أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - -ما فارقتُكَ يا أبي-..حين يستوطن الغياب شفيف الروح قراءة فنية وتعبيرية في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي














المزيد.....

-ما فارقتُكَ يا أبي-..حين يستوطن الغياب شفيف الروح قراءة فنية وتعبيرية في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 17:25
المحور: الادب والفن
    


٧ما فارقتُكَ يا أبي

ما فارقتُكَ...
وكيف أفارقُ مَنْ
كان يسكنُ في دمي،
ويُضيءُ عتمةَ أيّامي،
ويزرعُ في خطايَ
طمأنينةَ الطريق؟
يا آدمُ...
منذُ رحيلِكَ
والدروبُ موحشة،
والبيتُ ليس كما عهدتُه،
والأشياءُ من حولي
تُتقنُ الصمتَ
لكنّها لا تُتقنُ نسيانَكَ.
تركتَ خلفَكَ قلباً
ما زالَ ينتظرُ خُطاك،
وباباً يُصغي إلى وقعِ الأقدام،
ومقعداً كلّما مررتُ به
ظننتُ أنّكَ ستعودُ
لتُكملَ حديثاً لم ينتهِ.
يا أبي...
أبحثُ عنكَ في الوجوهِ العابرة،
في ملامحِ الذين يشبهونكَ،
في دعاءٍ يسبقُ دمعي،
وفي مساءٍ طويلٍ
كلّما أرخى الليلُ ستائرَه
أحسستُ أنّ المسافةَ بيننا
أضيقُ من تنهيدة.
أمشي...
وفي داخلي طفلٌ صغير
ما زالَ يفتّشُ عن يدِكَ،
ويُخبّئُ رأسَه في حضنِكَ
كلّما باغتتْه الحياةُ بقسوتِها.
يعيدُني الفقد إلى أوّلِ الوجع.
أحملُ حكايتَكَ
في أضلاعي،
وأحفظُ من ملامحِكَ
ما لا تحفظُه الصور،
ومن حنانِكَ
ما لا تفيهِ الكلمات.
كم مرّةً ضاقَ بي هذا الفضاء،
فناديتُكَ دونَ صوت،
وكم مرّةً أخفيتُ دمعتي
كي لا يراني الحزنُ منكسرًا،
ثمّ خلوتُ إلى نفسي
فبكيتُكَ كما يبكي الغريبُ
وطنَه الأوّل.
أعرفُ أنّكَ لن تعود،
وأنّ الزمانَ الذي مضى
لن يفتحَ أبوابَه مرّةً أخرى،
لكنّ قلبي لا يُحسنُ تصديقَ الغياب،
ولا يعرفُ كيف يعتادُ الحياةَ
دونَ أن تكونَ فيها.
يا أبي...
لم أفارقْكَ،
سأظلُّ أحملُكَ في دعائي،
وأمضي...
وفي كلّ خطوةٍ منّي
شيءٌ من خُطاك..

طاهر مشي

ليست قصيدة "ما فارقتُكَ يا أبي" بكاء على أب غيّبه الموت فحسب،بل هي محاولة شعرية لمصالحة الغياب مع استحالة النسيان،واستعادة ذلك الحضور الذي لا تستطيع يد الموت أن تنتزعه من أعماق الروح.فمنذ العتبة الأولى،يعلن الشاعر موقفه الوجداني: "ما فارقتُكَ"،وكأنّه يعاند حقيقة الرحيل،لا إنكارا للموت،بل دفاعا عن أبوة تجاوزت حدود الجسد لتستقرّ في الدم والذاكرة والوجدان.
ينجح الشاعر د-طاهر مشي في تشييد عالمه الشعري من تفاصيل يومية صغيرة،لكنها مثقلة بالدلالة: بيت تغيّر بعد الرحيل،وباب يُصغي إلى وقع الأقدام،ومقعد ينتظر حديثا لن يكتمل.!
هنا تتجلّى براعة الصورة الشعرية،فالأشياء لا تعود جمادات صامتة،بل تتحوّل إلى شهود على الفقد، تحفظ ما عجز الزمن عن محوه.وبذلك يصبح المكان ذاكرة نابضة،ويغدو الصمت لغة أخرى للحنين.
وتزداد القصيدة عمقا حين ينتقل الشاعر من صورة الابن الذي يستعيد ملامح أبيه في الوجوه العابرة إلى ذلك الطفل الكامن في أعماقه،الباحث عن يد تحميه وحضن يردّ عنه قسوة الحياة.
إنها لحظة إنسانية كاشفة ومكاشفة شعرية،تفضح هشاشة الإنسان مهما امتد به العمر فالأب ليس مجرد ذكرى،بل هو شعور بالأمان يتجدّد الاحتياج إليه كلما اشتدّت الحياة.ولعلّ تشبيه الفقد بالغريب الذي يبكي "وطنه الأوّل" من أكثر صور النص كثافة ووجعا،إذ يجعل الأب وطنا للروح،لا مجرّد فرد في شجرة العائلة.
أما فنيّا،فتستمدّ القصيدة إيقاعها من التكرار الوجداني،وتوالي النداءات،والجمل القصيرة المتقطّعة التي تحاكي أنفاس الحزن.وقد اختار الشاعر لغة شفيفة،بعيدة عن التكلّف،وصورا تنبع من التجربة الإنسانية المشتركة،فاقترب من القارئ دون أن يفرض عليه انفعاله.وتتحرّك القصيدة بين الاعتراف باستحالة العودة والعجز عن تصديق الغياب،في مفارقة تختصر مأساة الفقد: العقل يعرف أن الراحل لن يعود،لكن القلب يظلّ يحتفظ له بمقعد في الحياة.
وفي خاتمتها،لا تنتهي القصيدة إلى الاستسلام للحزن،بل إلى تحويل الأب من حضور جسدي غائب إلى أثر حيّ في السلوك والدعاء والخطى. فقول الشاعر: "وفي كلّ خطوةٍ منّي شيءٌ من خُطاك"ليس مجرّد تعبير عن الوفاء،بل إقرار بأن الأب يستمرّ في ابنه،وأن بعض الروابط لا يقطعها الموت،بل يعيد تشكيلها في صورة أكثر خفاء وعمقا.
في هذه القصيدة،لا يرثي طاهر مشي أباه وحده، بل يكتب وجعا إنسانيّا يعرفه كلّ من فقد السند الأوّل،واكتشف متأخرا أن في العمر فراغات لا يملؤها أحد.إنّها قصيدة تذكّرنا بأن الموت يأخذ الجسد،لكنه يعجز عن استرداد ما زرعه الحبّ في الروح.وحين يقول الشاعر "ما فارقتُكَ"،فإنّه لا يناجي غائبا فحسب،بل يشهد على حقيقة خالدة: ثمة آباء يرحلون عن الدنيا،لكنهم يظلون يسكنون أبناءهم ما بقي في القلب نبض،وفي الذاكرة ضوء، وفي الدعاء متّسعٌ للحنين.
على سبيل الخاتمة:
يُحسب للشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي أنّه يمتلك قدرة لافتة على نسج قصائده من خيوط الوجدان،وصياغة الوجع الإنساني بلغة شفيفة تنفذ إلى القلب دون استئذان.ولعلّ ما يزيد تجربته الشعرية تألّقا وإشعاعا هو مزيد من المغامرة في ابتكار الصور،وتعميق الرمز،وتكثيف العبارة،بعيدا عن المألوف والمباشر،دون التفريط في صدق العاطفة وحرارة التجربة.فالشعر الجميل يلامس الوجدان،أمّا الشعر الكبير فيوقظ الفكر ويترك في الروح أثرا لا تمحوه الأيام.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشاعر والكاتب التونسي الكبير د-طاهر مشي في -أبي..وما زلتُ ذ ...
- حين تقرأنا الكلمات بعيون الآخرين..شهادة الكاتب السامق أ-فتحي ...
- حين يرمي العاشق..للأشواق منديلا..! قراءة في قصيدة الشاعر الت ...
- قراءة في الخاطرة الإبداعية -طعم الرحمة- للشاعر والكاتب التون ...
- حين يتحوّل الحزن إلى قصيدةٍ من نور..قصيدة الشاعر التونسي الك ...
- حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونس ...
- قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فت ...
- قراءة جمالية في قصيدة -أبي- للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي ...
- حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشا ...
- مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت: قراءة في جسد الوطن والخراب ...
- (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود.. ...
- مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة ...
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...


المزيد.....




- سمر نور للجزيرة.. فوزي بجائزة -كتارا- مسؤولية كبرى.. ورواية ...
- صحفيو غزة أمام الكاميرا.. حين تجسد السينما حياة من يوثقون ال ...
- المخرج سعيد الماروق يعتذر عن ظهور جواز سفر عماني في مشهد شعو ...
- جامع العرب في الزرقاء.. قرن من التاريخ وخدمات تتجاوز أوقات ا ...
- المغرب: السجن أربعة أعوام لرسام الكاريكاتور ياسر منبير بعد إ ...
- من رواية روسية إلى السينما.. صناع -موسكو كايرو- يحتفلون بعرض ...
- الذكاء الاصطناعي في عالم الأدب.. من يضع قواعد ومعايير التكري ...
- الجزيرة تطلق -نظر-.. حوارات أسبوعية تفكك التحديات الفكرية لل ...
- مصوّر «Knives Out» يطلق تطبيق كاميرا للآيفون يعالج الصور بأس ...
- مصر.. تطورات الحالة الصحية للفنان محمد الحلو بعد -توقف مؤقت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - -ما فارقتُكَ يا أبي-..حين يستوطن الغياب شفيف الروح قراءة فنية وتعبيرية في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي