أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي-ظلي وأنا--نموذجا














المزيد.....

مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي-ظلي وأنا--نموذجا


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 23:55
المحور: الادب والفن
    


هناك لحظات في عمر الروح لا تُروى بقدر ما تُعاش في صمت الانهيار،لحظات يتبخر فيها اليقين كالسراب،ويصبح الإنسان سائلا عن نفسه لا عن الطريق..وهناك أنهار لا تجفّ،لكنها تجري عكس مجرى الحياة.أنهار اسمها: الحلم،الظل،الطريق الضائع..
في تلك المنطقة الرمادية حيث يختلط الجلد بالجرح،والصوت بالصدى،يطل علينا الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي بقصيدته "ظلي وأنا"، لا ليُهدينا نصا شعريا فحسب،بل ليفتح على مصراعيه نافذة على معركة صامتة خاضها الإنسان مع أكثر أعدائه غدرا: نفسه التي تنكرت له.إنها لحظة الانقسام الكبرى،حيث يتشظى المرء إلى ذات تركض وأخرى تُطارد،إلى ظل ظنناه نورا، وإلى حلم أوهمنا أنه عدو..!
هنا،في أرض التعب المقدس،على حافة الهاوية التي يلتقي فيها الهروب بالمواجهة،يبدأ السؤال الذي لا يشفى: كيف نعود إلى أنفسنا وقد ضيّعنا الدرب بين الأمس واليوم؟!
كيف نتصالح مع ظلّنا بعد عمر من المطاردة؟! هذه القصيدة ليست رثاء للخيبات،بل احتفاء بالعودة الخائرة الصادقة،تلك العودة التي لا تنتصر على الألم،بل تصافحه،حين نزرع في صدورنا بذورا لا نريدها كاملة..فقط حيّة.
ظلي وأنا

مرّ الزمان
وعادوت حلمي
وضيّعت دربي بين الأمس واليوم
كنت ألاحق ظلّي
وأحسبه نوري
حتى اكتشفت أني أركض في العدم
لكنّي رغم التعب
ما زلت أبحث
عن نافذةٍ..تُعيدني إليّ
عن صوتٍ قديم
كان يعرف اسمي
قبل أن تسرقه الضوضاء
عن قلبٍ خفيف
لا تثقله الخيبات
ولا يخشى الرجوع من منتصف الطريق
تعلّمت متأخرًا
أن الحلم ليس عدوّي
بل مرآةٌ..كنت أخاف أن أنظر فيها
وأن الهروب الطويل
لم يكن نجاة
بل تأجيلٌ للقاء الحقيقة
فها أنا أعود
بخطى مثقلة..لكن صادقة
أصافح ظلي بدل أن أطارده
وأزرع في صدري
بذرة حلمٍ جديدة
لا أريدها كاملة..
فقط حيّة .

طاهر مشي

وهكذا،عندما نغوص في أعماق هذه القصيدة، نكتشف أنها ليست مجرد كلمات على ورق،بل خريطة سرية لكل من تاه في دهاليز روحه، وبوصلة لا تشير إلى الشمال،بل إلى الداخل.
إن إعلان الشاعر "ها أنا أعود" ليس مجرد سطر في قصيدة،بل هو لحظة فارقة في تاريخ الذات البشرية،لحظة لا تمنحنا اليقين،بل تمنحنا الشجاعة لنكون غير مكتملين،لنكون بذورا لا تنتظر حدائق جاهزة،بل تتعلم النمو في قلب العاصفة.فليس العيب أن نركض خلف ظلنا،بل العيب أن نظل نركض دون أن نلتفت يوما لنُصافحه،دون أن ندرك أن الظل ليس خصما يهزم،بل جزءا منا ينتظر المصافحة.
في النهاية،تتركنا القصيدة أمام سؤال مفتوح يتسلل إلى أرواحنا كنسيم حزين: هل النافذة التي يبحث عنها الشاعر هي نافذة نطل منها على العالم،أم أنها مرآة نطل منها على أعماقنا؟!
أظن أن الإجابة تكمن في ذلك القلب الخفيف الذي "لا يخشى الرجوع من منتصف الطريق".
فطوبى لمن تعبوا،لأن تعبهم صار صادقا،وصار ماء يسقي بذورا كانت على وشك الإندثار.وطوبى لمن زرعوا بذورا حيّة،لأن الحياة لا تكتمل إلا بالناقصين،ولا تشرق إلا في العيون التي عرفت كيف تصافح ظلالها قبل أن تبحث عن الضوء.
وفي الأخير،يبقى كل منا وقصيدته،كل منا وظله الذي يطارده أو يصافحه.فالحياة ليست سباقا نحو الكمال،بل هي لحظة إدراك واحدة نعترف فيها أن "الهروب الطويل لم يكن نجاة،بل تأجيلا للقاء الحقيقة".فلنقف إذن على أعتاب أنفسنا متعبين لكن صادقين،ولنزرع في صدورنا ما تبقى من حلم، لا لأنه كامل،بل لأنه حي.فليس أجمل مما قاله شاعرنا ( د-طاهر مشي) : "ها أنا أعود بخطى مثقلة..لكن صادقة"،فتلك العودة وحدها هي الفجر الذي لا يخون.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...
- حين تذوب الحدود بين الأسطورة والواقع،والحسي والمجرد.. قراءة ...
- قراءة أسلوبية نقدية-متعجلة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د- ...
- إتحاد الكتاب التونسيين..بين تداعيات الراهن ..وإستحقاقات المد ...
- -إن كان..ممكنا-..قصيدة موشحة بالإبداع، ومنبجسة من خلف الشغاف ...
- منزلة المرأة الفلسطينية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة ال ...
- قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشي ...
- قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -ظلال ...
- تجليات البلاغة والسحر والبيان..في قصائد الشاعر التونسي الكبي ...
- تجليات الإبداع..في أفق الكون الشعري للشاعرة التونسية أ-نعيمة ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- قصيدة مؤثرة للشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير تمجد العط ...
- ورقة بحثية موسومة ب -الإسقاط الذكوري بوصفه تقنية تناصّ تحويل ...


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي-ظلي وأنا--نموذجا