أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - حين يرمي العاشق..للأشواق منديلا..! قراءة في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -رميت للأشواق منديلي-















المزيد.....

حين يرمي العاشق..للأشواق منديلا..! قراءة في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -رميت للأشواق منديلي-


محمد المحسن
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 15:06
المحور: الادب والفن
    


رميت للأشواق منديلي

هذا فؤادي
غريقٌ عاشقٌ دنفُ
لكنهُ أبداً
ما قالَ أهواكا

يُخفي هواكَ
بنبض صامت قلق
كأنّما النارُ
في الوجدان
تُغشاكا

كم مرّ طيفُكِ
في خلدي فأنكرهُ
خشيةَ هجر،
وعيني
تذرو أشواكا

أهواكِ،
واللهِ
هذا القلبِ منفطر
لكنني قلق،
أخشاها ذكراكا

فكيف أبوحُ؟
وفي عينيكِ موعظتي
لو شئتِ،
بحت
ونبض القلب أفناكا

يا ليتَني
كنتُ مثل الغيمٍ،
أرتحلُ
لايقوى
نور النجم تضليلي
أمشي إليه،
سجينا أقتفي ظلي
لاأبرح البوح،
والأطياف تشكي إلي

لم أدرِ
أنَّ الحبِّ يملكني
قد ظلُّ
في الأحلام قنديلي
نورا
إذا ما الشوق
أدركني
فرميت
للأشواق منديلي

طاهر مشي

في هذه القصيدة،لا يكتب د.طاهر مشي الحب بوصفه اعترافا عاطفيا مباشرا فحسب،وإنما يكتبه بوصفه صراعا داخليا بين الرغبة في البوح والخوف من انكشاف القلب.فالعاشق هنا لا يقف خارج تجربته ليتأملها،بل يغرق في أعماقها حتى يصبح الحب حالة وجودية تستولي على الجسد والذاكرة والخيال واللغة.
منذ المطلع:
"هذا فؤادي
غريقٌ عاشقٌ دنفُ
لكنهُ أبداً
ما قالَ أهواكا"
نحن أمام مفارقة شعرية لافتة: قلب غريق في الحب،ولسان يرفض الاعتراف به.ويمنح الشاعر القلب سلطة الكلام،لكنه في الوقت نفسه يضع أمامه حاجز الصمت.! وهنا تتأسس القصيدة على ثنائية ستظل حاضرة إلى نهايتها: الحب والإنكار، البوح والخوف،الاقتراب والفرار..!
ولعل أجمل ما في التجربة أن الشاعر لا يلجأ إلى الصخب العاطفي،بل إلى اقتصاد لغوي يجعل الهمس أكثر تأثيرا من الصراخ.يقول:
"يُخفي هواكَ
بنبض صامت قلق
كأنّما النارُ
في الوجدان
تُغشاكا"
إنها صورة تجمع بين النار والصمت والنبض،فالنار مشتعلة في الداخل،لكن الخارج لا يكشف شيئا. والحب عنده ليس وردة مكتملة البهجة،بل نار مستترة،تتوهج في الوجدان وتبحث عن منفذ إلى الكلام.
ويبلغ هذا الصراع ذروته حين يقول:
"كم مرّ طيفُكِ
في خلدي فأنكرهُ
خشيةَ هجر،
وعيني
تذرو أشواكا"
فالطيف،وهو أحد أقدم رموز الشعر العاطفي، يتحول هنا إلى كائن يوقظ الخوف بقدر ما يوقظ الحنين.وما أجمل أن يجعل الشاعر العين تذرف الأشواك،فالعين لا تبكي ماء،وإنما تبكي ألما.إنها استعارة مكثفة تختزل مرارة الحب حين يصبح الحنين نفسه مصدرا للوجع.
ثم تأتي لحظة الاعتراف الأكثر صدقا:
"أهواكِ،
واللهِ
هذا القلبِ منفطر
لكنني قلق،
أخشاها ذكراكا"
وهنا تتحول القصيدة من مجرد غزل إلى سيرة قلب خائف.فالحب موجود،والاعتراف به يكاد يخرج من بين الضلوع،لكن ذاكرة الهجر تقف حارسة على أبواب البوح.
ولذلك يبدو السؤال:
"فكيف أبوح؟"
ليس سؤالا عاديا،وإنما هو مركز القصيدة النفسي والجمالي.فالعاشق يريد أن يقول،لكنه يخشى أن تكون الكلمة بداية الفقد.ويأتي قوله:
"وفي عينيكِ موعظتي"
ليجعل عيني المحبوبة كتابا يقرأ فيه الشاعر مصيره،ففي العينين موعظة،وربما تحذير،وربما وعد لا يستطيع الشاعر أن يترجمه إلى يقين.
وفي المقطع الثاني،تتسع دائرة الخيال،فيستدعي الشاعر الغيم والنجم والظل والقنديل،وهي عناصر طبيعية ونورانية تمنح القصيدة فضاء حلميا رقيقا. يقول:
"يا ليتني
كنتُ مثل الغيمِ،
أرتحلُ"
الغيم هنا ليس مجرد صورة للطواف،وإنما هو رغبة في التحرر من ثقل المكان والانتظار.إنه يريد أن يرتحل،لكنه سرعان ما يعود إلى أسر الحب:
"أمشي إليه،
سجينا أقتفي ظلي"
وهذه من أجمل مفارقات القصيدة: يمشي نحو الحرية وهو سجين،ويقتفي ظله وكأنه يقتفي نفسه.فالمحبوبة ليست فقط موضوع الحب،بل أصبحت اتجاها داخليا،وأصبح الرحيل عنها مستحيلا حتى عندما يحاول الشاعر أن يرتحل.
وتتجلى شعرية د.طاهر مشي كذلك في قدرته على تحويل المفردات البسيطة إلى رموز ذات حمولة وجدانية: الغيم،النجم،الظل،القنديل،النور، الأشواق،المنديل.وهي مفردات تبدو مألوفة،لكن الشاعر يعيد توزيعها داخل تجربته الخاصة، فتكتسب دلالات جديدة.
وفي الخاتمة:
"لم أدرِ
أنَّ الحبَّ يملكني
قد ظلَّ
في الأحلام قنديلي
نوراً
إذا ما الشوقُ أدركني
فرميتُ
للأشواق منديلي"
تصل القصيدة إلى لحظة المصالحة مع الحب.لقد بدأ الشاعر منكرا له: "ما قال أهواكا"، ثم انتهى إلى الاعتراف بأنه مملوك للحب.وبين المطلع والخاتمة رحلة نفسية كاملة: من الإنكار إلى الاعتراف،ومن الخوف إلى الاستسلام،ومن الصمت إلى إلقاء المنديل للأشواق.!
أما "المنديل" في العنوان والخاتمة،فهو أكثر من قطعة قماش،إنه إشارة الوداع والانتظار والاعتراف والإيماء.وكأن الشاعر،حين عجز عن الكلام،ترك للأشواق أن تتكلم عنه.وهنا تتجلى براعة العنوان: "رميت للأشواق منديلي" فالمنديل يصبح لغة بديلة،وحين تعجز الكلمات عن حمل الحب،تتكفل الإشارة بذلك.
إن شعرية د.طاهر مشي في هذه القصيدة تنبع من قدرته على مزاوجة العاطفة بالصورة،والبساطة بالعمق،والبوح بالكتمان.وهو شاعر لا يطارد الغموض من أجل الغموض،ولا يستعرض المفردة من أجل المفردة،وإنما يجعل اللغة خادمة للتجربة، فتأتي الصورة من رحم الإحساس،ويأتي الرمز من صميم الحالة الشعرية.
ومن هنا،فإن د.طاهر مشي،في تقديري،شاعر تونسي كبير يمتلك صوتا شعريا جديرا بأن يُقرأ خارج حدود الانطباع العابر،وأن يخضع منجزه لدراسات نقدية أكاديمية جادة،لأن قيمة الشاعر لا تقاس فقط بما يكتبه،وإنما أيضا بما يضيفه إلى الذاكرة الشعرية في بلاده.
على سبيل الخاتمة:
حين يعجز العاشق عن الكلام،لا يعني ذلك أن قلبه صامت،فقد تتكلم العين،ويرتجف النبض،ويبوح الظل،ويضيء القنديل،وربما يكفي منديل صغير ترميه يد الشاعر إلى فضاء الأشواق كي تقول القصيدة كلها.وهذا ما فعله د.طاهر مشي: حوّل الصمت إلى شعر،والخوف إلى جمال،والحب إلى قنديل لا ينطفئ.!


-تنويه:
بوصفي ناقدا ومتابعا للمنجز الشعري للشاعر التونسي الكبير د.طاهر مشي،استوقفتني هذه القصيدة بما تختزنه من شعرية رفيعة،وصدق وجداني،وصور موحية،فقاربتها فنيا،إيمانا بأن الشعر الجميل يستحق أن يُقرأ بعمق،لا أن يمر عابرا.ويجدر التنويه إلى أن هذه القصيدة قد تُرجمت إلى اللغة البوسنية،وهو ما يؤكد قابلية هذا المنجز الشعري للعبور إلى لغات وثقافات أخرى.
وأرى أن تجربة د.طاهر مشي جديرة بأن تتجاوز حدودها المحلية،عبر ترجمة نماذج من شعره إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها،وأن تجد مكانها في الدرس الجامعي التونسي،قراءة ودراسة ونقدا.فالشاعر الحقيقي لا يُنصفه التصفيق وحده،وإنما تُنصفه القصيدة حين تُقرأ، وتُدرس،وتُترجم،وتبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.



#محمد_المحسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في الخاطرة الإبداعية -طعم الرحمة- للشاعر والكاتب التون ...
- حين يتحوّل الحزن إلى قصيدةٍ من نور..قصيدة الشاعر التونسي الك ...
- حين يتحوّل الحبر إلى مرآة..لوطن موجوع..! قصيدة الشاعر التونس ...
- قراءة فنية وجمالية في القصة القصيرة للكاتب التونسي القدير فت ...
- قراءة جمالية في قصيدة -أبي- للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي ...
- حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشا ...
- مرثية الأنثى الكادحة التي لم تمت: قراءة في جسد الوطن والخراب ...
- (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود.. ...
- مرثية الأنثى التي تذوب في المرايا قراءة في نص إبداعي للكاتبة ...
- بمداد الروح: الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُر ...
- طموح يعانق نجما وراء القمر: قراءة في قصيدة الشاعر التونسي ال ...
- -مسعودة فرهود-: طوق نجاة من ضوء..ونخلة لا تنحني.. قراءة-عجول ...
- الروائي التونسي الكبير محسن هنية بمعرض تونس للكتاب: مشروع تو ...
- في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة (من ورق الذ ...
- مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التون ...
- -شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحث ...
- أشجار تودع ظلالها: حين تصبح الدهشة سردا وهندسة روحية (في حضر ...
- تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير ...
- بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة ال ...
- هنا تطاوين من يراقب الجمعيات الخيرية في رمضان؟.. بين التكافل ...


المزيد.....




- الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع ...
- بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا ( ...
- -لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- -أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير ...
- عود مصطفى نصري يعود إلى أصالة بعد 13 عاما من الأمانة
- -ورثة الدم-.. أخوان يقتلان أمهما وإخوتهما الأربعة ويدفنانهم ...
- التعليم العالي: اليوم آخر موعد لتسجيل طلبات تقليل الاغتراب ل ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- بسبب تكريم هند رجب.. غرامة أمريكية على الشاعر وإيرفينغ يُسدد ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد المحسن - حين يرمي العاشق..للأشواق منديلا..! قراءة في قصيدة الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي -رميت للأشواق منديلي-