أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فتحي فرهود..الموسومة ب-أمي..المرأة التي عاشت أعمارنا-















المزيد.....

قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فتحي فرهود..الموسومة ب-أمي..المرأة التي عاشت أعمارنا-


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 22:34
المحور: الادب والفن
    


تأتي هذه القصة بوصفها نصا إنسانيا مشبعا بالصدق والدفء،يستحضر صورة الأم التونسية في سبعينيات القرن الماضي،لا باعتبارها شخصية عابرة في حياة الأسرة،وإنما باعتبارها محور الوجود وصانعة المستقبل.فالكاتب فتحي فرهود لا يكتفي بسرد ذكريات شخصية،بل يحولها إلى شهادة أدبية على جيل كامل من الأمهات اللاتي خضن معارك الحياة في صمت،وانتصرن عليها بالإرادة والعمل والتضحية.
فنيًا،يقوم النص على تقنية الاسترجاع،حيث يستعيد الراوي طفولته ليعيد بناء الذاكرة قطعة قطعة،فتغدو التفاصيل الصغيرة أكثر قدرة على التأثير من الأحداث الكبرى.فـ"الخاسرة" المعقودة في طرف الملحفة ليست مجرد موضع لحفظ النقود،وإنما تتحول إلى رمز مكثف لاختزال الفقر والعفة والكرامة،وإلى استعارة بليغة لقلب أمّ كانت تخبئ أبناءها في صدرها كما تخبئ نقودها القليلة في عقدتها الصغيرة.
وجماليا،تزخر القصة بصور شعرية آسرة،من قبيل قوله: "كانت وطنا يمشي على قدمين"،وهي صورة ترتقي بالأم من دائرة الفرد إلى فضاء الوطن، لتصبح الحاضنة والملجأ والأمان.كما أن وصفها وهي تنسج الصوف والزرابي والفليج والغرائر لا يقدم أعمالا يدوية فحسب،بل يرسم لوحة نابضة بالحياة،حيث يتحول كل خيط إلى حكاية،وكل قطعة إلى جزء من روحها الممتدة في البيت.
وهنا ينجح الكاتب في تحويل الأشياء اليومية البسيطة إلى رموز جمالية ذات أبعاد إنسانية عميقة.
أما من الناحية النقدية،فإن النص يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليؤرخ لمرحلة اجتماعية عاشتها تونس،حيث فرض الفقر والهجرة والأمية على المرأة أن تتحمل مسؤوليات مضاعفة.فالغياب الاضطراري للأب بسبب الهجرة إلى فرنسا لا يصنع فراغا في الأسرة،بل يكشف عن قوة الأم التي ملأت ذلك الفراغ بحضورها الأخلاقي والوجداني. ومن هنا،فإن القصة ليست تمجيدا لشخص الأم وحدها،بل احتفاء بقيم العمل والصبر والتربية والكرامة،وهي القيم التي يرى الكاتب أنها صنعت الإنسان قبل أن تصنع الأوطان.
ويحسب للكاتب أيضا أنه ابتعد عن المبالغة الخطابية،فترك للتفاصيل اليومية أن تؤدي رسالتها الإنسانية.فالحنين هنا ليس بكاءوعلى الماضي،بل قراءة واعية لمعناه،واستعادة لذاكرة جماعية يتقاسمها آلاف التونسيين الذين تربوا على أيدي أمهات صنعن المعجزات بإمكانات محدودة،لكن بإيمان لا تحده الظروف.
ليست هذه القصة مجرد رسالة وفاء لأم،بل هي مرثية جميلة لعصر كانت فيه الأمهات يكتبن تاريخ الأسر بأصابع أنهكها العمل،ويشيدن مستقبل الأبناء بقلوب لم تعرف سوى البذل.
إنها تذكير بأن أعظم البطولات ليست دائمًا تلك التي تُدوَّن في كتب التاريخ،بل تلك التي تُنسج في صمت البيوت،حيث كانت أمٌ بسيطة تُطفئ جوعها لتُشبع أبناءها،وتؤجل أحلامها ليحيا الآخرون أحلامهم.لذلك ستظل أمهات كهذه خالدات في الذاكرة،لأنهن لم يعشن لأنفسهن يوما، بل عشن ليمنحن الحياة معنىً،والإنسان كرامة، والمحبة خلودا.
ختامااا يسعنا إلا أن نحيّي الكاتب التونسي القدير فتحي فرهود،ابن جهة تطاوين،الذي يثبت من عمل إلى آخر أن الأدب الحقيقي يولد من رحم الذاكرة الصادقة،وأن الكلمة النبيلة قادرة على تخليد الإنسان البسيط قبل أن تخلّد الأحداث.
وإذ أتابع بإعجاب إنتاجاته الإبداعية،فإنني أدعوه إلى مواصلة السير بثبات على درب الإبداع،وأن يجمع هذه اللوحات الإنسانية الراقية في كتاب، حتى تبقى شاهدا على زمن وقيم وأمهات صنعن الحياة بصمت،فيفيد به الأجيال الحاضرة والقادمة.كما أدعو القراء إلى التمهل في قراءة هذه القصة،والتأمل في تفاصيلها ورموزها،لأنها ليست مجرد حكاية عن أم،بل مرآة لذاكرة وطن، ونشيد وفاء لكل أم وهبت أبناءها عمرها،ولم تنتظر منهم سوى أن يكونوا خير امتداد لحلمها

"أمي..المرأة التي عاشت أعمارنا
الإهداء:
إلى أمي الغالية برنية زكري، أطال الله في عمرها
وإلى كل الأمهات المناضلات اللواتي مررن بهدوء في هذه الحياة دون ضجيج، لكنهن تركن وراءهن دروسًا لا تُنسى في العطاء، والحب، والأخلاق، والمبادئ.

أمي لم تعش عمرها،بل كانت تفكر كيف نعيش
في تونس السبعينات،حين كان الفقر يسكن البيوت كما يسكن الصمت القلوب،وحين كانت الأمية ظلا ثقيلا يرافق الطرقات والوجوه،كانت الحياة امتحانا يوميا لا ينجو منه إلا أصحاب العزيمة.
هناك،في ذلك الزمن القاسي،لم تكن أمي تعيش عمرها كما تعيشه النساء،لم يكن لها وقت للأحلام الصغيرة ولا للراحة العابرة،بل كانت تعيش لأجلنا، تفكر كيف نعيش نحن،كيف نكبر دون أن تنكسر فينا الكرامة،وكيف نحمل من بعدها ما لم تستطع هي حمله وحدها.
كانت امرأة تحمل على رأسها بعضنا،وعلى كتفيها بقيتنا،تسند هذا وتحتضن ذاك،كأنها وطن يمشي على قدمين.كانت الأم والأب معا،لأن والدي، حفظه الله،كان قد شدّ الرحال إلى فرنسا منذ بداية الستينات،يبحث عن لقمة تحفظ للعائلة بقاءها.كان يرسل ما يستطيع،وكان ذلك القليل يكفي بالكاد لسدّ الرمق،لكن ما لا يُشترى بالمال، كانت أمي تخلقه من صبرها.
بيديها المتعبتين،كانت تنسج الحياة كما تنسج الصوف؛تصنع البطانيات والزرابي،تنسج الفليج، وتحيك الغرائر،وتلون البلاليم بصمتها،وكأنها تخيط لنا دفئا لا يزول.كل خيط كان حكاية،وكل قطعة كانت جزءا من روحها الممتدة في تفاصيل البيت.
وأذكر صورة لن تغيب عني ما حييت…
حين كنت أحتاج بعض السنتيمات لأشتري شيئا اشتهيته،كنت أهرع إلى “الخاسرة” في طرف ملحفتها،تلك العقدة الصغيرة التي كانت تجمع فيها ما تيسّر من نقودها القليلة.كنت أرقبها وهي تفك العقدة ببطء،كأنها تفك جزءا من تعبها،ثم تنظر إليّ بعينين مملوءتين حنانا،تقولان دون كلام:
خذ يا بني ما شئت…ولو كان عندي أكثر،ما بخلت عليك به.
لم تكن تلك القطع النقدية مجرد مال،بل كانت درسا في العطاء،وكانت قلبا يُقسم على أبنائه دون حساب.
لم يكن الشقاء عندها شقاء،بل كان وسيلة،طريقا لا بد منه نحو غاية أكبر: أن نكون صالحين، مستقيمين،قادرين على الوقوف دون انحناء.لهذا كانت صارمة،حازمة،لا تساوم في التربية،لأن قلبها كان يرى أبعد مما كنا نرى،وكان يخاف علينا أكثر مما كنا نفهم.
كانت تتحمل عبء النتائج قبل أن تبدأ الأفعال، وكأنها تعرف أن ما تزرعه اليوم فينا،سيحصد غدا في حياتنا.
أمي لم تعش عمرها..كانت تعيش أعمارنا نحن.
وكانت،دون أن تدري،تصنع من تعبها تاريخا،ومن صبرها معنى،ومن حبها وطنا لا يُنسى."
فتحي فرهود



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة جمالية في قصيدة -أبي- للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي ...
- حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشا ...
- مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت: قراءة في جسد الوطن والخراب ...
- (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود.. ...
- مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة ...
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...
- حين تذوب الحدود بين الأسطورة والواقع،والحسي والمجرد.. قراءة ...


المزيد.....




- مصر.. تشريح جثمان الفنان أحمد جلال عبد القوي
- بطرسبورغ.. مسرح ماريينسكي يستضيف حفلا موسيقيا احتفاء بربع قر ...
- الأزهر يعلن إطلاق مسابقة كبيرة
- تشريح جثمان فنان مصري بعد وفاته عن عمر يناهز 42 عاما
- سوريا.. تمزيق صور الفنان حسام جنيد بعد الإعلان عن حفله الفني ...
- شيرين تقاضي مدير صفحاتها السابق: -استولى على حساباتي وأرباحي ...
- ألوان العلم الروسي تضيء نصب الاستقلال في إندونيسيا بحضور 20 ...
- -الأوديسة- لنولان يتجاوز -أوبنهايمر- بافتتاحية عالمية بلغت 2 ...
- بلاغة الصورة والالتحام بالهم الإنساني.. قراءة تفكيكية في ديو ...
- 5 أفلام كردية تسعى للعالمية بمهرجان في إسبانيا


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فتحي فرهود..الموسومة ب-أمي..المرأة التي عاشت أعمارنا-