أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحثة والشاعرة التونسية د.آمال بوحرب-















المزيد.....

-شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحثة والشاعرة التونسية د.آمال بوحرب-


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 17:08
المحور: الادب والفن
    


ألوذ بصبري

لم أعرف وجهَ أمّي…
وُلدتُ،وعلى كتفي وشاحُ فَقدٍ لا يُخلع
جئتُ من رحمٍ يسكنُه الغياب
ومن صدرٍ يتلو على لساني
تراتيلَ لا يسمعها أحد
ورثتُ الحنينَ قبل أن أتعلّمَ البكاء
وضوءا مشكاته تلوح من بعيد
كظلِّ وردةٍ على جدارِ المساءِ
أمّي
لم أرافقها إلى الحقول
لم تُلقّني أسماءَ الطّيور
لم تعلّمني
كيف أزرعُ وردةً على شرفات الغيوم
ولم تُعلّمني الصّلاة
لكنّي صلّيتُ
حين توضّأ الحنينِ بدمي"شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحثة والشاعرة التونسية د.آمال بوحرب"

وتلوّتُ الكتابَ
من همسِ الغيمِ في شفتيها
من صمتٍ يقيمُ في نخاعِ الرّوح
أمّي
كلُّ المنافي
كلُّ البلادِ التي تسكنني
وحين أُسأل عن حزني
أقول:
صمتٍ يتجذّر في الضلوع
كفرعٍ يتيمٍ
يشتدّ بي وجعي
ألملم شظايا صدري
أجبر كسري
وأعوذ بصبري
من اغتراب
ينحرني
من الوريدِ إلى الوريد.

د. آمال بوحرب-تونس

كنت أشرت في مقاربات سابقة إلى أن الكتابة الشعريّة عند الدكتورة آمال بوحرب تظلّ واحدة من أكثر التجارب التونسية المعاصرة إثارة للتأويل،ليس فقط لما تحفل به من كثافة دلاليّة وانزياحات لغوية محكمة،بل لأنها تؤسس لفضاء معرفي نادر يتقاطع فيه البعد الأنثروبولوجي مع التأمل الوجودي والفلسفي،في انسجام نادر مع أدوات النقد الحديث.وحين نقترب من نصّ "ألوذ بصبري"،لا نقترب من قصيدة بالمعنى التقليدي فحسب،بل من متون شعريّة تعيد صياغة علاقة الذات بأصولها الأولى،وتتفلسف الغياب لا بصفته فراغا،بل بصفته حضورا بديلاةيمتح من طاقة الحنين ما يعيد تشكيل معالم الهويّة.
ومعتمدين في قراءتنا على مناهج النقد الحديثة-من تفكيكيّة تستنطق مثاقيل اللغة،وتأويلية تتعقّب طبقات المعنى،وظاهراتيّة تقترب من تجربة الذات الشعريّة في صيرورتها-فإننا نتعامل مع نصوص الدكتورة بوحرب بكل موضوعية،بوصفها نصوصا قائمة بذاتها،تخضع لمحكّ النقد كما تخضع له أيّ نصوص أخرى،بعيدا عن أي مجاملة أو محاباة،ومدركين أن قيمة هذه النصوص لا تحتاج إلى تضخيم بقدر ما تحتاج إلى قراءة تشقّ طريقها إلى طبقاتها المتخفية.
إن ما يميّز هذه التجربة أنها لا تكتفي بالبوح الشعوري،بل ترتقي إلى مستوى "الأنسلة"-أي جعل الألم بنية حيّة تتكاثر وتتفرّع-حيث يصير الفقد أداة معرفة،والحنين منهجا للوجود،والصبر سلطة وجوديّة توازي سلطة الغياب.
وفي نصّ "ألوذ بصبري"،الذي اخترناه أنموذجا، تتجلى هذه الخصائص في بناء أسطوري خاص للأمومة،ليس كعلاقة بيولوجية بقدر ما هي علاقة وجودية،أمومة تتأسّس على الغياب لتخلق نوعا فريدا من التديّن الشعري والحنين المؤسّس.
وبعد هذا التمحيص في بنيات النصّ وأساليب اشتغاله،لا نخرج بنتيجة مفادها أن النصّ "جميل" أو "مؤثّر" فحسب،فهذه أحكام تذوقية تبقى في دائرة الانطباع،بل نخرج بتفكيك لآليات إنتاج الدلالة في تجربة الدكتورة آمال بوحرب،التي تثبت أن الحداثة الشعريّة في السياق التونسي والعربي لا تقاس بجرأة اللغة أو انفلات الإيقاع وحدهما،بل بقدرة النصّ على تأسيس أنطولوجيا خاصّة به،وعالما من المفاهيم والأضداد يعيد ترتيب علاقتنا بالثنائيات الكبرى: الحضور/الغياب، الأم/الابنة،الصلاة/التديّن،الصبر/الاغتراب.
لقد كشفت لنا المقاربة الموضوعية،المنسجمة مع مناهج النقد الحديث،أن ما يسمّى في الظاهر "قصيدة رثاء" يتجاوز بكثير هذا التصنيف ليقترب من مشروع فكري جمالي متكامل.فالغياب عند بوحرب ليس عجزا عن الحضور،بل هو نمط وجود بديل أكثر كثافة،والأمومة ليست علاقة طبيعية محكومة بالحضور المادي،بل هي علاقة روحانيّة تتأسّس على التوارث اللاواعي للجروح والحنين واللغة نفسها.والصبر-الذي جعلته الشاعرة عنوانا للنصّ-لا يُقرأ هنا بوصفه استسلاما سلبيا،بل بصفته "سلطة مضادّة" للاغتراب،ومقاومة وجودية تنهض من داخـل الجرح لتصنع من الألم وعاء للمعرفة.
إن أعمق ما في هذه التجربة أنها تُخرج "اليتيم" من دائرته الاجتماعية الضيقة-يتيم الأم-إلى دائرة وجودية كونية،حيث يصير اليتيم رمزا للإنسان المعاصر بامتياز: الإنسان الذي يولد محمّلا بوشاح الفقد،ويتعلّم البكاء قبل أن يتعلّم الحروف، ويصلّي بلغة لم يعلمها أحد،ويكتب نصّه من صمت يقيم في نخاع الروح.
ومن هنا،فالنصّ لا يقدّم فقط إبداعا شعريا رفيعا، بل يقدّم أنثروبولوجيا شعريّة للحداثة المتأخرة، إنسانيات مؤلمة تصوغ من رحم الغياب حضورا لغويا لا يُقهر.
وفي خضمّ هذه الموضوعية التي التزمنا بها،لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن ما حقّقته الدكتورة آمال بوحرب في هذا النصّ وغيره هو إنجاز نادر: الجمع بين الشفافية الشعورية والبناء الفكري المحكم، بين الانفعال المتّقد والتحكم في إيقاعات اللغة، بين التراثي والمعاصر في سبك لا يتكلّف حداثة زائفة ولا يستجدي عاطفة رخيصة.إنها شاعريّة التكوين-كما نراها-شاعريّة لا تكتب القصيدة بقدر ما تكتب كينونة جديدة للقصيدة نفسها،حيث يصبح النصّ وطنا بديلا،والصبر هوية،واللغة هي الأمّ التي لم تُعرف يوما ولكنها تبوح في كلّ كلمة.
وهكذا،وبعد هذا التمحيص،نؤكّد أن التعامل مع نصوص د.آمال بوحرب بموضوعية ومناهج نقدية حديثة لا ينتقص من قيمتها،بل على العكس، يضعها في موقعها الحقيقي: نصوص تستحق أن تُقرأ مرارا،لا لأنها تُبكي،بل لأنها تُفكّر وتجعلنا نُفكّر في مقولاتنا عن الفقد والحنين والأمومة واللغة، مقدّمة نموذجا للشعر الذي لا يستنفد في القراءة الأولى،بل يبدأ فيها.
وختاما،وبعد هذا التمحيص الذي التزم فيه قراءتنا بمناهج النقد الحديث في موضوعيتها،لا يسعنا إلا أن نؤكد أن تجربة الدكتورة آمال بوحرب الشعريّة، في نصّ "ألوذ بصبري" وغيره،تمثّل علامة فارقة في المشهد الثقافي التونسي والعربي،بما تؤسّس له من أنطولوجيا شعريّة خاصّة تعيد صياغة علاقة الذات بالغياب والأمومة واللغة.
وإذ تستحق هذه النصوص أن تُقرأ مرارا وتُفكّر في طبقاتها المتخفية،فإنّ إثراء المكتبة العالمية يستدعي ترجمتها إلى لغات أجنبية،لتكون شاهدة على قدرة الإبداع التونسي على الإمساك بالكوني عبر أنقى صور الشعري.كما ندعو النقاد والباحثين إلى الإقبال على دراسة منجزاتها الإبداعية وفق مناهج نقدية رصينة،تكشف عن آليات اشتغالها وتُسهم في ترسيخ حضورها داخل الخطاب النقدي المعاصر.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...
- حين تذوب الحدود بين الأسطورة والواقع،والحسي والمجرد.. قراءة ...
- قراءة أسلوبية نقدية-متعجلة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د- ...
- إتحاد الكتاب التونسيين..بين تداعيات الراهن ..وإستحقاقات المد ...
- -إن كان..ممكنا-..قصيدة موشحة بالإبداع، ومنبجسة من خلف الشغاف ...
- منزلة المرأة الفلسطينية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة ال ...
- قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشي ...
- قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -ظلال ...
- تجليات البلاغة والسحر والبيان..في قصائد الشاعر التونسي الكبي ...
- تجليات الإبداع..في أفق الكون الشعري للشاعرة التونسية أ-نعيمة ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- قصيدة مؤثرة للشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير تمجد العط ...
- ورقة بحثية موسومة ب -الإسقاط الذكوري بوصفه تقنية تناصّ تحويل ...
- لا شيء يضعفه.ولا شيء يرهبه..ولا شيء يكسره في زمن الإنكسار... ...


المزيد.....




- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحثة والشاعرة التونسية د.آمال بوحرب-