|
|
نصا تقديم وخاتمة كتابي القادم بعنوان -الفلسفة الألمانية بعيون فرنسية: من هيغل إلى هابرماس-
أحمد رباص
كاتب
(Ahmed Rabass)
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 00:10
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تقديم بمجرد قراءة عنوان هذا الكتاب إلا ويقفز إلى الذهن وجود علاقة بين ألمانيا وفرنسا على مستوى القول الفلسفي. تلك، إذن، علاقة لا يمكن نفي تبادليتها؛ أي أن التفاعل تم من ألمانيا إلى فرنسا والعكس صحيح. وهكذا ينحصر السياق الذي يتحرك فيه هذا الكتاب ضمن الاتجاه المنطلق من فرنسا نحو ألملنيا. وإذا كان ذلك كذلك فقد تفاعل الفرنسيون مع الفلسفة الألمانية تفاعلا معقّدًا ومتدرّجًا، ولم يكن مجرد “قبول” أو “رفض”، بل كان في الغالب استيعابًا نقديًا وانتقائيًا. فمنذ نهاية القرن الثامن عشر، نظر الفرنسيون إلى الفلسفة الألمانية بوصفها مصدرًا ضخمًا للأفكار، لكنه أيضًا يحمل طابعًا تجريديًا ومنهجيًا يختلف عن الذائقة الفكرية الفرنسية التي كانت تميل غالبًا إلى الوضوح، والصرامة الأسلوبية، والارتباط بالتجربة التاريخية أو السياسية. في البداية، دخلت الفلسفة الألمانية إلى فرنسا عبر كانط ثم فخته وشيلنغ وخصوصًا هيغل. لكن الاستقبال لم يكن سهلًا؛ إذ واجهت هذه الفلسفات صعوبة في الترجمة المفهومية والأسلوبية، لأن كثيرًا من مصطلحاتها لم يكن لها مقابل مباشر في الفرنسية. لذلك بدت أحيانًا للقراء الفرنسيين غامضة أو ثقيلة، بل و”ميتافيزيقية” أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، أثارت هذه الفلسفة إعجابًا قويًا لدى بعض المثقفين، لأنها قدّمت أدوات جديدة للتفكير في الحرية، والذات، والتاريخ، والدولة، والجدل. أحد أهم مظاهر هذا التفاعل كان الانتقاء. الفرنسيون لم يتبنّوا الفلسفة الألمانية كمنظومة كاملة، بل أخذوا منها ما يلائم مشكلاتهم الفكرية. فمثلاً، أثّر هيغل بعمق في عدد من المفكرين الفرنسيين، لكن غالبًا عبر قراءة فرنسية خاصة له، تبرز التاريخ والاعتراف والجدل، أكثر مما تلتزم بالنظام الهيغلي الكامل. لاحقًا، استُخدمت عناصر من الفلسفة الألمانية في الوجودية، والظاهراتية، والبنيوية، وحتى في النقد الأدبي والسياسي. في القرن العشرين، صار التفاعل أكثر خصوبة. فقد لعبت الفلسفة الألمانية دورًا حاسمًا في تكوين فلاسفة فرنسيين كبار مثل هوسرل وهايدغر، ثم أعاد الفرنسيون تفسير هؤلاء بطريقتهم الخاصة. فـسارتر وميرلو-بونتي وفوكو ودريدا ودولوز تعاملوا مع التراث الألماني لا بوصفه سلطة نهائية، بل بوصفه مادة لإعادة البناء والنقد والتجاوز. حتى حين انتقدوا الفلسفة الألمانية، كانوا يفعلون ذلك من داخل حوار عميق معها. وبوجه عام، يمكن القول إن الفرنسيين تعاملوا مع الفلسفة الألمانية عبر ثلاث مراحل رئيسية: الترجمة والإدخال، ثم التمثل النقدي، ثم إعادة الصياغة الإبداعية. وهذا ما جعل العلاقة بينهما واحدة من أغنى العلاقات الفكرية في التاريخ الأوروبي الحديث: علاقة أخذ وعطاء، إعجاب وتحفّظ، وتأثير متبادل أكثر من كونها تبعية من طرف واحد. ومن نافل القول اعتبار أن نتائج اهتمام الفرنسيين والناطقين بالفرنسية اتخذت أشكالا عدة. فإما أنها جاءت على شكل كتب ورسائل جامعية أو محاضرات أو مقالات. وبما أنه من المستحيل جمع كل المقالات المكتوبة بالفرنسية عن الفلسفة الألمانية في كتاب واحد نظرا لكثرتها وكثافتها، فقد ارتأينا إعادة نشر 14 مقالا فلسفيا كلها مترجمة عن الفرنسية ةمنشورة على موقع رقمي متعدد الاهتمامات، واعتبارها نماذج أو عينات من كم هائل من المقالات الفلسفية. وقبل عرض موجز لمؤلفي تلك المقالات ورهاناتها، نجد أنه من المهم الوقوف قليلا ع المحمول المسند إلى كلمة"عيون" الواردة في عنوان هذا الكتاب. عادة ما تدل صفة "فرنسي" على هوية قومية متعددة العناصر والمكونات، لكن ما يهمنا هنا هو المكون اللغوي؛ أي اللغة التي كتبت بها المقالات والدراسات المدرجة بين دفتي هذا الكتاب. وهكذا تعني "العيون الفرنسية" اللغة الفرنسية بحيث عوض أن نقول: الفلسفة الألمانية بعيون فرنسية، يمكن أن نقول: الفلسفة الألمانية بلغة فرنسية. والداعي إلى هذا التوضيح هو أن بعض المؤلفين الذين تعاملنا معهم في هذا المؤلف ليسوا من أصل فرنسي لكنهم يكتبون ويقرأون باللغة الفرنسية. من بين المقالات والدراسات الفلسفية التي قمت بترجمتها ونشرها على منصة "الحوار المتمدن" اليسارية، وقع اختياري على 14 موضوعا تختلف من حيث المناهج والمقاربات، ولكنها تتوحد في كونها قراءات وشروحا للفلسفة الألمانية بعيون فرنسية؛ أي قام بها متهمون ودارسون ناطقون باللغة الفرنسية، بصرف النظر عن أصولهم القومية. وزعنا هذه الموضوعات المختارة على 7 أبواب، كل باب يحتوي على وثيقتين. هكذا ضم الباب الأول مقالين: الأول كتبه جيل مارماس، والثاني عزيز هلال. فمن هما؟ مارماس، الذي ولد سنة 1971، أستاذ الفلسفة بجامعة بواتيي، ويعتبر أحد المهتمين بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية، الفلسفة الفرنسية، ومدرسة فرانكفورت، والفلسفة السياسية، وفلسفة التاريخ. أما عزيز هلال، أستاذ اللغة العربية والفلسفة بالمعهد الثانوي الفرنسي (فرع القاهرة)، فهو فرنسي من أصل مغربي، حامل لشهادة الدكتوراه بعد مناقشته لأطروحة جامعية حول "كتاب الحروف" للفيلسوف أبي نصر الفارابي (ت 339/950). هذا، وقد ضم الباب الثاني وثيقتين تعود كلتاهما إلى الفيلسوف شيلينغ، الأولى جاءت تحت عنوان "ما تدين به الحرية للحقيقة في فلسفة شيلينغ الأخيرة" وقعتها الكسندرا رو، والثانية تحت عنوان "قراءة جزئية لنظرية الأساس عند شيلينغ" بقلم ميلكوش فيتو. الكسندرا خريجة فلسفة وحاصلة، هي الأخرى، على دكتوراه في نفس الشعبة (اكتوبر 2000)، كما أنها محاضرة في الفلسفة بجامعة بواتييه منذ عام 2007، و أستاذة باحثة في مركز ابحاث حول هيغل والمثالية الألمانية بجامعة بواتييه منذ 2000 إلى جانب جيل مارماس. أما ميكلوش فيتو (1936–2020)، فهو فيلسوف بارز ومؤرخ للفلسفة، من أصول مجرية ويحمل الجنسية الفرنسية. اشتهر بشكل خاص بأعماله الهامة حول المثالية الألمانية (ولا سيما شيلينغ)، وكذلك حول الفلسفة المسيحية وسيمون فايل. وصولا إلى الباب الثالث، نجد أنفسنا أمام دراستين في فلسفة فويرباخ: الأولى هي عبارة عن قراءة لما كتبه هذا الهيغلي عن لوثر أنجزها كريستيان بيرنر، والثانية هي الأخرى بمثابة قراءة لما قاله نفس الفيلسوف عن "دين الإنسان" اعدتها الباحثة آن دوران. فمن تكون؟ ومن يكون كريستيان بيرنر؟ الأستاذة آن محللة نفسية مارست عملها في عيادة خاصة بمدينة "بو" (Pau)، وطبيبة نفسية للأطفال، ورئيسة سابقة لأقسام في مستشفيات الطب النفسي، وحاصلة على درجة الدكتوراه في القانون، سبق لها أن نشرت عدة مؤلفات عن داري النشر "إيريس" (Erès) و"لارماتان" (L Harmattan). أما كريستيان بيرنر فهو أستاذ لتاريخ الفلسفة الناطقة بالألمانية. متخصص في الفلسفة الألمانية (بما فيها الفلسفة الكلاسيكية، والرومانسية المبكرة، والهيغليين الشباب، والكانطيين الجدد، ومدرسة فرانكفورت، وغيرها) وفي علم التأويل (الهيرمينوطيقا). كما يعمل مترجمًا (حيث نقل أعمالاً لشلايرماخر، وفوريباخ، وديلتاي، وكاسيرر، وغيرهم). شغل مناصب أكاديمية في جامعة بورغوندي وجامعة ليل 3، حيث تولى إدارة وحدة البحث المشتركة (UMR 8163) المعنية بـ "المعارف والنصوص واللغة". يشارك بيرنر في إدارة سلسلة "Opuscules φ" الصادرة عن دار نشر جامعة "سيبتنتريون" (Presses Universitaires du Septentrion)، وسلسلة "Textes clés" (نصوص أساسية) الصادرة عن دار "فرين" (Vrin). وهو أيضًا عضو في هيئة تحرير سلسلة "Chemins philosophiques" (مسارات فلسفية) لدى دار "فرين"، وكذلك سلسلة "Hermeneutik und Interpretationstheorie" (الهيرمينوطيقا ونظرية التأويل) الصادرة عن دار "شونينغ" (Schöningh-Verlag) في بادربورن. وجاء الفصل الرابع مفردا للفيلسوف الألماني المثير لكثير من الجدل من خلال دراستين انجزهما على التوالي الكسندر نيهيماس وكريستوف هورن. تعرض لنا الأولى النقد الذي وجهه فيلسوف المطرقة لسقراط فيما الثانية تقدم نقده لأفلاطون. فمن هو ألكسندر نيهاماس؟ وُلد في 22 مارس 1946)، فيلسوف أمريكي من أصل يوناني. يشغل منصب أستاذ فخري للفلسفة والأدب المقارن، كما يحمل لقب "أستاذ إدموند إن. كاربنتر الثاني" (دفعة 1943) في العلوم الإنسانية (بصفته أستاذاً فخرياً) في جامعة برينستون، حيث مارس التدريس منذ عام 1990. هو عضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، والجمعية الفلسفية الأمريكية (منذ عام 2016)، وأكاديمية أثينا (منذ عام 2018). تتركز اهتماماته البحثية حول الفلسفة اليونانية، وعلم الجمال، وفلسفة فريدريك نيتشه وميشال فوكو، والنظرية الأدبية. ومن هو كريستوف هورن؟ يشغل كريستوف منصب أستاذ ومدير قسم الفلسفة العملية والفلسفة القديمة في جامعة بون. يركز في أعماله على الفلسفة القديمة والفلسفة العملية المعاصرة، ويولي اهتماماً خاصاً لكتابات أفلاطون وأرسطو وكانط. أما اهتماماته البحثية المنهجية فتتركز بشكل رئيسي في مجالات الفلسفة الأخلاقية المعاصرة، والفلسفة السياسية، ونظرية الفعل. وقد تناول في مؤلفاته كلاً من أفلوطين وأغسطينوس، بالإضافة إلى "فن العيش" كما كان يُفهم في العصور القديمة. وفي عامي 2003/2004، كان كريستوف باحثاً زميلاً في معهد الدراسات المتقدمة في برلين (Wissenschaftskolleg zu Berlin)، كما شغل منصب باحث أول في معهد أبحاث الفلسفة في هانوفر (FIPH) خلال عامي 2008/2009. وهو أيضاً محرّر في دوريتي "أرشيف تاريخ الفلسفة" (Archiv für Geschichte der Philosophie) و"غنومون" (Gnomo). خصص الباب الخامس لإدموند هوسرل عبر بحثين أنجزهما على التوالي كل من جان فيون-دوري وسمادار بستان. البحث الأول تناول ذلك التوتر بين التطلع إلى العقلانية والمطلب التجريبي في لدى هذا الفيلسوف الألماني. ويكتسي هذا البحث أهميته من كون التوتر هو المحرك الأساسي لفينومينولوجياه بحيث ان مشروعه الفلسفي يتمثل برمته في تجاوز التعارض الكلاسي بين العقلانية (التي تسعى إلى بلوغ حقائق كلية وضرورية) والتجريبية (التي تؤسس كل معرفة على التجربة الملموسة)، وذلك من خلال إرساء "عقلانية أصيلة" لا تضحي بالمعطى الحسي. أما صاحبة الدراسة الثانية فهي فيلسوفة بارزة وعالمة سريرية وباحثة تجريبية، تتخصص في دراسة الألم والمعاناة لدى الإنسان. ومن أبرز محطات مسيرتها القيادة الأكاديمية، حيث أسست وتولت تنسيق "البرنامج الدولي متعدد التخصصات حول المعاناة والألم". كما أجرت أبحاثاً مخبرية في جامعة لوكسمبورغ استكشفت من خلالها الحدود الفاصلة بين الألم الجسدي والمعاناة النفسية. وقد حصلت على درجة الدكتوراه المزدوجة في الفلسفة بمرتبة الشرف الأولى من كل من جامعة السوربون في باريس وجامعة تل أبيب. كما عملت باحثةً زائرة في جامعة هارفارد، حيث تعاونت مع الفيلسوف الشهير هيلاري بوتنام. وإلى جانب عملها الفلسفي، تنشط في مجالي التطوير السريري والاستراتيجية التنظيمية؛ إذ تساهم في التجارب السريرية العالمية، وتعمل مستشارةً في مجال الأخلاقيات الطبية الحيوية لدى الاتحاد الأوروبي. أما الباب السادس فقد جاء متضمنا لدراستبن عن مارتن هيدغر. الأولى أعدها روبنس بيليدور والثانية نيكولا تيرتوليان. أول ما نلاحظ على مساهمة بيليدور انها تعيد تناول إشكالية الحقيقة والحرية كما مر بنا في الفصل الأول من الباث الثاني والفصل الأول من الباب الثالث. في ما يلي ملخص لدراسة بيليدور: إن مسألة الحقيقة هي عينها مسألة «معنى الوجود». وهي تبلغ أقصى درجات الجذرية، وصولاً إلى جوهرها الأساسي، بوصفها حقيقة «الجوهر». ويقصد الفيلسوف هيدغر بـ«الجوهر» ما يُميِّز شيئاً ما بصفته هو ذاته. وهكذا، فإن التفكير في «الوجود» —الذي ينبثق منه هذا السؤال في أصله— قد تبلور منذ أفلاطون تحت مسمى «الفلسفة»، ثم اكتسب لاحقاً اسم «الميتافيزيقا». فالميتافيزيقا، إذا ما نُظر إليها من منظور أساسها، تُفكِّر في «الموجود» بوصفه موجوداً. وهي ذلك التساؤل الذي يتجاوز الموجودَ الذي يسأل عنه، وذلك بغية استعادته في ذاته وفي كليته، ومن ثم صياغة مفهومٍ له. ففي كل مرة يُطرح فيها السؤال عن ماهية الموجود، يبرز هذا الموجود —بصفته هو ذاته— في أفق الرؤية. وهذا التصور الميتافيزيقي إنما يستمد هذه الرؤية من ضوء «الوجود». ومن هو تيرتوليان الذي رسم لنا أطوار المواجهة بين هيدغر ولوكاتش في ثنائية الاغتراب/الاغتراب؟ هو كاتب مقالات وباحث في علم الجمال وفيلسوف فرنسي من أصول رومانية، وُلد في 12 مارس 1929 في ياش (مملكة رومانيا)، وتوفي في 11 سبتمبر 2019 في سورين. أخيرا، جاء الباب السابع والأخير متضمنا لمقالين عن الفيلسوف هابرماس الذي انتقل إلى مثواه الأخير في ربيع 2026. المقال الأول بقلم دونالد إبيرسيال والثاني بقلم كريستيان روبي. ولعلم القارئ الكريم، دونالد إيبرسيال فيلسوف كندي وأستاذ فلسفة في جامعة يورك. شغل منصب كرسي كندا للأبحاث في الفلسفة السياسية والدراسات الكندية في جامعة ألبرتا، حرم سانت جان، من عام 2002 إلى عام 2012. إيبرسيال حاصل على وسام أكاديميات النخيل. أما كريستيان روبي فهو دكتور في الفلسفة، ومُدرِّس (باريس). يعمل في تدريس الفلسفة (منذ عام 1975). عضو مؤسس في جمعية "ليزارشيتوايان" (الأرشيفيون) عام 2005، وعضو في "الجمعية من أجل تطوير التاريخ الثقافي" (ADHC) عام 2006، وعضو في جمعية "بين اثنين" (Entre-Deux) في نانت. كما كان عضواً في هيئات تحرير عدد من المجلات، وهي: (Espaces-Temps Les Cahiers) (1993-2005)، و"(Bulletin critique du livre en langue française) (1985-2008)، ومجلة (Mercure) (2006-2008). يشغل حاليا منصب مدير مجلة (Raison présente) - التي يُعد عضواً في هيئة تحريرها منذ عام 1974، وكان متعاوناً مع مجلة (Marianne) (1999-2001). من أحدث مؤلفاته: "أن تصبح معاصراً؟ لون الزمن من منظور الفن" (باريس، دار لو فيلان، 2007)؛ و"عصر الجمهور والمشاهد: مقال حول الاستعدادات الجمالية والسياسية للجمهور الحديث" (بروكسل، دار لا ليتر فولي، 2006)؛ و"شيلر أو الجماليات الثقافية: تعقيب على ’رسائل جديدة حول التربية الجمالية للإنسان‘" (بروكسل، نفس دار النشر، 2006)؛ و"رسائل جديدة حول التربية الجمالية للإنسان" (بروكسل، نفس دار النشر، 2005). خاتمة الكتاب تحتلّ المقالات والدراسات المكتوبة باللغة الفرنسية حول الفلسفة الألمانية مكانةً بارزة في مسار التفاعل الفلسفي بين التقليدين الفرنسي والألماني، لما تنطوي عليه من محاولات جادة لفهم المنجز النظري للفلسفة الألمانية وإعادة قراءته ضمن أفق نقدي ومفاهيمي جديد. وتزداد أهمية هذه النصوص عندما تُترجم إلى العربية، إذ تتيح للباحث والقارئ العربي الاطلاع على حقل معرفي شديد الغنى والتعقيد، ظلّ لمدة طويلًة حكرًا على اللغات الأوروبية الكبرى. المقالات والدراسات الفرنسية حول الفلسفة الألمانية التي يضمها هذا الكتاب بين دفتيه هي نصوص نقدية أو بحثية كُتبت بالفرنسية وتتناول بالتحليل الفلسفة الألمانية الحديثة والمعاصرة لدى كل من هيغل، شيلينغ، فويرباخ، نيتشه، هوسرل، هيدغر، هابرماس. وغالبًا ما تكون هذه النصوص مكتوبة من داخل تقاليد فلسفية فرنسية تهتم بالحوار مع الفلسفة الألمانية، سواء من زاوية الظاهراتية (الفينومينولوجيا) أو الجدل الهيغلي أو النقد أو فلسفة اللغة والمعنى أو نظرية الحداثة والعقلانية. في هذا السياق، تطمح هذه المحاولة إلى أن تكون إسهامًا ثقافيًا ومعرفيًا يستحق الاهتمام والمتابعة بالنظر إلى ما تطلبته من ترجمة ونشرٍ لنصوص فرنسية تتناول قضايا الفلسفة الألمانية، سواء في امتداداتها الكلاسيكية أو في تحولات حضورها الحديث والمعاصر. فهذه الترجمات لا تقتصر على نقل المحتوى، بل تؤدي وظيفةً تثقيفية مزدوجة: من جهة، تفتح للقارئ العربي بابًا على نصوص فلسفية مركّبة؛ ومن جهة أخرى، تساعد على بناء فهم أعمق للعلاقات النظرية التي ربطت الفكر الفرنسي بالفكر الألماني عبر قرون من الحوار والتأثير المتبادل. وتتسم هذه الدراسات الفرنسية عادةً بكونها لا تتعامل مع الفلسفة الألمانية باعتبارها مجرد موضوع خارجي، بل باعتبارها شريكًا في إنتاج الأسئلة الكبرى التي شغلت الفكر الأوروبي الحديث، مثل سؤال االعقل، والتاريخ، والذات، والحقيقة، والحرية، والوجود، والمعنى، والحداثة. كما لا ينبغي النظر إليها بوصفها محطات فلسفية منفصلة، بل باعتبارها حلقات ضمن تطور طويل أعاد تشكيل مفهوم الفلسفة ذاته. تتجلى أهمية نشر هذه الترجمات في كتاب في كونها تمنح هذه المواد حضورًا عامًا في الفضاء الثقافي العربي، وتُسهم في تعميم النقاش الفلسفي خارج الأوساط الأكاديمية الضيقة. كما أن هذا النشر الورقي، بعد النشر الرقمي، ينسجم مع الحاجة المتزايدة إلى إتاحة المعرفة الفلسفية بلغة عربية دقيقة وواضحة، تُراعي الأمانة العلمية وتُيسّر الفهم في الآن نفسه. وعليه، فإن ما أنجزته في هذا المجال يمكن اعتباره جزءًا من مشروع ثقافي أوسع يروم ربط القارئ العربي بأحد أهم منابع الفكر الأوروبي الحديث، وإغناء النقاش حول الفلسفة بوصفها ممارسة نقدية حية، لا مجرد تراث نظري محفوظ. ومن هنا تبرز قيمة الترجمة الفلسفية باعتبارها فعلًا حضاريًا يوسّع أفق القراءة، ويعيد وصل ما انقطع بين اللغات والثقافات والمدارس الفكرية. يمتد طموحي الشخصي إلى أن تعدّ ترجمة هذه المقالات والدراسات الفرنسية حول الفلسفة الألمانية إضافةً نوعية إلى المكتبة العربية، لأنها تفتح أمام القارئ العربي نافذةً على نصوص فكرية مهمّة تتناول تقاليد فلسفية كبرى، في مقدمتها الفكر الألماني بما يحمله من عمق نظري وأسئلة تأسيسية حول العقل، والوجود، والتاريخ، والحداثة. وأقصى ما أتمناه أن يشكّل نشر هذه الترجمات على حامل ورقي جسرًا ثقافيًا ومعرفيًا يربط بين الإنتاج الفلسفي الغربي والقارئ العربي المهتم بالفلسفة والنقد الفكري. وتكمن قيمة هذا العمل في أنه لا يقتصر على نقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل يساهم في إغناء النقاش الفلسفي العربي عبر إتاحة نصوص منتقاة بعناية، تساعد على فهم تطور الأفكار الأوروبية، وخاصة ما يتصل بتفاعل الفلسفة الفرنسية مع الفلسفة الألمانية. كما أن هذا الجهد يبرز أهمية الترجمة بوصفها فعلًا معرفيًا وحضاريًا، لا مجرد ممارسة لغوية، لأنها تنقل المفاهيم وتعيد إنتاجها داخل سياق ثقافي جديد. وما يميز هذه النصوص المترجمة هو أنها لا تكتفي بشرح الفلاسفة الألمان، بل تعيد قراءتهم من منظور فرنسي، أي أنها تمزج بين التحليل التاريخي والمساءلة المفهومية. لذلك نجد فيها اهتمامًا خاصًا بأسئلة مثل: كيف تتشكل الجدلية عند هيغل؟ ما المآخذ التي سجلها نيتشه على سقراط وأفلاطون؟ كيف طوّر هوسرل وهايدغر سؤال الوعي والوجود؟ إلخ.. ويشمل طموحي أن تكتسب هذه الترجمات قيمة أساسية انطلاقا من كونها تنقل هذا النوع من النقاش الفلسفي إلى القارئ العربي بلغة واضحة، مع الحفاظ على الدقة المفهومية. وهذا مهم جدًا لأن الفلسفة الألمانية من أكثر الحقول صعوبة من حيث المصطلح والبنية، والترجمة فيها ليست مجرد نقل لغوي، بل هي أيضًا تفسيرٌ وبناءٌ لجسرٍ معرفي بين ثقافتين. ولعل نشر هذه المواد في كتاب واحد قد يمنحها بعدا تثقيفيًا عامًا طالما انه يسمح بوصول هذه النصوص إلى جمهور واسع من المهتمين بالفكر والفلسفة. ويبقى في الأخير أملي كبيرا في إسداء خدمة للمعرفة وللثقافة العربية، وتعزيز حضور الفلسفة في الفضاء العمومي، ومنح القارئ فرصة للاطلاع على نصوص قد لا تكون متاحة بسهولة باللغة العربية. فمثل هذه المبادرات تظل ضرورية لتوسيع أفق القراءة، وتشجيع الحوار بين الثقافات، وبناء وعي فلسفي أكثر انفتاحًا وعمقًا. والله ولي التوفيق..
#أحمد_رباص (هاشتاغ)
Ahmed_Rabass#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التمسماني: قضية الوحدة الترابية بالمغرب تدخل منعطفا جديدا (ت
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثلاثون)
...
-
ميكلوس فيتو في قراءة جزئية لنظرية الأساس عند شيلينغ
-
لودفيغ فويرباخ: دين الإنسانة(ترجمة)
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية الفصل (التاسع وال
...
-
دونالد إبيرسيال: هابرماس والدين: ما وراء حدود العقل الخالص (
...
-
سؤال موجه إلى إمانويل كانط الذي أراد إخضاع الأخلاق للعقل
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثامن الع
...
-
رسالة مفتوحة من عبد السلام بنعبد العالي إلى جان بول سارتر (ت
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السابع وال
...
-
دروس جيل دولوز حول سبينوزا
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل السادس وال
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الخامس وال
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الرابع وال
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثالث وال
...
-
التزامات التصريح الحكومي لفاطمة الزهراء المنصوري امتداد لحمل
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الثاني وال
...
-
حكومة فاطمة الزهراء وسط زوبعة من الجدل حول شبهات فساد تحول ب
...
-
دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الفصل الحادي وال
...
-
تحول الصحافيين المغاربة إلى الكلام وتخليهم عن الكتابة قد يحد
...
المزيد.....
-
ترامب يحذر إيران من -ضربة قاصمة-، وطهران تتعهد -بحرب طويلة-
...
-
مقتل 9 أشخاص إثر تحطم طائرة بولاية فلوريدا الأمريكية
-
كارني وترمب يبحثان اتفاقا تجاريا جديدا بين كندا وأمريكا
-
بوشكوف: صراع الليبراليين والمحافظين في بولندا يعكس معركة على
...
-
فيليبو يتهم المفوضية الأوروبية بالتدخل في شؤون بولندا على خل
...
-
ترامب يقر بأن الدستور الأمريكي يمنعه من الترشح لولاية رئاسية
...
-
مصادر فلسطينية: 9 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة بينهم 5 من أف
...
-
بولندا.. إجراءات تأديبية مرتقبة بحق رئيس المحكمة الدستورية و
...
-
ميندل: طموحات زيلينسكي منفصلة عن الواقع بشأن اعتماد بديل عن
...
-
ترامب يتحدث عن خلافاته مع زوجته بشأن الرقص في الفعاليات العا
...
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|