أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي السامق خالد الساسي - طموح عربي-















المزيد.....

طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي السامق خالد الساسي - طموح عربي-


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 23:41
المحور: الادب والفن
    


-إننا أمَّةٌ لو جهنّم صُبَّت على رأسِها واقفةما حنى الدهرُ قامتَها أبداً/إنما تنحني لتُعينَ المقاديرَ إن سقطت أن تقومَ/تتمُّ مهمّاتِها الهادفة..( مظفر النواب)

إنّ الشعر ليس مجرد كلمات تتراصف على سلّم القوافي،بل هو نبض الضمير الجمعي،ومرآة الأمة تعكس آلامها وآمالها،ووثيقة وجودها النابض بالحياة.وفي زمن تكاثرت فيه الأزمات،وترنحت فيه الأحلام بين جبروت الواقع وخذلان الإرادات، تظلّ القصيدة الموحية كالنخلة في الصحراء، تعطي الظل والتمر على طريق طويل من الرمضاء. ومن هذا المنطلق،نقف اليوم متأملين ومُعْلنين الإعجاب أمام واحدة من أروع القصائد التي حملت همّ النهضة والكرامة الإنسانية،إنها قصيدة "طموح عربي" لشاعرنا التونسي الكبير الأستاذ خالد الساسي،الذي استطاع بحرفيته العالية وعمقه الفلسفي أن يصوغ من الحرف سيفا ومحرابا،وأن يجعل من الطموح قضية وجود،لا ترفا فكريا ولا شعارا عابرا.
فهذه القصيدة ليست مجرد نصوص تُتلى،إنها بيان أخلاقي،ووثيقة سياسية روحية،ونبض عروبي أصيل،يخرج من أعماق شاعر تونسي تأثر بتاريخ أمته المجيد وتطلع إلى مستقبلها المنشود.
إن الشاعر السامق خالد الساسي،بهذا العمل،لم يكتب لذاته،بل كتب لأمته،وأهدى قصيدته إلى كل عربي حُرّ،يعرف أن الحياة بلا طموح كالجسد بلا روح،وأن العيش الكريم لا يتحقق إلا بفكرة تسمو على التراب،وهمّة تعانق السماء.
سنقرأ اليوم هذه القصيدة قراءة تعبيرية عميقة، نتلمس فيها معاني العزة والعدل ومحاسبة الحاكم والناهض على حد سواء،ونتوقف عند كل صورة شعرية لنستخرج كنوزها الدلالية.


طموح عربي

طمحت وأطمح طول العمرْ

بعيش كريم لكل البشرْ

فما قيمة العيش دون طموح

يعانق نجما وراء القمرْ

فبالأمنيات نعلّي الصّروح

ويسهل كلّ الصّعيب العسرْ

جميع المزايا بدت بالطّموح

وقد باركتها أيادي القدر

طموحي يسود الحياة السّلام

فلن يلحق الناس أي ضررْ

طموحي تضامن كل العرب

وحكّامهم عدلهم ينتشرْ

يراعون في الله حقّ العباد

كما كان بالأمس عدل عُمَْرْ

وياويح من ملكته الشّرور

وحام بآتونها المستعر

فيجني الذنوب وخزيا وعارا

ويوم الحساب بنار سقرْ

فبئس الكراسي وبئس المناصب

إذا ما الزعيم توخّى الحذرْ

وبئسا لإنسان دوما يؤوسا

قنوعا ويتبع مثل البقرْ

فما العمر إلاّ اجتهاد وحلم

يعلّي الطَّموح لأعلى السُّررْ

(خالد الساسي)

المقطع الأول: الطموح المستمر والكرامة الإنسانية
يبدأ الشاعر بعنفوان المؤمن بقضيته: "طمحت وأطمح طول العمر / بعيش كريم لكل البشر". إن تكرار فعل "طمحت وأطمح" بإسناده إلى زمنين (الماضي والحاضر) ويمتد بـ"طول العمر" ليؤكد أن الطموح ليس حالة لحظية،بل سيرة حياة مستمرة، وليس أنانية فردية،بل مشروع إنساني شامل "لكل البشر".ثم يطرح الشاعر سؤالا وجوديا جوهريا: "فما قيمة العيش دون طموح / يعانق نجما وراء القمر".هنا،يرتقي بالطموح إلى مصاف الخيال المُبدع،حيث النجوم التي تطالها الأيادي ليست كافية،بل لا بد من طموح يعانق ما وراء القمر،أي المطلق والمستحيل الممكن بالإرادة.والصور الشعرية هنا متدفقة: "بالأمنيات نعلّي الصروح" فالصروح العظيمة ليست من حجر فقط،بل هي أمنيات متحولة إلى واقع،و"يسهل كل الصعيب العسر"؛ إنه قانون الجهد والنفس المطمئنة.ويختم هذا المقطع بتأكيد إلهي: "جميع المزايا بدت بالطموح / وقد باركتها أيادي القدر"،فالطموح هو مفتاح بركة السماء والأرض معا.
المقطع الثاني: الطموح السلمي والعدالة العربية،
ينتقل الشاعر من الطموح الفردي إلى الطموح الجمعي،فيحدد غاية نبيلة: "طموحي يسود الحياة السلام / فلن يلحق الناس أي ضرر". إنه طموح سلام لا حرب،بناء لا هدم.لكن هذا السلام لا يتحقق في فراغ،بل عبر مشروع عروبي واضح ومحدد: "طموحي تضامن كل العرب / وحكامهم عدلهم ينتشر". هنا يعلن الشاعر موقفه السياسي الواعي: أن الحل هو في التضامن العربي الجامع والعدالة النابعة من الحكام.ثم يستدعي الشاعر أسمى نموذج في تاريخ العدالة الإسلامية والإنسانية: "يراعون في الله حق العباد / كما كان بالأمس عدل عُمَرْ". إن استحضار شخصية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-في قصيدة عربية معاصرة هو إعلان عن مرجعية أخلاقية وحضارية،وإشارة إلى أن العدالة ليست مستحيلة، بل كانت واقعا تاريخيا يمكن استعادته.
المقطع الثالث: الوعيد للظالم والمستبد
بعد رسم صورة المثَل الأعلى للعدالة،يلتفت الشاعر بغضبة نبي إلى الجانب المظلم،حيث الحكام الذين انحرفوا عن الجادة: "ويا ويح من ملكته الشرور / وحام بآتونها المستعر"، إنه دعاء وعيد وتهديد. "فيجني الذنوب وخزيا وعارا / ويوم الحساب بنار سقر".هنا يرتقي النقد السياسي إلى مستوى النقد الديني والأخروي،حيث ينتظر الظالم عذابا مزدوجا: عار الدنيا وخزيها،ونار الآخرة.ويكمل الشاعر نقده اللاذع للمناصب والكراسي إذا تحولت إلى أوكار للحذر والخوف لا مواقع للبناء: "فبئس الكراسي وبئس المناصب / إذا ما الزعيم توخى الحذر". فالزعيم الحقيقي هو الذي يخاطر ويثور ويقدم مصلحة الأمة على سلامته الشخصية.
المقطع الرابع: ذم القناعة السلبية وحث على الاجتهاد
لا يقتصر نقد الشاعر على الحكام المستبدين،بل يمتد إلى الرعية الخاملة،فيوجه سهام نقده لمن يؤثرون القعود ويسمونه "قناعة": "وبئسا لإنسان دوما يؤوسا / قنوعا ويتبع مثل البقر".إنها صورة قاسية لكنها صادقة،للمستسلم اليائس الذي قنع بالذل،فحوله تشبيهه إلى بهيمة تساق.وهنا تتجلى عبقريّة الشاعر في معالجة المرض من جذريه: الاستبداد من فوق،والاستسلام من تحت.ثم يختم هذا المقطع بتأكيد أن العمر الحقيقي ليس عدد سنوات،بل حصيلة "اجتهاد وحلم"، وهما وجهان لعملة واحدة: الاجتهاد دون حلم قسوة،والحلم دون اجتهاد وهم.
والخلاصة: أن الطموح هو ما يرفع الإنسان إلى أرفع المراتب: "يعلّي الطموح لأعلى السُرر".
في نهاية هذه الوقفة المتأملة مع قصيدة "طموح عربي" للشاعر التونسي الكبير خالد الساسي، نخرج وقد امتلأت صدورنا بنسمات الأمل،واتقدت في قلوبنا جذوة الإرادة.إنها قصيدة كتبت بمداد النخوة والعروبة،وصيغت بنار الألم وأجنحة الحلم. والشاعر خالد الساسي لم يقدم لنا قصيدة جميلة فقط،بل قدّم لنا "منهاج حياة"،ووثيقة أخلاق، ودستورا للنهضة من الداخل إلى الخارج.إنه يذكر الحكام بواجباتهم،والشعوب بمسؤولياتها،ويجعل من "العدل العمري" حلما ممكنا، ومن "السلام الكريم" غاية لا محيد عنها.
إن هذه القصيدة ليست للقراءة فقط،بل للعيش بها والقتال من أجلها.فتحية إجلال وإكبار وتقدير للشاعر التونسي القدير الأستاذ خالد الساسي،هذا الفارس الذي امتطى صهوة الكلمة،فحلّق بها في سماء المعاني،وأودعها روح تونس الشامخة وعروبة الأمس الواعد.ليبقى شعره نبراسا يضيء دروب التعب،وليبقي طموحه مدادا يكتب على جدران الزمن: نحن أمة لا تعرف المستحيل، ومستقبلها ما زال في عناقيد النار.فشكرا له على هذا العطاء،وشكرا للكلمة العربية التي تنتفض حين يُظن بها الموت،فتثبت أنها باقية ما بقي طموح عربي يخفق في الوريد.
وهكذا،يبقى "طموح عربي" لخالد الساسي أكثر من قصيدة،إنه وصية مضيئة في جبّ الزمن، ونبض لا يهدأ يذكّرنا أن المجد لا يُورث ولا يُستجدى،بل يُبنى بملح الأرض ودماء الأمل.فكلما تاه بنا الواقع،عدنا إلى هذه الكلمات فإذا فيها بوصلة النهضة ودفء الكرامة.فلنحمل هذا الطموح كما حملَه الشاعر: سيفا لمحاربة اليأس،ومحرابا للصلاة في محراب الغد الأجمل.
وعاشت الكلمة العربية التي ذُبحَت وجنّت وجاعت..ولم تنتحر بعد..



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...
- حين تذوب الحدود بين الأسطورة والواقع،والحسي والمجرد.. قراءة ...
- قراءة أسلوبية نقدية-متعجلة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د- ...
- إتحاد الكتاب التونسيين..بين تداعيات الراهن ..وإستحقاقات المد ...
- -إن كان..ممكنا-..قصيدة موشحة بالإبداع، ومنبجسة من خلف الشغاف ...
- منزلة المرأة الفلسطينية في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة ال ...
- قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشي ...
- قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -ظلال ...
- تجليات البلاغة والسحر والبيان..في قصائد الشاعر التونسي الكبي ...


المزيد.....




- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...
- تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب ...
- أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
- قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته ...
- الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2 ...
- 4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب ...
- أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي السامق خالد الساسي - طموح عربي-