي، يستعرض فيه الفيلسوف رؤى سابقة، فيصنفها أو يبرز أوجه الاختلاف بينها، أو يبين الفرق بين القول الفلسفي والأقوال التي تضاهيه أو تقاربه. لكن ثمة أمراً لا بد من الحسم فيه مبكراً: ما طبيعة القول الفلسفي؟
القول الفلسفي كلام لغوي بالأساس، يستند في تأليفه إلى الألفاظ والجمل. وهو من الناحية الدلالية قول ينعجن بالمعجم، وبقدرة اللغة على الاشتقاق، وبمرونتها التحليلية والتداولية والتأويلية. ويبقى الجزء الثاني من التعريف، أعني الوصف، هو العنصر الجوهري في التركيب الوصفي: فماذا نريد حين نصف قولاً ما بأنه فلسفي؟ هنا تختلف العقول، وإن اشتركت في أمر أساسي واحد: القول الفلسفي فعل أول، لا يرتهن في مبدئه لاتباع قول مرصوص. فهو ليس كبقية الأقوال، لا يندرج ضمن قواعد مسبقة شديدة الإحكام، ولا يُبنى بالضرورة على مسلمات ومبرهنات كما يُبنى القول الرياضي. موضوعه النظر في الشيء من حيث مبدؤه، لا من حيث هو نافع وعامل فحسب. إنه يشرع في التحقيق في بنية القول نفسه من حيث هو قول مؤسِّس، ويفكر في التأسيس مع كل بداية. ونحن نعد قولنا هذا قولاً في البدايات.
لكن هل يقدر الفيلسوف على البدء من فراغ قبلي مطلق؟ أم يختار بدايته من نقطة محددة؟ أم إن القول الفلسفي لا يبدأ حقاً إلا بعد أن يستكمل البادئ قولاً ذا بنية مكتملة أو شبه مكتملة؟ في تقديرنا، كلها بدايات ممكنة، وكلها قد توصل إلى حقيقة التفلسف. غير أنها لا تبلغ طبيعتها الفلسفية، ولو بعد اكتمالها، إلا حين تشرع الذات في صوغ الأسئلة المستشكلة، فتدرك فراغاً في النسق ومحدودية في الأجوبة المسطرة. فما يميز البداية الفلسفية ليس موضعها، بل هذا الإدراك. الفيلسوف رجل الأسئلة: يبدأ سائلاً، وينتهي مدركاً حدود كل الأجوبة.
القول الفلسفي إذن ليس قولاً علمياً يصدر عن قاعدة أو يرسخ مسلمة، وليس قولاً دينياً يفرض عقيدة، ولا قولاً شعرياً يخلد تجربة عابرة. إنه قول يروم الإمساك بالخالد في ثوب العرضي البائد.
ولا ينفك فعل التفلسف عن الموقف الفلسفي، وهو موقف يعيشه المتواجد في مرمى الوجود. فما يكاد يستريح إلى أجوبة النشأة حتى تزعجه الدحوم، وتقض مضجع طمأنينته السنن الموروثة، فيحضر لاعج السؤال ويشتد. فإن وجد في نفسه قدرة على مجابهة هذا الضرب من القول، وعلى إعادة النظر في أسسه وعلاقاته ولوازمه وامتداداته، انحاز إلى من يقوي فيه هذه النزعة، حتى يقع على القول الفلسفي، صدفةً أو تعليماً.
ولفهم هذا الموقف لا بد من النظر في الوجود نفسه. فإذا كان الوجود صيرورة لا تتوقف، وكانت الحركة مبدأه ولحمته وسداه، فلا شيء فيه يظل بلا حراك: كل ما فيه يميد عن موضعه ويحيد. وحينئذ لا تصمد حسبة، ولا يبقى قول لا يحتاج إلى إعادة نظر.
والقول في أصل مبدئه استجابة لمطلب يفرضه الواقع. ولما كان الواقع كائناً حياً بحياة الصيرورة، كان على الأقوال أن تستجيب لحركة الوجود هي أيضاً. فإن انفكت الأقوال عن الوقائع واتسعت الفجوة بينهما، انضغط المتواجد من هول الصدمة حين يكتشف أن الواقع قد تغير من حوله، وهو لا يملك مفاتيح فهمه ولا أسباب تغييره لصالحه. والمفاتيح هي المفاهيم، والأسباب هي القوانين التي تسير عليها الطبيعة والمجتمع.
والأقوال الفلسفية من هذه الحيثية مثل الأقوال العلمية، بل الشعرية، مكاشيف للواقع. ولعل أسرعها انكشافاً وحضوراً لدى المتواجد القول الشعري، لأنه يأتي عفو الخاطر، بريئاً براءة الصيرورة الخالصة؛ لكنه إنما يقبض الشرر والتماعة المعنى، وحين يوقف على دركه لا يوجد فيه سوى غلالة من الشعور. فتلزم أقوال بانية تعيد ترتيب المعنى بطرق صناعية، وبها يحدث التراكم الذي يصنع الحضارة.
غير أن الصيرورة لا تجري على المتواجد كما تجري على الجماد، لأن بينه وبين ما يلقاه مسافة. والمسافة ليست فاصلاً بين مكانين، وإنما هي ما يتيح للذات أن تعي الفرق بين ذاتها وبين كل غيرية. ولولاها لكانت الكينونة وحدة مطبقة، لا وعي فيها ولا سؤال. فالمسافة إذن ليست نقصاً يُرثى له، بل هي مكوِّنة للكائن، وبها ينفتح في الكينونة معنى أن يكون المرء كائناً. والمتواجد هو الكائن الإنساني الذي يعي حقيقة موجوديته، ويدرك مسؤوليته عن وجوده. وهذا الوضع هو ما نسميه المرمى، وليس هو مجرد الانقذاف عند هايدغر أو سارتر. فالإنسان لا يُقذف في الوجود بلا وجهة، بل يُرمى نحو مرمى، ويتحمل تبعة رميه، لأن للحقيقة أصلية متعالية لا تنشأ بفعله.
وإذ تجري الصيرورة، تداهم المتواجد ضغوط لا تنقطع، فتختل المسافة بينه وبين ما يجد، اتساعاً أو ضيقاً فوق المحتمل. تلك هي الدحوم. والدحوم جمع الدحم، والدحم الدفع بقوة، وطرد من وضع الدعة نحو الأمام، واقتحام المكره لإزالة ضرر قائم لم يعد قابلاً للاحتمال. وأما الاندحام فهو استجابة المتواجد لهذا الدفع. وهذان الأمران آليتان أصيلتان تعبران عن حقيقة الوجود ضمن صيرورة من الضغوط المداهمة، وعن كيفية الاستجابة لها. والصيرورة نفسها صائرة بلا كلل، لا قصد لها ولا خلل فيها، ولكن الإنسان هو الذي يقع عليه سؤال المعنى، فيئن تحت وطأته.
ونقيض الدحم الدعة، وهي أن تكون المسافة مريحة بين المتواجد ووجوده، فلا يقع عليه ما يكدر طمأنينته وارتياحه. لكنها على جهة التحقيق حالة طارئة غير مستقرة، سرعان ما تنكشف حين يتسع الخرق على الراتق. فالحركة لا تكف سارية في أوصال الوجود، من الكائن إلى الكينونة، وما الكائن إلا الكينونة لولا بينونة المسافة.
وبهذا يتضح معنى الإمساك بالخالد في ثوب العرضي البائد: فالحقيقة أصل متعالٍ، أما أقوالنا عنها فأثواب عرضية متحولة، تحتاج إلى مراجعة دائمة ما دامت الصيرورة جارية. وهكذا يترقى الفيلسوف في مراتب القول حتى يدرك الغاية التي كان إليها سعيه منذ بدء انزعاجه. وقراره ليس نسقاً يبنيه فيبلغ منتهاه، وإنما هو عمارة تحكي تجربة في الحضور، موجهة نحو نوع من كلية المعنى في أفق صيرورة الوجود.



#عزالدين_جباري (هاشتاغ)       Azeddine_Jabbary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحديث التكنولوجيا أم تحديث العقل؟ في تغيّر الأدوات وعلاقتنا ...
- من يضع قواعد اللعبة؟ الفلسفة والعلم وسؤال شروط الإمكان
- الكوجيتو بين القياس والتأسيس
- حين ماتت النقيضة: الغزالي وابن رشد ومسارٌ لم يكتمل
- هايدغر واستراتيجيات الالتفاف حول التعيين: من تقويض الميتافيز ...
- ما الذي نحمّله حين نحمّل العقل؟ من الفاهمة إلى الوعي والهوية ...
- هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟
- الصراع العالمي المعاصر بين اقتصاد الذاكرة وبنية المسافة: قرا ...
- في الصيرورة الأصيلة
- ما الذي يجعل الشيء مفهوما؟
- بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري
- من فقه النكاح إلى فلسفة الزواح: دفاع تأويلي عن اجتهادات الحا ...
- من الاستئلاف إلى الرباط مراجعة تأويلية لكتاب -كيف تنقلب سبع ...
- ليس كرهًا للعلم، بل خنقًا لمجراه: مناقشة في تأويل ثقافوي لحك ...
- عتاب إلى خصيم المسيح: من قلب النبض إلى صدى العدم
- ابن تيمية ونقد الكيانات المجردة: من الاسمية التوصيفية إلى ال ...
- من هيوم إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة: في نقد الاستقراء وبناء ا ...
- حين يغيب الرباط: سقوط المعنى في أثينا وروما
- في فضاء الغيبة المصنوعة: نقد لمقال مشير باسيل عون عن -الغيبة ...
- من مأزق التسلسل إلى إمكان التعيّن: في تأويل الخلق وفق فلسفة ...


المزيد.....




- مسؤول بإدارة ترامب يلمح مازحًا إلى تعيين نيكي ميناج متحدثة ب ...
- -لن يفلت أي متورط-.. الأردن يكشف تفاصيل القبض على منفذي -هجو ...
- موسكو.. انطلاق منتدى -روسيا - إفريقيا- الإعلامي برعاية RT
- -يسرائيل هايوم- تكشف عن مسار تهريب مزعوم للأسلحة من مصر إلى ...
- إسرائيل تترقب تحركات الجيش المصري الشمالي
- اجتماع غير عادي في طهران يجمع إيران بدول -اتفاق مكة-.. ماذا ...
- إعلام إسرائيلي يتحدث عن خلاف حاد بين نتنياهو وزامير بشأن توج ...
- المكسيك: موكب كاترينا مبهر بألوانه يعيد الموتى إلى الحياة
- من -دولة قذرة- إلى -شعب صامد-.. ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأ ...
- مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي: ترامب ونتنياهو قادران على إس ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - القول الفلسفي قولٌ في البدايات