محمد المحسن
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 14:12
المحور:
الادب والفن
في منتصف مارس 2026،يهدينا الكاتب والشاعر التونسي الأستاذ عادل الجريدي إصداره الجديد، الصادر عن دار فردوس للنشر والتوزيع،تحت عنوان "أشجار تودع ظلالها"،في مجموعة قصصية قصيرة جدا،تأتي لتؤكد مرة أخرى أن الكتابة عنده ليست مجرد حكي،بل هي هندسة روحية وجمالية تلامس أعماق المتلقي بلغة تتشكل من الدهشة والإرباك.
إن كتابات عادل الجريدي تمثل إبداعا حداثيا يخرج من القيود السردية الكلاسيكية،ليبحث في فضاءات مغايرة من التكثيف والوميض،حيث لا يجد القارئ نفسه أمام حكاية تقليدية بقدر ما يصطدم بعوالم مفتوحة على التأويل،تصنع من الصمت لغة ومن الغياب حضورا.
وتتميز القصة القصيرة جدا عنده باحترام الخصائص الفنية لهذا الجنس الأدبي الشاهق،إذ تحترم المقاييس الحداثية في الكتابة القصصية الوجيزة،مما ساهم في بناء نصوص مغايرة بمفهوم الدهشة والإرباك والحيرة الدلالية النابضة من تساؤلات الواقع.إنها قصص لا تمنح القارئ إجابات جاهزة،بل تغرقه في أسئلة أعمق،حيث كل كلمة فيها تحتمل أكثر من معنى،وكل سطر يفتح أفقا من الدلالات.
تشكل القصة القصيرة جدا،أو ما يمكن تسميتها بـ "القصة القصيدة"،جنسا أدبيا متفردا يقف على تخوم الشعر والسرد،يستدعي من الكاتب جهدا مضاعفا لا يقل عن جهد الشاعر في بناء القصيدة، بل ربما يفوقه أحيانا.فهي فن التكثيف العالي، حيث لا مكان للزخرف أو الاستطراد،بل تتطلب وعيا عميقا بآليات الإيحاء،واقتصادا في اللغة، وهندسة دقيقة للصمت،وقدرة على اختيار اللحظة الحاسمة التي تتكثف فيها الحكاية بأسرها.إنها كتابة تنتمي إلى فلسفة القول القليل لتعني الكثير، وتجعل من الفراغات مساحات لتشارك القارئ في صنع الدلالة.لهذا،فهي جنس لا يقدر عليه إلا من امتلك ناصية اللغة،ووعى عمق العلاقة بين الشكل والمضمون،وأدرك أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بطول النص،بل بعمق أثره في النفس.
وفي "أشجار تودع ظلالها"،لا يقدم لنا عادل الجريدي قصصا تقرأ لتنتهي،بل يمنحنا عالما يقيم في الذاكرة،ويعيد تشكيل رؤيتنا للحكاية وللإبداع. إنه كاتب لا يكتب ليملأ فراغا،بل ليزرع أسئلة تنبت في روح القارئ "كأشجار تودع ظلالها"،تاركة له مساحته الخاصة ليتأمل،ليحلم،ليبني من الغموض جسرا نحو معانيه الأعمق.
إبداعه حداثي بروح متجذرة في عمق الرؤية التونسية والعربية،ويستحق كل الاحتفاء والتقدير.
ألف مبارك وكل التوفيق للصديق الراقي عادل الجريدي على هذا الإنجاز الجميل.
ولنا عودة إلى هذا المنجز الإبداعي عبر مقاربة مستفيضة تقف عند تحولاته الجمالية وتفكيك عوالمه السردية في قراءة نقدية موسعة.ريثما يختمر عشب الكلام..
#محمد_المحسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟