أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - حين يتحوّل الحزن إلى قصيدةٍ من نور..قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي - إلى أبي الراحل --نموذجا














المزيد.....

حين يتحوّل الحزن إلى قصيدةٍ من نور..قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي - إلى أبي الراحل --نموذجا


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 09:59
المحور: الادب والفن
    


"


إلى أبي الراحل

رحلتَ،وفي القلبِ نارُ الفجعْ | وفي الدمعِ صبرٌ كليلٌ خَشَعْ
تركتَ الفراغَ،ومنكَ الشعورُ | كظلٍّ على القلبِ لمّا رجعْ
سكنتَ الجوانحَ سحرًا جميلًا | يطوفُ الفؤادَ كنورِ الشمعْ
وذكراكَ عطرٌ يفيضُ الحنينَ | كأنّكَ في الروحِ نبضُ الضلعْ
رأيتُكَ فخرًا،وكنتَ الملاذَ | إذا ضاق صدري،فأنتَ الفَرَعْ
ووجهُكَ في الحزنِ ضوءٌ تسامى | يُضيءُ الليالي ويمحو الوجعْ
أبي،لو رأيتَ انكساري الكبيرَ | لعُدتَ إلينا كنجمٍ سطعْ
ولكنَّ دربَ الرحيلِ طويلٌ | ومن سلكوهُ،قلَّ من رجعْ
ستبقى لنا نورَ روحٍ ونبضًا | وإن طالَ بينَ الورى المنقطعْ
فأنتَ الحكايا،وأنتَ البدايةْ | وما كنتَ يومًا حديثَ الودعْ
غرستَ القلوبَ حنانًا ونورًا | فأينَ المثيلُ لذاكَ الزرعْ
إذا مرَّ طيفُكَ في خاطري | تهدَّل دمعي،وخفَّ السمعْ
كأنَّكَ تنبضُ في كلِّ نفسٍ | وتسري بقلبي كنجمٍ لمعْ
أبي،ما تغيَّرتَ في داخلي | كأنَّكَ ما غبتَ،ما قد وقعْ
فأنتَ البقاءُ،وإن غبتَ عنَّا | وفيكَ اشتياقي،إليكَ الطمعْ
دعائي إليكَ يرافقُ فجري | وفي الليلِ يسري،كنهرٍ دفعْ
سلامٌ عليكَ،وسِترُ الجِنانِ | عسى اللهُ في ظلِّكَ المُتَّسعْ
طاهر مشي

ليست قصيدة "إلى أبي الراحل" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي مجرّد مرثية تقليدية تُسكب فيها الدموع على رحيل الأب،بل هي رحلة وجدانية عميقة داخل ذاكرة الابن،حيث يصبح الغياب حضورا آخر،ويغدو الموت فاصلا جسديا لا يستطيع أن ينتزع الراحل من القلب.
منذ المطلع،يدخلنا الشاعر إلى عالم الفجيعة دون مقدمات طويلة أو تكلّف لغوي،قائلا:
"رحلتَ،وفي القلبِ نارُ الفجع
وفي الدمعِ صبرٌ كليلٌ خَشَعْ"
إنها صورة تختزل التناقض الإنساني العميق الذي يرافق الفقد: نار تشتعل في القلب،ودمع يحاول أن يتجلّد بالصبر.فالحزن هنا ليس صراخا عابرا،وإنما وجع داخلي هادئ،ثقيل،منكسر أمام حقيقة الرحيل.
وتتواصل القصيدة في بناء صورة الأب،لا باعتباره شخصا غاب وانتهى حضوره،بل باعتباره ملاذا وذاكرة ونورا وحنانا.يقول الشاعر:
"رأيتُكَ فخرًا،وكنتَ الملاذَ
إذا ضاق صدري،فأنتَ الفَرَعْ"
وهنا تتجلّى قيمة الأب في الوجدان الإنساني،فهو ذلك السند الذي لا يُدرك الإنسان عظمة وجوده أحيانا إلا حين يرحل،فيتحول حضوره السابق إلى فراغ هائل،لا تستطيع الأيام أن تملأه.
ومن أجمل ما في النص أنّ الشاعر لا يستسلم لفكرة الموت باعتبارها نهاية مطلقة،بل يقاومها بالشعر والذاكرة والحنين.فالأب يسكن الجوانح، وذكراه تفوح عطرا،ووجهه يتحول إلى ضوء يبدد العتمة:
"ووجهُكَ في الحزنِ ضوءٌ تسامى
يُضيءُ الليالي ويمحو الوجع"
إنها صورة شعرية بالغة الدلالة،فالمفارقة هنا مؤثرة جدا: الأب الغائب هو الذي يضيء ليالي الابن،والراحل هو الذي يخفف وجع الباقي.وكأن الحب الحقيقي يمتلك قدرة غريبة على الانتصار على الموت،فيبقى الإنسان حاضرا في الأرواح حتى وإن غاب عن العيون.
وتبلغ القصيدة ذروة وجدانها في هذا النداء المفعم بالعجز والاشتياق:
"أبي،لو رأيتَ انكساري الكبيرَ
لعُدتَ إلينا كنجمٍ سَطَعْ"
في هذا البيت تتكثف مأساة الفقد كلها،فالابن لا يطلب المستحيل بقدر ما يعبّر عن أمنية إنسانية يعرف في أعماقه أنها لن تتحقق.إنه يتمنى عودة الأب،لا لأن الموت قابل للهزيمة،بل لأن القلب،حين ينكسر،يظل يبحث عن اليد التي اعتاد أن تستره وتطمئنه.
كما يحضر في النص بوضوح البعد الإيماني، خاصة في خاتمته،حيث يتحول الحنين إلى دعاء، وتتحول الدموع إلى رجاء:
"سلامٌ عليكَ،وسِترُ الجِنانِ
عسى اللهُ في ظلكَ المُتّسِعْ"
وهذه النهاية تمنح القصيدة بعدا روحيا جميلا، فالشاعر،بعد أن طاف طويلا في أروقة الحزن والذكرى والاشتياق،لا يجد أصدق من الدعاء ليقدمه إلى أبيه.وهنا يسمو الرثاء من حدود الألم الشخصي إلى أفق الرحمة الإلهية.
فنيا،تعتمد القصيدة لغة سلسة قريبة من القلب، دون أن تفقد شعريتها،وتقوم على شبكة من الصور المضيئة: النور،الشمع،النجم،العطر،النبض،الظل. وهي صور تتكرر لتؤكد فكرة أساسية مفادها أن الأب لم يختف تماما،بل انتقل من حضور الجسد إلى حضور الروح.
أما التكرار اللافت لكلمة "أبي"،فهو ليس مجرد تكرار لفظي،بل هو نداء متواصل إلى الغائب، ومحاولة شعرية للإبقاء على خيط التواصل بين عالمين فرّق بينهما الموت وجمع بينهما الحب.
إن قصيدة "إلى أبي الراحل"نصّ مشبع بالصدق الوجداني،ولذلك يصل سريعا إلى القارئ.فالشاعر لا يتحدث عن أبيه وحده،بل يوقظ في كل قارئ ذاكرة أبيه،ويعيد إلى القلب تلك اللحظة القاسية التي ندرك فيها أن بعض الأحبة،وإن رحلوا، يتركون وراءهم عمرا كاملا من الحنين.
ختاما...
مرة أخرى يؤكد الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي أن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون مؤثرا،وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تحمل وجع الإنسان وتحوّله إلى جمال خالد.
لقد كتب عن أبيه بقلب الابن المكلوم،وبحسّ الشاعر المرهف،فكانت القصيدة وفاء جميلا لمن غاب جسدا وبقي روحا وذكرى.
رحم الله والد الشاعر طاهر مشي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته،وجعل ما تركه في قلب أبنائه من محبة وذكرى طيبة نورا لا ينطفئ.
أما شاعرنا السامق،د-طاهر مشي،فله كل التقدير والإشادة،شاعرا تونسيا كبيرا يمتلك حسا إنسانيا رقيقا وقدرة جميلة على تحويل الألم إلى قصيدة، والحنين إلى لغة،والدمعة إلى أثرٍ أدبي يبقى في القلب.
وفي النهاية،تبقى قصيدة "إلى أبي الراحل"أكثر من مجرد رثاء،إنها شهادة حب ووفاء،كتبها الشاعر من عمق الفقد،فحوّل دمعة الابن إلى قصيدة، ووجع الغياب إلى حضور لا ينطفئ.
مجددا،رحم الله والد الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي رحمة واسعة،وأبقى في قلب شاعرنا الكبير ذلك النور الجميل الذي جعل من الحنين شعرا،ومن الوفاء أثرا خالدا في الوجدان.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونس ...
- قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فت ...
- قراءة جمالية في قصيدة -أبي- للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي ...
- حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشا ...
- مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت: قراءة في جسد الوطن والخراب ...
- (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود.. ...
- مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة ...
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - حين يتحوّل الحزن إلى قصيدةٍ من نور..قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي - إلى أبي الراحل --نموذجا