أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجولة-في اللوحة الإبداعية للكاتب التونسي فتحي فرهود..














المزيد.....

-مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجولة-في اللوحة الإبداعية للكاتب التونسي فتحي فرهود..


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 10:40
المحور: الادب والفن
    


هذه القصة ليست مجرد سيرة ذاتية لامرأة قروية، بل هي نشيد تأبيني للحياة نفسها عندما تختار ألا تستسلم.الكاتب السامق فتحي فرهود لا يكتب هنا عن جدته فقط،بل يكتب عن قوس قزح انبثق من مطر الألم،عن تلك المرأة التي حوّلت الفقد إلى حضن،والترمّل إلى مملكة،والصمت إلى لغة أبلغ من الصراخ.
ما يذهل في السرد هو قدرة الكاتب على تقطير الصورة ليصنع من كلمات قليلة عالما كاملا: "قافلة من الصغار تتلمس خطاها بين أجنحة الحيرة"- هنا يصبح الأطفال ليسوا مجرد أيتام،بل مسافرين في صحراء الحياة،والأم ليست أما فقط،بل وطنا وجدارا وبوصلة.
واللافت أيضا ذلك الاختيار الدرامي المصيري بين قوسين: (الزواج).فالكاتب لم يقل إن المجتمع عرض عليها الزواج،بل جعل من "الزواج" نفسه وحشا هامسا،لتأتي جدته كفارس يهمس في أذن القدر: "أنا هنا..لأزرع الحياة من جديد".
إنه فعل تمرد صامت،لا يحتاج إلى هتافات،بل إلى نخلة ترفع رأسها في وجه الرياح.
كما أن الصور البلاغية هنا ليست زخرفا،بل عظام النص التي تقيمه: "امرأة من ضوء وصبر"، "تلوّنه العطر"، "سحابة من بركة تتهادى فوق ذاكرتنا"- كلها استعارات تحوّل الجدة من إنسانة إلى ظاهرة كونية،إلى أسطورة لا تموت لأنها صارت جزءا من ماء الوجه ووهج العيون.
تابعوا معي القصة ولكم حرية التفاعل والتعليق:

مسعودة فرهود..امرأة من ضوءٍ وصبر

"في ذاكرة العمر،تقف جدّتي مسعودة فرهود، رحمها الله،كنجمةٍ لا تنطفئ.كانت امرأةً تنهض من بين رماد الألم،وتشعل في قلب الحياة سراجا لا يخبو.رحل جدّي محمد وهي شابة في ربيعها، تاركا لها قافلة من الصغار تتلمس خطاها بين أجنحة الحيرة،فأضحت لهم وطنا من دفء وحنان،وجدارا من قوةٍ وصبر.
كانت الأم التي تهمس للحياة بأغاني الليل،والأب الذي يشحذ همم الأيام كي لا تسقط سفينة أبنائه في بحر الحاجة.وفي مجتمع لا يرحم ضعف المرأة ولا يمنحها حقّ القرار،رفعت رأسها كالنخلة في وجه الرياح،وقالت للقدر: “أنا هنا..لأزرع الحياة من جديد.”
رفضت أن تكتب لها الظروف نهاية مألوفة، (الزواج)فاختارت درب الكرامة وحدها،وسارت عليه بثوبِ النقاء وأجنحة الحكمة،حتى غدت حديثا للألسن: لم تكن رحمها الله امرأة عادية،بل أسطورة قروية تغمرها المهابة والاحترام.
ومع الأعوام،صار اسمها نغمة في شجرة العائلة، يلوّنه العطر كلما ذُكر،وكأن سيرتها سحابة من بركة تتهادى فوق ذاكرتنا.
جدّتي مسعودة…يا امرأةً من ضوءٍ وصبر،ما زال وهجك يسكن أعماقنا،وما زالت ملامحك تضيء وجوه أحفادك حين يشتدّ بهم الدرب.
رحمكِ الله يا من علّمتينا أن الصمت أحيانا أبلغ من كلّ كلام،وأن الكرامةَ لا تورث،بل تُغرس في الجينات كالنبع الذي لا ينضب."
(فتحي فرهود-باريس/ تطاوين )

الكلام على الكلام صعب..ولكأني بالكاتب يقول: وهكذا،يا جدتي،لم تكوني أرملة في قرية نائية،بل كنتِ أمّا لأمم بأكملها،قادرة على أن تلد من رحم الألمِ ألفَ صباح.لقد سلكتِ درب الكرامة وحدك، فإذا بكل أحفادك يسيرون خلفك في موكبٍ لا ينتهي،وكلّ يحمل شعلة من ضوئك،وكلّ يهمس في ليله: "لعلّني أكون جدتي يوم يضيق بي الطريق".
واليوم،حين ننظر في المرايا،لا نرى وجوهنا فقط، بل تطريزا خفيا لملامحك في حواجبنا وابتساماتنا.لقد علّمتِنا أن الكرامة ليست تاجا نرتديه،بل جذرا نغرسه في أرض لا تملكها الرياح. وأن الصمت ليس فراغا،بل سماء مكتظة بالنجوم لمن يعرف كيف يصغي.
نامي قريرة العين،يا من حوّلت الحكاية إلى إنجيل صغيرٍ من صبر وتراب،فأنت الآن لستِ في القبر، بل في كل نبضة قلب تقول للحياة: "لا ترحلي،فما زلتُ هنا".
الأستاذ فتحي فرهود،المقيم في باريس،لكنه لم يُغادر تونس أبدا،لأنه حملها في نبضه وكلماته.
أنت أيها المبدع السامق تمتلك تلك القدرة النادرة على تحويل الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة جمعية، بحيث يشعر كل قارئ أن جدته هي مسعودة،وأن حكايته هي حكايتك.
ما أذهلني في كتابتك هو هذا التوازن العجيب بين الشفافية التي تلامس الروح،والفخامة التي لا تثقل النص.
أنت تعرف متى تترك الريح تعصف بالجملة،ومتى تمنح القارئ فاصلة ليتنفس.وهذه ليست موهبة فقط،بل صنعة عالية تأتي بعد سنوات من الإخلاص للحرف.
أكتب،يا مبدعنا السامق،ولا تتوقف.لأن ما تملكه من مكتسبات إبداعية راقية،ليس وساما تعلقه على صدرك،بل أمانة في عنقك لمن لا يملكون صوتا غير صوتك.وامنحنا المزيد من مسعودة،ومن ضوء التونسيات اللواتي يشبهنها،لأن العالم بحاجة إلى هذه النماذج التي تثبت أن الأمومة يمكن أن تكون فلسفة،والصبر يمكن أن يكون ثورة صامتة.
بارك الله في قلمك،يا فتحي فرهود،وجعل سيرتك مثل سيرة جدتك: نخلة في وجه الرياح،وطوق نجاة من ضوء.
وهكذا،"يا مسعودة" لم تموتي حين غادرتِ الجسد، بل ولدتِ ألف مرة في كل حرف كتبه حفيدك، وفي كل دمعة جفت على خد قارئ أمسى يؤمن أن المستحيل مجرد كلمة اخترعها الضعفاء.لقد علّمتِنا أن أقوى النساء ليست من لم تسقط،بل من سقطت كل الأرامل حولها،فنهضت وحدها،تحمل على ظهرها قافلة من أمل لا ينتهي.
الآن،حين نرفع رؤوسنا عاليا،نعرف أننا لا نرفعها وحدنا،بل بكِ أنتِ،يا من صرْتِ سقف السماء لمن لا سقف له..



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...
- حين تذوب الحدود بين الأسطورة والواقع،والحسي والمجرد.. قراءة ...
- قراءة أسلوبية نقدية-متعجلة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د- ...
- إتحاد الكتاب التونسيين..بين تداعيات الراهن ..وإستحقاقات المد ...
- -إن كان..ممكنا-..قصيدة موشحة بالإبداع، ومنبجسة من خلف الشغاف ...
- منزلة المرأة الفلسطينية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة ال ...
- قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشي ...
- قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -ظلال ...
- تجليات البلاغة والسحر والبيان..في قصائد الشاعر التونسي الكبي ...
- تجليات الإبداع..في أفق الكون الشعري للشاعرة التونسية أ-نعيمة ...


المزيد.....




- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...
- الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2 ...
- 4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب ...
- أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد ...
- المفكر الإيراني حميد دباشي:المعارف الحقيقية تُولد من تحت أنق ...
- أمسية ثقافية لمناقشة كتاب -اللغة العربية كائن حي- في اثينا
- المقاصد الكبرى للحج.. رحلة في معاني المناسك مع برنامج أيام ا ...
- بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات الم ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجولة-في اللوحة الإبداعية للكاتب التونسي فتحي فرهود..