أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - من يضع قواعد اللعبة؟ الفلسفة والعلم وسؤال شروط الإمكان














المزيد.....

من يضع قواعد اللعبة؟ الفلسفة والعلم وسؤال شروط الإمكان


عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 16:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مهما تقدمت العلوم، تظل للفلسفة النظرية أولوية من نوع خاص، وليس ذلك بمعنى أنها «أعلى» من العلم أو أنها تستطيع أن تحل محله، وإنما لأنها تتحرك في مستوى يسبق التخصص العلمي نفسه: مستوى السؤال عن شروط إمكان المعرفة، وعن طبيعة الموجود، وعن معنى القانون والسببية والحقيقة والتفسير.
كل علم يبدأ، من حيث لا يشعر أحيانا، بعدد من المسلمات الأنطولوجية والإبستمولوجية. فالفيزياء تفترض أن الواقع قابل للقياس والصياغة الرياضية، والبيولوجيا تنطلق من كائنات وعمليات قابلة للتحديد، وعلوم الحاسوب تفترض فضاء من الحالات والقواعد والعمليات الممكنة.
يستطيع العلم بعد ذلك أن يحقق نجاحا هائلا داخل هذا الحقل، لكنه لا يجيب بأدواته الخاصة عن سؤال أسبق: لماذا يوجد أصلا عالم منظم، قابل لأن تكون فيه قوانين وموضوعات وعلاقات وأسباب؟
هنا تظهر الأولوية الأنطولوجية للفلسفة.
إنها لا تدخل اللعبة فقط، بل تسأل عن إمكان قيام اللعبة نفسها.

ثم تأتي أولوية ثانية، هي الأولوية الإبستمولوجية والتأويلية. العلم ينتج، لكن معنى هذه النتائج لا يكون علميا خالصا دائما. أن ينجح نموذج رياضي في التنبؤ بظاهرة أمر، وأن نقول إن الواقع في جوهره رياضي أمر آخر. أن نكتشف ترابطا بين الوعي ونشاط الدماغ نتيجة علمية، أما القول إن الوعي «ليس إلا» نشاطا عصبيا فانتقال إلى موقف فلسفي.
إن كلمة «ليس إلا» كثيرا ما تخفي وراءها ميتافيزيقا أكثر مما تكشف نتيجة تجريبية.
ولهذا فالفلسفة لا تكتفي بوضع الأساس، بل تعود أيضا إلى مخرجات العلم لتسأل: ماذا تعني هذه النتيجة؟ وما الذي يثبت منها فعلا؟ وأين ينتهي الوصف العلمي ويبدأ التأويل الأنطولوجي؟

وهناك كذلك أولوية نقدية.
الفلسفة تسأل عن المفاهيم التي يعمل بها العلم نفسه: ما التفسير؟ وما البرهان؟ وما القانون؟ وما الفرق بين النموذج والواقع؟ ومتى يكون الاختزال مشروعًا؟ ومتى يتحول نجاح التنبؤ إلى دعوى ميتافيزيقية لا تسندها التجربة نفسها؟
غير أن أولوية الفلسفة لا تعني أن العلاقة بينها وبين العلم تسير في اتجاه واحد؛ فالعلوم بدورها تعود باستمرار لتضغط على المفاهيم الفلسفية، وتدفعها إلى المراجعة وإعادة البناء.
النسبية غيرت تصورنا للزمان والمكان، وميكانيكا الكم ضغطت على مفاهيم السببية والتعين، ونظرية التطور أعادت تشكيل معنى النوع والثبات، وعلوم الحوسبة فرضت أسئلة جديدة حول الإجراء والبرهان والتعقيد.
لذلك فالعلاقة الأدق ليست سيادة الفلسفة على العلم، ولا ذوبان الفلسفة فيه، بل هي علاقة مزدوجة: للفلسفة أولوية تأسيسية وتأويلية، وللعلم قدرة تصحيحية وضاغطة تمنع الفلسفة من التحول إلى بناء مكتفٍ بذاته.
ومن هنا يصبح سؤال الأصل أكثر وضوحًا. تشتغل العلوم ، في الغالب، بعد قيام الإمكان: تسأل ماذا يحدث داخل العالم، وكيف يحدث، وبأي انتظام. أ
ما سؤال الأصل فيتراجع خطوة إلى الوراء ويسأل: ما الذي يجعل قيام عالم منظم ممكنا أصلا؟ وما الذي يجعل وجود قوانين وأسباب وموضوعات وعقول وملاحظين أمرا قابلا للفهم؟
وبهذا المعنى، فسؤال الأصل ليس «علما أعلى» من العلوم، بل هو سؤال يتعلق بالمستوى الذي يجعل الممارسة العلمية نفسها ممكنة ومفهومة.
ومن هنا يمكن القول: للفلسفة النظرية أولوية أنطولوجية لأنها تسأل عن شروط إمكان الحقل الذي تتحرك فيه العلوم، ثم تعود لتفحص المعنى الإبستمولوجي والأنطولوجي لنتائجها؛ بينما تظل العلوم بدورها قوة تصحيحية تعيد باستمرار الضغط على مفاهيم الفلسفة وحدودها.
بين الفلسفة والعلم، إذن، لا توجد علاقة خصومة، ولا علاقة تبعية، بل حركة دائمة بين تأسيس شروط اللعب وتأويل ما تنتجه اللعبة نفسها.



#عزالدين_جباري (هاشتاغ)       Azeddine_Jabbary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكوجيتو بين القياس والتأسيس
- حين ماتت النقيضة: الغزالي وابن رشد ومسارٌ لم يكتمل
- هايدغر واستراتيجيات الالتفاف حول التعيين: من تقويض الميتافيز ...
- ما الذي نحمّله حين نحمّل العقل؟ من الفاهمة إلى الوعي والهوية ...
- هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟
- الصراع العالمي المعاصر بين اقتصاد الذاكرة وبنية المسافة: قرا ...
- في الصيرورة الأصيلة
- ما الذي يجعل الشيء مفهوما؟
- بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري
- من فقه النكاح إلى فلسفة الزواح: دفاع تأويلي عن اجتهادات الحا ...
- من الاستئلاف إلى الرباط مراجعة تأويلية لكتاب -كيف تنقلب سبع ...
- ليس كرهًا للعلم، بل خنقًا لمجراه: مناقشة في تأويل ثقافوي لحك ...
- عتاب إلى خصيم المسيح: من قلب النبض إلى صدى العدم
- ابن تيمية ونقد الكيانات المجردة: من الاسمية التوصيفية إلى ال ...
- من هيوم إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة: في نقد الاستقراء وبناء ا ...
- حين يغيب الرباط: سقوط المعنى في أثينا وروما
- في فضاء الغيبة المصنوعة: نقد لمقال مشير باسيل عون عن -الغيبة ...
- من مأزق التسلسل إلى إمكان التعيّن: في تأويل الخلق وفق فلسفة ...
- المتواجِد والدازاين: تأصيلٌ دلاليّ لفارق أنطولوجي بين فلسفة ...
- الإمكان الترددي وشبكة النبض: نحو تجاوز المفهوم الماهوي


المزيد.....




- شاهد.. كيف رد ترامب على تزويد الصين إيران بمعلومات عن قواعد ...
- محاولة الصمود وتجاوز الأزمات.. ما هو القاسم المشترك في حفل ت ...
- وزارة الدفاع الإماراتية تنعى رائدًا ومرشّحًا فارقا الحياة خل ...
- مقاتلات روسية تشن غارات جوية بقنابل -فاب-500- على مواقع العد ...
- وسط احتجاجات في عدة محافظات، كيف تفاعل السوريون مع قرار رفع ...
- -الجدار الناري- تحت الاختبار.. هل يفقد فعاليته أمام البديل؟ ...
- تقارير إعلامية: مصر ترفض مقترح الحوثيين للتواصل المباشر
- ترويكا.. الحلقة الـ60
- رئيس أركان الجيش السوداني: أسرتي دفعت الثمن في الأيام الأولى ...
- الطائرات المسيرة الانقضاضية الروسية تدمر سفينتين أوكرانيتين ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين جباري - من يضع قواعد اللعبة؟ الفلسفة والعلم وسؤال شروط الإمكان