أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي-حبري الأسود-- نموذجا..














المزيد.....

حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي-حبري الأسود-- نموذجا..


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 15:40
المحور: الادب والفن
    


حبري الأسود

حبري الأسود،
ولا يكتب إلا رثاء الأوطان،
كلما هممتُ أن أرسم وردةً
خرجت من بين أصابعي
خريطةُ وجع،
وكلما أردتُ أن أكتب عن الفرح،
تعثّرت الكلمات
في جنازةِ مدينة.
حبري أسود،
لأن الأوطان التي أحببتها
لم تعد تشبه أحلامنا،
ولأن النوافذ التي كانت تطلّ على الغد
أُغلقتْ،
وبقيتُ أكتب على جدار الذاكرة
أسماء الذين رحلوا
وأسماء الذين ما زالوا ينتظرون.
حبري الأسود،
ولا يكتب إلا رثاء الأوطان...
لكنني، رغم كل هذا السواد،
أترك في آخر السطر
نقطةً من ضوء،
لعلّ وطنًا ما
يقرأها ذات صباح
ويعود.

طاهر مشي

ليست قصيدة "حبري الأسود" للشاعر التونسي القدير د.طاهر مشي مجرّد شكوى شاعر من زمن مثقل بالخيبات ومفروش بالرحيل،بل هي كتابة في معنى الوطن حين يتحوّل من حلم جماعي إلى جرح مفتوح،ومن فضاء للفرح والرجاء إلى ذاكرة مثقلة بأسماء الراحلين والمنتظرين.
منذ العتبة الأولى: "حبري الأسود"،يضع الشاعر القارئ أمام لون ليس لون الحبر فحسب،وإنما لون المرحلة التي يكتب منها.فالأسود هنا علامة على الحزن،والفقد،والانكسار،لكنه أيضا لون الذاكرة حين تصبح الكتابة محاولة لحفظ ما يتداعى من حولنا.
واللافت فنيا أن الشاعر يجعل الحبر شخصية شعرية فاعلة؛ فهو الذي يختار ما يُكتب،وهو الذي يرفض أن يستجيب لرغبة الشاعر..يقول:
"كلما هممتُ أن أرسم وردة
خرجت من بين أصابعي
خريطةُ وجع"
وهنا تتجلّى مفارقة شعرية شديدة الجمال: الوردة رمز الفرح والحياة،تتحوّل تحت ضغط الواقع إلى خريطة وجع.وكأن الوطن نفسه لم يعد يسمح للشاعر بأن يرسم الأشياء كما يتمنى،بل يفرض عليه أن يرسمها كما هي.
وتتعمق المفارقة في قوله:
"وكلما أردتُ أن أكتب عن الفرح،
تعثّرت الكلمات
في جنازةِ مدينة"
فالفعل "تعثّرت" شديد الدلالة،إذ لا تموت الكلمات، وإنما تتعثر.وهذا يعني أن الفرح لم يُمحَ نهائيا، لكنه أصبح عاجزا عن الوصول،محاصرا بجنازات المدن وخراب الأحلام.
وفي المقطع الثاني ينتقل الشاعر من الخاص إلى العام،ومن تجربته الكتابية إلى سؤال الوطن:
"لأن الأوطان التي أحببتها
لم تعد تشبه أحلامنا"
إنها جملة تختصر مسافة شاسعة بين الوطن كما حلمنا به،والوطن كما آل إليه الواقع.وهنا لا يرثي الشاعر أرضا جغرافية فحسب،وإنما يرثي صورةً مثالية للوطن كانت تسكن الوجدان.
أما الصورة الأشد إيحاء فهي:
"النوافذ التي كانت تطلّ على الغد
أُغلقتْ"
فالنافذة ليست مجرد تفصيل مكاني،إنها استعارة للأمل والانفتاح والمستقبل.وإغلاقها يعني أن الغد لم يعد مرئيا،وأن الإنسان أصبح محاصرا داخل حاضر كثيف العتمة.
ثم تأتي الكتابة على "جدار الذاكرة" لتمنح القصيدة بعدا توثيقيا وإنسانيا بالغ القوة:
"أسماء الذين رحلوا
وأسماء الذين ما زالوا ينتظرون."
وهنا يتسع معنى الرثاء.فالشاعر لا يرثي الموتى وحدهم،وإنما يرثي أيضا الأحياء الذين يعيشون على حافة الانتظار.والمفارقة بين "رحلوا" و"ينتظرون" تختصر مأساة وطن موزع بين من غادروا الحياة ومن ينتظرون خلاصا قد لا يأتي.!
ومن الناحية الفنية،ينجح الشاعر في بناء القصيدة على التكرار الدائري لعبارة "حبري الأسود"،فتعود العبارة كأنها لازمة حزينة،تربط المقاطع ببعضها وتمنح النص إيقاعه الداخلي.كما أن القصيدة تعتمد على الرمز والصورة والمفارقة أكثر من اعتمادها على المباشرة والخطابة،وهو ما جعل خطابها السياسي والوطني يتحول إلى تجربة شعرية قابلة للتأويل.
غير أن أجمل ما في النص،وربما أكثره إنسانية،أن الشاعر لا يستسلم للسواد كاملا.ففي خاتمة القصيدة يحدث الانقلاب الدلالي:
"لكنني،رغم كل هذا السواد،
أترك في آخر السطر
نقطةً من ضوء"
هنا ينتصر الشاعر على الحبر الذي اختاره أسود. فـ"قطة الضوء"الصغيرة تصبح نقيضا لكل ما سبقها من عتمة،لكنها ليست ضوءا صاخبا أو وعدا جاهزا بالخلاص،إنها مجرد نقطة،أي أمل متواضع، هشّ،لكنه عنيد.ثم يبلغ النص ذروته في قوله:
"لعلّ وطنا ما
يقرأها ذات صباح
ويعود."
إنها خاتمة تختزل فلسفة القصيدة كلها.فالوطن لا يعود بالضرورة إلى جغرافيته،وإنما يعود إلى معناه،إلى صورته التي حلم بها أبناؤه،إلى كرامته، وإلى قدرته على منح الإنسان نافذة نحو الغد.
والشاعر هنا لا يكتب الرثاء ليعلن موت الوطن، وإنما يكتب الرثاء كي يستنقذ ما تبقى منه.وهذا هو الفارق بين شاعر يندب الخراب وشاعر يحوّل الخراب إلى شهادة،والشهادة إلى ذاكرة،والذاكرة إلى أمل.
في "حبري الأسود" لا يكون السواد خاتمة الطريق، بل امتحانا للضوء.ود.طاهر مشي يكتب وطنه بمداد الوجع،لكنه يرفض أن يضع النقطة الأخيرة فوق صفحة اليأس،فيترك في آخر السطر نافذة صغيرة للعودة.ولعل أجمل ما تقوله القصيدة إن الوطن قد يغيب عن أعيننا،وقد تتكسر صورته في الواقع،لكنّه لا يموت ما دام هناك قلم يكتب اسمه بحزن،وقلب ينتظره بضوء لا ينطفئ.
وفي النهاية،يثبت الشاعر التونسي السامق د. طاهر مشي أن الشعر حين يصدر عن وجع صادق، يتحول من كلمات على الورق إلى نبض يسكن الذاكرة.لقد أثبت حضوره شعريا وأدبيا وإبداعيا، ورسّخ لنفسه مكانا جديرا على خريطة الإبداع التونسي والعربي،بما يمتلكه من حسّ شعري رفيع، وصورٍ موحية،ولغة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني دون أن تفقد جمالها.
إنه شاعر لا يكتب السواد استسلاما للعتمة،بل يكتبه بحثا عن الضوء،ولا يرثي الأوطان ليعلن موتها،وإنما ليوقظ فينا حنين العودة إليها.
ومن هنا تأتي قيمة تجربته: شعرية ناضجة، وإبداع أصيل،وصوت تونسيّ يعرف كيف يجعل من وجع الوطن قصيدة،ومن القصيدة نافذة مفتوحة على الأمل..



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فت ...
- قراءة جمالية في قصيدة -أبي- للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي ...
- حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشا ...
- مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت: قراءة في جسد الوطن والخراب ...
- (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود.. ...
- مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة ...
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...
- الشاعرة والكاتبة التونسية جميلة عبسي: حين تكتب المرأة بمداد ...
- الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة -متى يطرق الربيع ب ...
- على هامش ذكرى الثورة التونسية المجيدة لينشغل -أهل الربيع الع ...


المزيد.....




- -كأن شيئاً لم يكن-.. قراءة في تجربة مسرحية مصرية تمزج بين تش ...
- السعودية حاضرة بقوة.. 10 آلاف شاب من 191 دولة يشاركون في مهر ...
- المجري بيتر ناداس.. رحيل كاتب جعل الذاكرة جسداً والتاريخ حيا ...
- رحيل يايوي كوساما عن عمر 97 عامًا.. فنانة حوّلت الهلوسات إلى ...
- بعد 20 عاما في المنفى.. الموسيقار الإيراني محسن نامجو يعود إ ...
- التعليم العالي: طالبة من جامعة عين شمس تحصد المركز الأول عال ...
- مقاطعة كراسنودار تنضم إلى مشروع -العمر الثقافي المديد-
- بوتين يؤكد أهمية الإعلام في تعزيز الوحدة الوطنية ونشر القيم ...
- التعليم العالي: جامعة الملك سلمان الدولية تنظم ورشة «اكتشف ا ...
- -سباسات أغسطس-.. ثلاثة أعياد بطعم العسل والتفاح والجوز في رو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي-حبري الأسود-- نموذجا..