أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة والشاعرة التونسية سوسن العوني موسوم ب-خرائط الأمومة..على الماء..-














المزيد.....

مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة والشاعرة التونسية سوسن العوني موسوم ب-خرائط الأمومة..على الماء..-


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 11:23
المحور: الادب والفن
    


هذا النص ليس مجرد كلمات تُقرأ،بل هو جرح يتنفّس،ونشيج يُلامس وتر الروح.
الكاتبة التونسية "سوسن العوني" تبني عالمها من مفارقات جميلة: تكتب الخرائط على الماء، وتضيء عظام الغياب بالكلمات،وتعيد ترتيب عاصفة.! واللغة هنا سائلة،انسيابية،تأخذك من حاسة إلى أخرى: من البصر (النجمة الساقطة،الخرائط) إلى اللمس (حوض البلّور،جيب المعطف) إلى التذوّق (جرعة الحبر،ابتلاع المسافة).
الصور الشعرية متكاثفة ومدهشة: "تركت الزمن ينزف على عتبات الفجر"، و"نواتَيْ جوزٍ يظنّونهما قلبي"، و"تقوم الفوضى كمن يُعيد ترتيب عاصفة بعد رحيل البحر".
كلها استعارات تجسّد حالة التيه الأمومي،ذلك الإحساس بالذوبان في ذاكرة الأبناء حتى تصير الأم مجرّد "حكاية تفتح نافذة كلّما أُغلقت السماء".
النص يبكي دون أن يبكي،يصرخ دون صوت.
إنه مرثية للأنثى التي أفنت عمرها في منح الحياة،حتى كادت تفقد ملامحها. "تاهت الطرقات في مراياها"-جملة خارقة،تعني أن الأم نفسها أصبحت متاهة،ولم يعد يعرفها سوى الأبناء حين يبحثون عنها في معطف قديم.
التكرار الحزين لأفعال البحث (أفتّش،أتبع،أُلملم، أظل أكتب) يوحي بعبثية جميلة،كمن يخيط الريح بإبرة من دخان.هذا هو جوهر التجربة: السعي المستحيل لالتقاط ما يتبقى منا،حين نصير "أطباقاً فارغة على مائدة الغياب".!

خرائط الأمومة..على الماء

منذُ أنْ سقطتْ آخرُ نجمةٍ من حوضِ البلّور...وأنا أفتّش عن نفسي في الخرائطِ التي رسمتها الأمومة على الماء..أُضيءُ عظامَ الغيابِ بحفنةِ كلماتٍ وأتبعُ أثرَ امرأةٍ مرّتْ من هنا..تركتْ الزمنَ ينزفُ على عتباتِ الفجر،تاهتِ الطرقاتُ في مراياها فلا أستيقظُ..إلّا في ذاكرةِ الأبناءِ..في جيبِ معطفٍ قديمٍ يبحثون عنّي..فيعثرون على نواتَيْ جوزٍ يظنّونهما قلبي...
من قلعة النّشيج أراقبُ أصابعَهم وهي تُربكُ الفوضى كمن يُعيدُ ترتيبَ عاصفةٍ بعدَ رحيلِ البحر
تمسحُ عنِ المائدةِ ما تبقّى من غبارِ الوقتِ..وتسألُ عن امرأةٍ كانت هنا منذُ قليل..امرأة خلطتِ الفجرَ بالليلِ حتى ضلّتِ الساعاتُ طريقَها..تركتْ قُبلتَها عالقةً في قشرةِ ثمرةٍ يابسةٍ كأنّها وشمٌ صغيرٌ،نسيهُ الخريفُ على إصبعِ شجرةٍ ميتةٍ...
ما الذي يتبقّى منّا حين نجوعُ إلى هذا الحدّ؟
حين تصيرُ أرواحُنا أطباقاً فارغةً على مائدةِ الغيابِ..وتنامُ أحلامُنا في قاعِ أكوابٍ منسيّةٍ كطيورٍ أرهقها التحليقُ؟..أُلملمُ شظايا الوقتِ المكسورِ.. أحاولُ أن أبتلعَ المسافةَ بجرعةِ حبرٍ واحدةٍ،لكنَّ العمرَ يسيلُ على الورقِ نهراً من ظلالٍ وأصواتٍ مؤجّلةٍ..أظلُّ أكتبُ..كأنّي أخيطُ الريحَ بإبرةٍ من دخانٍ..أرقّعُ الثقوبَ في معطفِ الكونِ القديمِ،بينما تمضي الحياةُ حافيةً فوقَ زجاجِ الساعاتِ..أذوبُ قليلاً قليلاً في ذاكرةِ الأبناءِ
حتى أصيرَ حكايةً تفتحُ نافذةً كلّما أُغلقتِ السماء...

سوسن العوني

في النهاية،تظلّ الكاتبة والشاعرة التونسية القديرة سوسن العوني تهمس في أذن القارئ: الأمومة ليست وصفة تُعطى،بل هي تضحية تُمحى فيها التفاصيل،حتى لا يبقى من المرأة سوى ظلّ في مرآة أطفالها.والنص يختزل حياة بأكملها في صورة مؤلمة وجميلة: امرأة تركت قُبلتها عالقة في قشرة ثمرة يابسة،كوشم صغير نسيه الخريف على إصبع شجرة ميتة.
لكن المعجزة أنها،رغم كل هذا التلاشي،تتحول إلى حكاية.والحكاية لا تموت.فالأبناء حين يفتشون عنها يعثرون على نواتي جوز-قاس من الخارج، لكنه يحمل بذرة حياة داخله.وهكذا هي الأم: حتى وهي تتفتت،تمنحهم جذورا.
القراءة لهذا النص ليست فعلا فكريا،بل هي تأبين روحي لكل امرأة ذابت في العطاء حتى صار وجودها كالزمن: لا يُمسك،لكنه لا يُنسى.وحين تنتهي من القراءة،تشعر أنك التقطت تلك النجمة الساقطة من حوض البلّور،واكتشفت أنها لم تكن تبحث عن السماء،بل كانت تضيء لك عتمتك.
وحين تنتهي منه(النص)،لا تخرج منه كما دخلت.تخرج مثقلا بأسئلة لا تجيبها المرايا،حاملا في جيبك ذلك المعطف القديم الذي ربما كان قلب أمك يوما.لأن سوسن العوني لا تكتب لتُفهم،بل لتُفجعك بجمال الفقد،وتُعلّمك أن الأمومة ليست غريزة،بل اختيار أن تصبح أنت الحكاية التي تُروى،ثم تختفي في تفاصيلها.
وهكذا،حين تذوب الأنثى في مراياها،لا تموت،بل تتحول إلى سؤال يظل يطرق جدران الذاكرة: هل الأمومة هزيمة جميلة أمام عربدة الحياة،أم أنها انتصار صامت لا يدرك عمقه إلا من تعلم كيف يبكي دون أن يراه أحد؟!
و تبقى سوسن العوني،بجرحها الشفيف،تذكرنا أن أجمل ما في المرأة أنها تستطيع أن تكون كونا بأسره،ثم تمحى كنجمة سقطت من حوض البلّور.. لكن ضوءها يظل يضيء خرائطنا الداخلية،حتى وإن كانت مرسومة على الماء.!
تحية إكبار وتقدير للكاتبة والشاعرة التونسية المبدعة سوسن العوني،التي تمتلك بصمة فريدة في الكتابة الأدبية،حيث تمزج بين العمق الإنساني والصورة الشعرية الصادمة في رقتها.
إنها امرأة تحوّل الجراح إلى لوحات كلامية، وتجعل من النص معبدا للحزن الجميل.
نقرأها فنتعلّم كيف نبكي بلا ضجيج،وكيف نعشق التفاصيل الصغيرة التي تصنع الخلود.
لها منّا كل الامتنان على هذا الغوص في أغوار الروح التونسية والعربية.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...
- حين تذوب الحدود بين الأسطورة والواقع،والحسي والمجرد.. قراءة ...
- قراءة أسلوبية نقدية-متعجلة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د- ...
- إتحاد الكتاب التونسيين..بين تداعيات الراهن ..وإستحقاقات المد ...
- -إن كان..ممكنا-..قصيدة موشحة بالإبداع، ومنبجسة من خلف الشغاف ...
- منزلة المرأة الفلسطينية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة ال ...
- قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشي ...


المزيد.....




- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...
- -الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال ...
- ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من ...
- فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف ...
- وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال ...
- من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت ...
- قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا ...
- المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة والشاعرة التونسية سوسن العوني موسوم ب-خرائط الأمومة..على الماء..-